بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: على الرغم من انقطاع الشاعر العراقي الكردي طيب جبار (كركوك 1954) عن الكتابة والنشر لأكثر من عشرين عاماً، إلا أنه لم ينقطع عن القراءة ومتابعة الساحة الثقافية وما ينشر فيها.
جبار الذي بدأ النشر منذ منتصف السبعينيات، وكان اسماً مهماً في الشعر الكردي حتى توالت الأحداث السياسية والتهميش الذي تعرض له الكرد منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى سقوط النظام البائد، فتوقف عن الكتابة والنشر منذ العام 1987، ليعود مجدداً في العام 2008 بشكل جديد ومغاير لما كان عليه في السبعينيات، فأصدر ثلاث مجموعات شعرية باللغة الكردية، وهي: مرثية الرماد 2008، يوم أموت 2010، قصائد تلتفت إلى الأمام 2011. كما أنه أصدر مجموعتين شعريتين باللغة العربية، وهي عبارة عن ترجمات ومختارات من المجموعات الكردية: ذات زمان الظلام كان أبيض 2010، وقصائد تلتفت إلى الأمام 2012. فضلا عن الشعر نشر جبار عدة مقالات في الهندسة وفلسفة المكان، فاصدر كتابه (مشاريع لتخريب أخلاق الماء). ومن اهتماماته أيضاً البحث عن الموسيقى والبنية الإيقاعية في الشعر، ليقدم رؤيته الخاصة في كتابه (البحث عن إيقاع الكلمة- مقالات في الأدب والفن) في العام 2009.
في هذا الحوار، حاولنا تسليط الضوء على الشعر والنقد الكردي، وأهم الاشتغالات التي حاول طيب جبار استثمارها في نصه الشعري وكتاباته النقدية:
* بين كركوك والسليمانية، ماذا يعني لك المكان؟ وكيف كان تأثيره في نصك الشعري؟
* للمكان تأثير كبير على سلوك وإحساس الكاتب. فهو يتعامل يومياً وبشكل مستمر مع المكان جسدياً وذهنياً. كركوك والسليمانية، مدينتان محببتان إليّ، قضيت فيهما أكثر سنوات عمري منذ الطفولة وحتى الآن، وأصبحتا بيتين مألوفين لا أحب الابتعاد عنهما. ولكن لنكن واقعيين، لحد الآن يتعامل الاديب الكردي مع المكان من بُعد ريفي أو زراعي، ونستطيع أن نقول إنه يتعامل مع مكان الطبيعة وظواهرها بشكل عام. لا يوجد لدينا أدب مديني بالمعنى الصرف لأن الأديب الكردي مثل شعبه تعرض لأبشع أنواع الغدر والقسوة والاضطهاد والتهميش منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى الآن، ولم يستطع الاستقرار في مكان واحد. المدن الكردية حتى ستينيات القرن الماضي كانت بمثابة قرى كبيرة، لذا فإن إحساس الأديب يتعامل مع مكان الطبيعة بشكل عام. ومدننا ما تزال تتحكم فيها العقلية الريفية الزراعية وليست لدينا مدن صناعية متطورة مستقرة لكي تنعكس دلالات المكان المديني بشكل مؤثر في نصوصنا الأدبية. أنا كإنسان لي ولع كبير بالطبيعة وأحب التعامل المباشر معها والتأمل فيها كثيراً. الطبيعة لديّ هي ميزان توازن الروح المختل لدى الإنسان، لذا فالمكان الريفي والطبيعة بشكل عام هي المسيطر على نصوصي، أما المكان المديني فينعكس بصورة أقل، ويمكن ملاحظة ذلك في نصوصي الشعرية.
* لم تعرف بالاهتمام بالنشر أو الظهور في الوسط الثقافي والأدبي، كما أنك مررت بفترات توقف طويلة عن الكتابة، لم هذا التوقف؟ وما التحولات التي طرأت على نصك الشعري قبل التوقف، وبعد العودة إلى الكتابة والظهور من جديد؟
* نعم، كنت قليل الاهتمام بالنشر والظهور في الوسط الثقافي والأدبي. ولهذه أسبابه الذاتية والموضوعية يطول ذكرها الآن. في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كتبت قصائد كثيرة، لكن أكثرها ضاع ولم أنشر في الصحف والمجلات إلا قصيدة واحدة بداية سنة 1973 في جريدة «برايتي» الكردية. وشاركت في بعض الندوات الشعرية أواسط الثمانينيات ولكني لم أنشر وتوقفت عن كتابة الشعر منذ سنة 1987 لغاية سنة 2008، لكني لم أتوقف عن المتابعة والقراءة أبداً. بعد انتفاضة آذار/مارس 1991 بدأت بكتابة ونشر مجموعة من المقالات الأدبية والفنية في التسعينيات، وفي بداية الألفية كتبت ونشرت مجموعة مقالات في النقد الهندسي عن المدينة والمكان والمشاريع. قبل التوقف عن كتابة الشعر كان نَفَسْ قصائدي شبيهاً بنَفَسْ قصائد شعر السبعينيات الكردية. وكان عليّ تأثير بعض الشعراء، أما بعد العودة سنة 2008 فبدأت أكتب الشعر بشكل مغاير جداً عما هو سائد في مشهد الشعر الكردي ومغاير لقصائدي السابقة. لم اتأثر بعد عودتي للكتابة بأي شاعر، وسلكت طريقي الخاص، وكنت أتمنى أن يقرأ النقاد، ولكن مع الأسف النقاد في المشهد الادبي الكردي يُعدون غير الموجودين، وتحول الخطاب الجماعي الثوري المقاوم لديّ إلى خطاب ذاتي مع تغييرات كثيرة في مجال الشكل والتكنيك والصور والرؤى نتيجة قراءاتي الكثيرة في مجالات نظرية الأدب وتصنيف الفنون وعلم الجمال وفن الشعر وأساليبه ومدارسه.
* اشتغلت في أجناس أدبية عدَّة، الشعر، محاولات في القصة، النقد، الكتابة عن المكان… كيف يمكن أن نحدد توجه الكتابة بين جنس وآخر؟ وما الدوافع التي تحرك الكاتب للاشتغال على أكثر من جنس أدبي؟
* همي الرئيس في الكتابة هو الشعر، أما القصة فكانت لدي محاولات في بداية السبعينيات، وكانت لي عدة نصوص ضاعت، فتركت كتابة القصة. أما كتابة النقد الادبي والهندسي فتفرضها ظروف القراءة والمتابعة والعمل. هناك سوء فهم في المجال الأدبي أو تقييم وتحليل نص جيد أو الاشارة إلى أخطاء وسوء استعمال اللغة لدى بعض الأدباء، أو سوء التعامل مع المكان والمواد والفضاء من قبل بعض المهندسين ومسؤولي الدولة. عند الكتابة لا أستطيع أن أكتب في آن واحد في أكثر من جنس من الأجناس الأدبية، رغم أن الشعر له هجمات مُباغتة، لم أخطط لكتابة الشعر منذ بداياتي، إنه يباغتني ويسيطر عليّ.
* يؤكد أغلب النقاد على ابتكارك لصور طيب جبار الخاصة، والسردية التي تغني بها نصوصك الشعرية. وربما كانت السردية من أهم مميزات قصيدة النثر، كيف يمكن أن نقرأ قصيدة النثر الكردية بالمقارنة مع قصيدة النثر العراقية والعربية بشكل عام؟
* يقول الشاعر الاغريقي هوراس أن (الفن صورة) وأنا أضيف وأقول (الهندسة صورة) أيضاً. إذا كان الفن صورة والشعر أحد الفنون الرئيسة وهو عبارة عن صورة مرسومة بالكلمات، أي صورة معنوية أداتها الكلمة، والهندسة صورة وهي صورة مادية أداتها المواد الإنشائية، فإن الإبداع هو عمل شيء جديد لم يكن موجوداً من قبل، أي تشكيل صورة جديدة، والشاعر المبدع هو من يبتكر صوراً معنوية جديدة لم تكن موجودة، وإلا فما معنى أن تُشكل صورة مكررة أو مطورة لصورة قديمة. المخترع الأول في صناعة السيارة هو المبدع الأول والأخير والبقية تكرار وتطوير. لذا على الشاعر أن يخلق صوره المعنوية الخيالية الجديدة لكي يكون مبدعاً لا مُقلداً وذلك بجعل المألوف غير مألوف وبالعكس، وكسر الأواصر بين الأشياء الحسية في الطبيعة والصفات الإنسانية وخلق أواصر جديدة بحيث تكون مُجسدة في ذهن المتلقي. برأيي، إن هناك خلطاً في الفهم لدى الشعراء الكرد والعرب حول قصيدة النثر، يُمكن الاستفادة من السردية في قصيدة النثر بأسلوب مختلف عما هو موجود في الأجناس السردية الإبداعية. السردية لها عناصرها الخاصة، كوجود الزمان والمكان الحقيقي والبطل والراوي والحدث…. الخ. أما في الشعر وفي قصيدة النثر فلا يوجد الزمان والمكان الحقيقيان، ولا يوجد أبطال وحوادث على النحو الموجود في القصة مثلاً، بل توجد صور خيالية جديدة. قصيدة النثر هي صور شعرية بلغة نثرية ويُمكن أن تستفيد من السرد لغرض شعري.
قصيدة النثر الكردية حالها حال قصيدة النثر العربية مليئة بالفوضى وكما تلاحظ ذلك في الكتب والمجلات والمواقع الالكترونية وهذا ما سبب استياء القراء منها.
إن النصوص الموجودة في مجموعتي المترجمتين إلى العربية (ذات زمان.. الظلام كان أبيض) و(قصائد تلتفت إلى الأمام) ليست قصائد نثر، بل هي نصوص في الشعر الحر. لعلمك إن القصائد السبع الموجودة في المجموعة الاولى، ستٌ منها موزونة في النص الاصلي باللغة الكردية عدا قصيدة «دعاية إنتخابية» فهي غير موزونة. كل قصيدة غير موزونة لا تعتبر قصيدة نثر، وأنا لا أعد محمد الماغوط أحد رواد قصيدة النثر، بل من رواد قصيدة الشعر الحر، حيث قصائده مليئة بالصور الشعرية وبلغة شعرية وليست نثرية. تُعجبني قصائد النثر للشعراء أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وفاضل العزاوي وصلاح فائق وعقيل علي وعبد العظيم فنجان وبعض الشعراء الشباب العراقيين والعرب.
* على الرغم من إجادتك اللغة العربية، إلا أنك حتى الآن لا تكتب نصوصك الشعرية إلا باللغة الكردية، لماذا؟ ومن هم أفضل المترجمين الذين تمكنوا من فهم عوامل طيب جبار ولغته الخاصة؟
* نعم، أجيد اللغة العربية ولكن اللغة الكردية لغتي الأم، أعرف خصائصها وأسرارها وخفاياها ومجازاتها وانزياحاتها أكثر من اللغة العربية. مراحلي الدراسية (الابتدائية، المتوسطة والاعدادية) كانت باللغة العربية والجامعية باللغة الانكليزية. بصراحة بدأت الكتابة باللغة العربية سنة 1968 وكنت طالباً في مرحلة الدراسة المتوسطة، أحتفظ بدفتر لتلك السنة يحتوي على تلك الكتابات حيث مجموعة من الاشعار باللغة الفصحى والعامية العراقية مع ثلاث مسرحيات (أو قٌل سيناريوهات أفلام) كتبت تلك النصوص تحت تأثير طقوس أغاني (أم كلثوم، نجاة الصغيرة، ناظم الغزالي، زهور حسين، فريد الاطرش، مائدة نزهت، سميرة توفيق، عفيفة أسكندر، صباح، فيروز، طروب، فهد بلان، وديع الصافي، هيام يونس، محرم فواد وآخرون). وكتبت المسرحيات تحت تأثير الأفلام التي كنت أشاهدها حينذاك في دور السينما في كركوك، وخاصة الافلام الهندية والغربية.
أقرأ باللغة العربية كما أقرأ باللغة الكردية تماماً، لكن كتابة الشعر باللغة الكردية أسهل لي نوعاً ما، لأن عجينة اللغة الكردية أراها أنعم، كما أن جميع أحلامي وشطحاتي ورؤاي كلها باللغة الكردية، لم أفكر لحد الآن بكتابة الشعر باللغة العربية.
أفضل مترجم تمكَّن من فهم صوري الشعرية ولغتي الخاصة هو الاستاذ «عبدالله طاهر البرزنجي» وأبدع في ترجمة قصائدي إلى اللغة العربية، رغم أن هناك بعض الجمل والتراكيب اللغوية لا يمكن ترجمتها ونقل إيقاعها كما مكتوب في اللغة الكردية. اللغة الكردية مثل بقية اللغات غنية بالمفردات والمصطلحات والايديومات الخاصة بها.
* من خلال اشتغالك بالنقد، هل تمكن النقد الكردي من بناء منهج خاص به، ومتابعة النتاج الكردي الغزير؟ أم ما زال متلكئاً وصحفياً كما صرح بعض النقاد بذلك؟
* لدينا نتاج شعري كردي غزير والشعراء الجيدون كما لدى كل الشعوب قليلون، رغم ذلك فالنقد الأدبي الكردي يتلكأ، إنه غارق في الإسلوب الإنشائي ولا يواكب الحركة الشعرية البديعة، الكتابات النقدية الصحفية تهتم بالمضمون، كما أن النفس الصحفي طاغٍ عليها، ويُعنى على العموم بالمضمون والتفلسف. هناك نقاد لا يعرفون ماذا يريدون وماذا يقولون.
ليس لدينا نقاد مرجع أو نصوص نقدية مرجعية، وليس لدينا نقاد يهتمون بتحليل النصوص فنياً من حيث الشكل والتكنيك. باختصار، إن كاتب النقد الكردي يهتم بالمضمون ولا يعرف عن الشكل شيئاً كثيراً. وقس عليه حال مدننا ومشاريعنا الهندسية لأن الهندسة ليست تطبيق المواصفات فقط كي تحصل على متانة، بل الأهم هو كيفية دراسة وتطبيق القياسات والأبعاد الجمالية والفضاءات….. الخ. فالنصوص الأدبية أيضاً ليست مضموناً فقط، بل هي مضمون يُطرح في شكل فني متميز، عكس ذلك لا يُعد أدباً. لم يستطع الناقد الكردي أن يُفرق بين النصوص الفنية وغير الفنية، إلا عدد قليل جداً لا يتجاوز نصف أصابع اليد الواحدة. ليس لدينا منهج خاص بالنقد الكردي، بل نقد فوضى مستعار.
* أنت مهندس مدني، وكتبت في النقد الهندسي وبنية المكان، هل أثر ذلك على بنية نصك الشعري؟ وكيف استفدت من الشعر في التفكير الهندسي؟
* هناك علاقة متينة بين الشعر والهندسة. كلاهما فن. الشعر فن جمالي أداته الكلمات لخلق الصور، الهندسة فن وعلم تطبيقي. احدى ركائز الهندسة هي التصميم، والتصميم يحتاج إلى الخيال والتأمل العميق الهادئ لخلق الصورة الجديدة وتطبيق الصورة عقلياً وعملياً في الواقع، الهندسة أداتها المواد الإنشائية ولها مواصفات ومعادلات رياضية وقياسات وفضاءات وأبعاد جمالية.
استفدت من فن الشعر في الهندسة وبالعكس، لذا ترى بعض الأبعاد والمدلولات الهندسية والألوان في أكثر نصوصي وخاصة قصيدة «ثلاث رباعيات خماسية» وقصيدة «نامي يا حبيبتي» وبعض مقاطع قصيدة «قصائد تلتفت إلى الامام». وكثير من الناس والأدباء يقولون لي بأن نصوصك الشعرية تحمل خصائص هندسية.
* من الملاحظ في عدد كبير من نصوصك الاهتمام بالتكرار داخل النص الشعري، ومن المعروف أن التكرار بنية صوتية مهمة في الشعر، منذ الشعر السومري واليوناني وحتى الآن. ما البنى التي تشتغل عليها في آلية التكرار هذه؟ وما الذي ينتجه التكرار في نصوصك؟
* نستطيع أن نقول إن التكرار هو ميلودي القصيدة نوعاً ما، فهو يحاول أن يحول القصيدة إلى أغنية، والأغنية أقرب إلى الموسيقى أكثر منه إلى الشعر. الوصول إلى الموسيقى هدف كل الفنون، لأن الموسيقى أبو الفنون. ولكن الوصول صعب لأن الأدوات والمهام تختلف. لذا فالتكرار بنية إيقاعية من بنى القصيدة، استعمال التكرار بشكل فني وجيد ومنظم لا يضر بالقصيدة بل يغنيها إيقاعياً.
* ما جديد طيب جبار بعد إصداره أكثر من خمس مجموعات شعرية؟ وهل هناك أجناس أدبية أخرى تنوي الاشتغال عليها في المستقبل؟
* أنا لم أصدر خمس مجموعات شعرية باللغة الكردية بل ثلاث مجموعات، والمجموعتان الشعريتان بالعربية ومجموعتي الانكليزية لا تعتبر مجموعات إضافية، بل هي قصائد مترجمة من المجموعات الثلاث بالكردية إلى اللغتين. أي لديّ ثلاث مجموعات باللغة الكردية وهي (مرثية الرماد) و(يوم أموت) و(قصائد تلتفت إلى الأمام) ولدي كتابان نثريان بالكردية، أحدهما عن الأدب والفن (البحث عن إيقاع الكلمة) والآخر عن الهندسة والمكان (مشاريع لتخريب أخلاق الماء).
أنا مستمر في كتابة الشعر وفي النية إصدار مجموعتي الرابعة باللغة الكردية السنة القادمة، كما أن لدي مشروعين قيد العمل، أعمل فيهما بين آونة وأخرى لإنجاز كتابين نثريين أحدهما حول فن الشعر والآخر حول فن إنشاء المدن.
لا توجد لديّ نية للاشتغال في أجناس أدبية أخرى. لأن كتابة الشعر الخالص صعبة جداً وتحتاج إلى التفرغ والتأمل والبحث عن الإشراق والومضات وتشغيل المخيلة مع الإرادة القوية لإنتاج نص متميز وإبداعي، ولكن ظروفي المعيشية والاجتماعية لا تساعدني على التفرغ، لكني أسرق الوقت من بين هموم الحياة.