طيف هاجر وكف كتابي

حجم الخط
0

كأنّ لم يمر لا وقتٌ، و لا ثواني.. كان المقعد المتحرك، لا يزال يشغل وحده الغرفة الصغيرة النائية. كما في كل ليلة، كذلك هذه الليلة، كان عليه أن يتفقد سلّة الأشياء المهملات، في هذه الغرفة كما في باقي الغرف. لم يكن ثمة أحد هناك، ولا ذرة غبار. كان المكان أنيقاً كدودة، فارغاً كوعاء، لامعاً كحذاء جديد. بارداً كزوجة، ثقيلاً كصديق وقت الضيق. كان هذا عمله، لكنه شعر بذعر شديد عندما رأي لوحة جديدة، تنتصب أمامه كرب عمل. راح يتفقد المكان الذي حفظه عن ظهر قلب.. لم تكن اللوحة المكعبة، معلقةً في وسط الحائط، كما يجب، أو كما يحبها المشاهدون عادةً، أن تكون. كانت تحت مستوي الوسط بقليل.

كذلك كي يتسّني، للبحر الذي في اللوحة أن يبحر. وان يعتلي هو احدي الصخور المائلة نحو مقعد الغرفة المتحرك بثبات. جلس علي المقعد، راح يجدّف بيديه الهواء الراكد في الغرفة. بدأت الأمواج تتلاطم والأفق، الذي بان بعيداً في فضاء اللوحة، راح يقترب. شيئاً فشيئاً كانت سماكة الأزرق تنفتح. وبدأت حرارة تلك الأرض تتسلل الي فكره. فيما كانت قدماه لا تزالان معلقتين في هذه البلاد الباردة والغريبة. كانت الخلجان والجبال تمر من تحته كسحاب خفيف. عيناه تشداه كعيني صقرٍ الي تلك الصخور المنحوتة بلعاب البحر، نحات العجائب الناتئة. هناك علي صخر الجنوب، جنوب الأرض، لاح له من بعيد طيف امرأة، جنوبية سمراء، انها!

، لا بد هي، هاجر.. بلي، انت هاجر! انطقي الآن… اخرجي من اللوحة، من البحر، من الصحراء، من الكتب والأساطير القديمة! أردف يحدث نفسه بصوت عال: ـ الفرصة لا تضيع ابداً، أليس هذا كلامك يا هاجر!

؟ بعد قليل أحدثت زوجته جلبة في الغرف المجاورة، حيث كانت تقوم بعملها هناك.

فخرج من اللوحة، و أزال بفوطة كانت في جيبه، الخطين المتوازيين، اللذين خلّفهما دولابا المقعد علي اللوحة. راحت ملامحها تنكمش والمكان يضيق كقبر ووجهها يغدو رتيباً كأم حنون، حزيناً كزوج يجلس علي كرسي الشرف. فرحاً كفقيد يمشي علي روؤس التعساء في جنازة. متجانساً كدعاء، مملاّ كقافية. وراح يسرع في عمله كالمعتاد. ثمّ راح يسخر من فكرة الوسط. وضرورة التوسط في الأشياء أو المرور بينها، أو جمال الوسط. والأوسط من الأمور. و كيف تراهم يقرّون، بأن خير الأمور يكمن في أوسطها؟! وتساءل:

ـ من تراه سنّ قانون الوسط؟ هل هو نفسه مَنْ سماه: الوسيط في القانون؟ والوسيط في الجغرافيا؟ وبعد أن تبدد نقد فكرة الوسط، أو ضرورة تعليق اللوحة في صدر الحائط. بدت له اللوحة جميلة هكذا كما هي، بل اجمل منها في وسط الحائط. بل أجمل وأفضل من الحائط نفسه.. كانت الأشياء تحافظ علي أمكنتها المعتادة في ترتيب مثير. راكنةً مطمئنة، الي نظام مريب من التراتب والإحترام، كأنما ليس ثمة البتة مَن شكك للحظة بدوام وجودها هذا.

وحدها أكياس القمامة، كانت تضج بحياة الزائرين المهملة، اغراضهم الزائدة عنهم، كانت تشي بهم، و تشهد علي وجودهم السابق و مرورهم من هنا. هذه أوراقٌ عليها كلمات غير عزيزة علي اصحابها، وهذه أعقاب سجائر نُفث دخانها ها هنا. لا أراهم، ولكنهم هنا يلفون المكان.. أعرف ذلك، سيكتشفون، ذلك بآلآتهم اللعينة لاحقاً. هذا منديل أودعه صاحبه عصارة ما عنده. القمامة وجه وجيه من وجوه الحضارة، كيس لا ينتفي الاّ بانتفاء مظاهر الحضارة كافة.

ناجي طاهرغرب المانيا6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية