سهى صباغ الزلمي ‘آدمي وطويل لكنّه مش طايل شي’. هو رئيس الحكومة اللبنانيّة، هي حكومة غير مشكّلة، حكومة غير معلومة حكومة تنتظر التشكيل، لا بدّ ستتشكّل ولو بعد عمر طويل أو بانتظار الأقزام السبعة (حسب قصّة الأطفال) ليأتوا ليلا والرئيس في سابع نومة فيشكّلونها بدلا عنه. يستيقظ رئيس الحكومة المكلّف وقد حلّت المشاكل كلّها، اختيرت مجموعة من خيرة الشباب، لبسوا البدلات وعقدوا ربطات العنق بشكل محكم، بعضهم تفقّد أشرطة الحذاء إن كانت مرتّبة وعلى طريقة الماما. اصطفّوا أمام الكاميرات، ابتسموا، تصافحوا وبدأوا العمل فورا. الشعب ينتظر فهو ليس معيقا، بل هو معوّق، معوّق عن الحياة ينتظر ‘غودو’ الذي فقد الأمل بمجيئه منذ زمن طويل طويل أطول من طول الرئيس بحجمه وبباله الطويل فهو ثري كبير طويل عريض غير معطّل ولا معوّق، مدخوله ماشي وأرباحه أيضا والشعب يدعو له، الله يبارك ويزيد. لا شك في أن الأغنية المفضّلة لدى رئيس الحكومة اللبنانيّة المكلّف بتشكيلها، هي لعبد الحليم حافظ ويسمعها بالكثير من التأثّر، طال شوقي وطال تعذيبي.. لو يترك سيادة الرئيس وبعد إذنه تلك الأغنية للشعب ويقصّر المسافة مع الحلول، طال عمرك يا رئيس.
الرئيس آت بكل شغفه ليخدم الوطن لكن الشغف مؤجّلة خدماته، أما الوطن فمهدورة طاقاته. أشفق الخالق على عباده في لبنان فأطال الموسم وظلّ يخدق المطر على الشعب المرهق فهو العالم بلؤم وفساد الحكومات السابقة التي لم تنشئ السدود للاستفادة من ماء الشتاء الذاهب إلى البحر الذي اعتقدوه بحاجة إلى الماء.. و.. بدأت تنقطع المياه عن بيوت الناس، رغم أن المطر لا يزال يضرب على النوافذ فيستشعر الشعراء ويستلهم الرسّامون وتغنّي فيروز، شتّي يا دنيي تيزيد موسمنا ويحلى.. فحلّوا روح البحر وروح الشعب الذي ينتظر’غودو’.. الحكومة لم تتشكّل. آه كم باله طويل الرئيس الطويل المكلّف. سيظلّ التجّار متكالبين يرفعون أسعار السلع من دون رقيب أو حسيب طالما أن الحكومة لم تتشكّل وتلك الخاصّة بتصريف الأعمال لم تسأل أصلا في السابق ولن يصحى ضميرها لتسأل الآن.
تنتظر ‘غودو’ منذ أشهر الحكومة التي لم تتشكّل، كما الشعب، لكن الفارق بينهما، أن الأولى والسابقة والأسبق تقبض الرواتب وفي تصريف الأعمال لا يعلم كيف تصرف الأموال، أمّا الشعب فسيأتيه ‘غودو’ بالمال، لكن حين يأتي.. يا سبحان الله ولد الوعي عند المواطنين وبدل مناصرة الزعيم والطائفة والمذهب، انتبهوا بأنّهم تحت خطّ الفقر والمرض والذلّ فبدأوا بتنظيم المظاهرات والقيام بالإضرابات مطالبين ‘غودو’ نفسه بتحقيق المطالب وبما أنه غائب، أية مطالب ستتحقّق؟..’يا رايح عالحجّ والناس راجعة’. أليس الأجدر بهم أولا، أن يطالبوا الحكومة غير المشكّلة أن تظهر للعيان بعيدا عن خجل العذارى، وان يطوّقوا قصرها كنساء ينتظرن امرأة تعيش حالة مخاض كي تضع طفلها، إن كانت النتيجة كما تمنّوا، ابتسموا برصانة ونظروا بحذر من فوق النظّارات، وإن كانت عكس ما تمنّوا يمنعونها من إبصار النور. الوضع لم يعد يحتمل التجارب. من الأشياء غير المحتملة، أن يأتيك وزير وبعد انتظار ‘غودو’ وبكامل أناقته ليتلفّظ باسم أبناء طائفته ولا يذكر الوطن ولا أبناءه.. اقطعوا لسانه يا مواطنين، لا تدعوا الاسطوانة تتكرّر ولا تأسفوا لصوته النشاز فهو ليس أم كلثوم ولا عبد الوهاب وافرضوا بعض أو الكثير من اللاءات والنعم.. شتّي يا دنيي تيزيد موسمنا ويحلى، لن نقبل بحكومة تحاربنا بالطائفيّة وبالقذارة والعطش.. آه وجدتها، بما أن الرئيس الذي لم تتشكّل حكومته ثري وصاحب مصالح، سيوزّع على المواطنين العطور في أزمة انقطاع المياه ليغتسلوا بها.
آه.. آه.. أيضا وجدته سبب عدم تشكيل الحكومة فهو ثري وصاحب مصالح ولا بدّ أنها مهدّدة إن لم يكن ولدا مطيعا للسفارات؛ أمّا الحل فهو واضح كالشمس ألا يقبل الشعب بأي رئيس ثري لأن مصالحهم ستتضارب. إذا على الرئيس المكلّف أن يعتذر عن التشكيل الذي لم يتشكّل وليقم بوقت فراغه بممارسة لعبة كرة السلّة، وستدخل الكرة بالسّلّة وترنّ رنا، هنا مؤهلاتك يا رئيس يا طويل تخدمك تماما، أمّا في الحكومة فالأمر ليس سيان.
من نعم الله علينا أن اوجد لنا البترول في بلادنا لكن أسعار البترول ومشتقّاته بارتفاع. ونعود للشتاء الذي يفيض علينا ماء، أنهارا وينابيع وشلالات، حتى البحر المالح فاض منه نبع للمياه العذبة، يا الله إنها أعجوبة لا تصدّق بل الذي لا يصدّق أن الشعب اللبناني مقطوع من الماء.. أما الطاقات البشريّة فقد أعاقها كل ما مرّ من حكومات.. دعونا لا نتوغّل أكثر بمعاناة الشعب اللبناني الذي أقدم عدد ليس بقليل منه على الانتحار بكل كبرياء بسبب فقر لم يستطيعوا التعوّد عليه. لن نسترسل بالكلام عن فساد الحكومات السابقة والمتتالية.
لحسن الحظّ هناك حسنة واحدة في لبنان الذي طلعت منه مقاومة أردت أعتى عدو في المنطقة (إسرائيل) وفي الداخل منعت الفتن وأجهضت محاولات كثيرة لإشعال حرب أهليّة جديدة واكتشفت ولا زالت تكتشف جواسيس وعملاء؛ فهل هو ذكاء أم غباء أن نطلب من المقاومة أن تقف بوجه السفارات التي تعيق تشكيل الحكومة لا سيّما السّفارة التي تمرّغ وجهها وهزمت في حرب تموّز 2006 مع الإسرائيليين حين كانت تدعمهم وتحسّهم وتحرّضهم على الاستمرار في عدوانهم على لبنان؟ أجد أن المقاومة بقيادييها مسؤولة عن متابعة مقاومتها بحماية البلد وهذه المرّة في الداخل، طالما لا زالت هي نفسها السفارات، ما العمل إن كان الداخل يعجّ بالعملاء والمستنفعين من وضع كهذا غير مستقرّ. ربما يكون الجواب، أن الداخل يعجّ بالطوائف وسيعتبرون ذلك تطاولا وبداية التأسيس لولاية الفقيه. كفى هراء فمناصرو وحلفاء المقاومة هم من مختلف الأطياف ولا أريد الوقوع بالكلام الطائفي الذي اعتدنا عليه في هذا البلد. أنصح أهل المقاومة بالمحاولة فمن كان مع هذا وذاك في السابق، ثم شتمهم حين تغيّرت الظروف وأتت الأوامر من هنا وهناك، لا يستحق التوقّف عند رأيه خاصّة إن كان وضعه مشبوها وأكثر من ذلك.. لتكن مقاومة حتى لا نقول ثورة لان الوضع دقيق في لبنان ولا زلنا نتكلّم عن عملاء لن يكون همّهم سوى التخريب بحجّة تلك الثورة. نريد أكل العنب وليس قتل الناطور. وعدا لمحبّي الأزياء لن نرتدي الحجاب بل سنبقى محافظين على الجينز الممزّق ليس مجاراة للموضة ولا لغرض الإغراء، لكن لسوء الوضع المعيشي ولإرضاء ساديّة من يرغب أن يجعل منّا متسوّلين في بلاد الخيرات ولتلاميذ بلاد الجينز والقنابل الذكيّة النجباء، من المؤكّد أنه نفد منهم الذكاء.. فلتكن مقاومة في الداخل لأن الوضع لم يعد يحتمل والتفجير مخيف. ‘ كاتبة وفنانة تشكيلية لبنانية