كثيرا ما نتساءل ما الكتابة؟ وهو سؤال حيوي بحد ذاته، لكنّه بلا أبعاد في إجاباته، فمحو علامة الاستفهام هذه يحتاج إلى مجلداتٍ ضِخام، فالكتابةُ هي الإنسان. هي هذا الكائن العجيب الذي يَعدُّ نفسَه جرمًا صغيرًا، وفيه تنطوي أسرارُ الكونِ كلِّه.
الكتابةُ عندي عمليةُ تفجيرِ الذخيرةِ الحيّة المخبوءةِ داخلَ أنا الكاتب، والمستدعاة من عمقِ جــــذورِه في العقــــلِ الجمعيِّ والخلفيـــاتِ المعرفية واللاوعي والذكريات، وكلّ هذه المنظــــومة التي تشكّلُ تلك الذخيرة، وتأتي الأنا لحظةَ الكتابةِ لتفجّرَ المكنونَ، إعذروني على تكرار التفجير وملحقاته؛ فنحن أبناء هذا الوطن المسكون بهذه المفردة دوما.
مهند الخيكاني – المقروء هنا – شاعرٌ يَعرفُ أسرارَ السلكِ الأحمر في تجربتِه، فيتفجّرُ نصًّا مُزَاحًا مع كل تجربةٍ كتابية جديدة يمارِسُهَا، وإذا كان المعتادُ أنَّ الشاعرَ يبني نصَّه عبرَ ما أُسمّيه بـ(نظرية التراكم الانزياحي) التي قد تنجحُ في إنتاجِ المعنى الشامل، أو لا تنجح، بحيثُ يصبحُ نصُّه قنابلَ موقوتةً، يمكنُ أن تنفجرَ كلُّها، ويمكنُ أيضا أن تنفجرَ تدريجيًّا ما يُضعف عنصرَ إثراءِ الكونِ بالضجيجِ الكلِّي المُحبَّبِ فيها، فتصبحُ شبيهةً بالمفرقعات. مهند لم يكن في «يرمي الحياة من النافذة» كذلك، بل نجحَ في أن يمسكَ بخيوط تجاربِه ويحقّقَ هذا الضجيج الكلّي، أو ما أسميه بـ(الانزياح الكلي) في كلّ واحدةٍ منها.
وأنت تقرأُ لمهند، لا يمكنك أن تقطعَ عضوًا من جسد النصِّ، كأنّه كتلةٌ واحدةٌ منزاحة، تتحركُ فيها أنا الشاعر، تتنفسُ، تقتحمُ المقدّس، تنزاحُ عن الآخر الجمعي، إلى عوالمَ غير مأهولة بالمعتاد، مناخاتِ تكايا المريدين، وأزقة المعوزين، وفضاءاتِ المُهَمَشِين، في نصوصِه إحياءٌ لمواتِ الهامشي، والمحلي، والواقعي واليومي والعدول به نحو الهاجس الكوني الموحّد، هو معنيٌّ بإثارة مشكلات غير موجودة، أو مركونة دائمًا، كالذكريات السيرذاتية الطفولية، وضحايا العقل الجمعي، إلخ، هو ـ في الحقيقة ـ يُساعدنا على رؤية ما لا يُرى. هذا الجنسُ الكتابيُّ الذي يُبدعُ فيه مهند، على الرغم مما امتلكُ تجاهه من ثوابت، وعلى الرغم من كون مهند يزاول القصيدة الفراهيدية العمودية الجديدة بصورة لطيفة، إلا أن تجاربه في هذا النمط الكتابي وضعتني ـ من جديد – في زاوية التساؤل الآتي: كيف تُجنّس طيرمي الحياة من النافذة»؟
إن ظاهرة تشعير النثر، بدأ ظهورَها الرسمي منذ خمسينيات القرن العشرين، ومنحها المهووسون بها ـ آنذاك – هُوِيَّة (قصيدة) حين سمّوها بـ(قصيدة النثر)، وهي في الواقع تسمية عمّقت شذوذها وخُنثيتها، وبعيدًا عن هذا الضجيج الذي لم يخمد منذُ شُبُّ أُوارُه إلى يوم الناس هذا، فبالنسبة لي أرى أن هذه التسمية، هي قيد لانفلات هذا النمط الكتابي، فهو اجتماع أضداد، جسدٌ نثريٌّ شعريٌّ، والإصرار على قتل التنوّع فيه، ووصفه بالقصيدة أمر محزن حقًا. عندي أنها تتمظهر بشكلين بعيدا عن أحلام دعاة تذويب التجسيم في الشعر، والقول بأنَّ الشعرَ أكبر من الشكليات، وغير ذلك من محاولاتِ فلسفةٍ قِيلت سابقًا، ولم تفلح، قلتُ أنها تتجلّى بشكلين: أحدهما أُسمّيه بـ(الكتابة النثرية العمودية)، والآخر بـ(الكتابة النثرية الأفقية)، وقد يتبادرُ للذهن هنا تساؤلٌ مفادُه لماذا الكتابة؟ وهو تساؤلٌ محقٌّ فعلا، لماذا الكتابة؟ لأنها ببساطة ممارسة كونية، الكتابةُ تجربةٌ شاسعةٌ تحطّمُ قيدَ (القصيدة) التي علَقَتْ بهذا النمط الكتابي بسببِ تسميةٍ غريزيةٍ عابرة، الكتابةُ الإنسان، هي كلُّ ما يعنيه هذا الكائن بهذا الكون، هي لسانُ حالِه الأول منذ فجر الحضارات، حين حاولَ أن يكتبَ نفسه على جدران الكهوف، ويقول للآخر المحيط أنّه موجود، وهي محاولة لكتابة الذات، وموضعتها إزاء هذا الآخر، الذي يتحلّق بها، هي ذلك (المعروض) في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ لأنّ العرض مادي، ولا يُمكن أن تُعرَض تلك الأسماء ـ أيا كانت هي ـ إلا بالكتابة.
الكتابة عرضُ الأنا على الآخر، هي الإنسان حين يعرض نفسه على الآخرين، أما لماذا (النثرية)؛ فلأن النثرَ أبٌ للشعر، والشعر ابنه البار، ولولا وجود النثر لما وُلِدَ الشعر، هو تطورٌ طبيعي عن ذاك الكل الجامع، فرعٌ يعود لذاك الأصل، ولماذا (العمودية والأفقية) أيضًا، وهذا ما لا مفرَّ منه، فأنا اتَّهِمُ هنا معظم الذين يمارسون هذا النمط الكتابي، ولاسيما العمودي بالتلفيق، لأنهم يؤطرون تجاربهم بأُطرٍ هيكلية عمودية تتكون من رأس وجسد وذنب، تأتي بشكل تراتبي عمودي حتى يمنحوا نصوصهم التصاقا أكثر بالشعر، هذا الكائن القائم على ثقافة العمود. وفي الوقت ذاته يصرخون نحن ضد الشكل!
مهند الخيكاني يكتب (الكتابة النثرية العمودية) باحترافية تجعلُ كلَّ تجربةٍ عنده انزياحًا عن الآخر، نصوصه كتلةٌ منزاحةٌ عن التجمهر الكتابي المتشابه واستنساخ التجارب، فيها لا تعثر على (يحدث أن) و(التيه) و(تنفلت)، و(اللذاذات)، و(ينزُّ) و(الهلع) و(تنحتين)، و(يحدّق) و(يتناسل)، و(هوس)، وغير ذلك من المفردات والتراكيب الجاهــــزة المعروضــــة مجانًا على أرصفة تجارب (قصيدة النثر) المتراكمة بلا رحمة، لغته مُتشكّلة ببساطة، ويُسر، وجمال في الآن نفسه، يعتصر خلاصته في كأس نصّه، فيُصبِح النص الواحد عنده تجربة مُزاحة عن المُشاع.
لذلك أطلقت على هذه الظاهرة (انزياح النص)، وهي تختلف عن انزياح التركيب، في أنّ هذا كلِيٌّ وذاك جزئي، هذا أصلٌ وذاك فرعٌ منه، ولعلّ أول انزياح كلّي يصادفنا في تجربة الخيكاني عنوانها اللافت للنظر: «يرمي الحياة من النافذة»؛ فالرمي ممارسة نافرة، يمارسها الإنسان حين يحاولُ أن يُعبّرَ عن الرفض والتمرّد واللامبالاة، أو حين تنتهي صلاحية الأشياء في نظره، والنافذة هنا رمزٌ للتطلّع، ولو أنّه أبدلها بمفردة (الباب) لرمزت للهروب، في حين أنّها الآن أيقونة للخلاص، للتغيير، لإعادة ترتيب الأشياء؛ فهو يرمي (الحياة) غير المرغوب فيها من النافذة، ويبقى في مكانه يتطلّع للآتي، وهذا دليلٌ على محاولة صناعة حياة أخرى بديلة عن تلك المنتهية الصلاحية، وفضلا عن التكثيف الترميزي المهيمن على عنونة المجموعة، فإنّها تنزاح عن المُعتاد عِبرَ تقنية (الاستعارة)، فباطن العملية التي أجراها مهند يتمثّل في تشبيهه (الحياة) بالسلعة البالية التي نرميها من النافذة، وهو إجراء مكّن الشاعر من إنتاج (معنى بياني إيحائي) بعيد الغور، يجبرُ الآخر على التأويل للوصول إلى نتيجة مريحة، وهنا تكمنُ شعريةُ الأشياء المتفرّدة، أن تجعلَ الآخر يُعرِّضُ ذهنه إلى عصفٌ تأمّلي خيرٌ من أن تعطيك له بسلاسة.
وإذا دلفنا إلى المتن فستصادفنا تجاربُ كتابية ناضجة، تشعُّ منها رائحةُ هذه الظاهرة ـ أعني ظاهرة انزياح النص – ولعلّ المقام لا يسمح لاستعراضها كلّها؛ لذا فأجدني مجبراً على الاكتفاء بـ(أوجاعٌ غبية)، وهي تجربة كتابية أثيرة عندي جدا، لقد تحدثتُ كثيراً دعونا نستمع لمهند ماذا يقول في أوجاعِه الغبيّة:
تعبتُ من البكاءِ كثيرًا
من الوقوفِ الطويلِ كشجرةٍ وسطَ المنزل
وتلقّي دعابات العائلة
من الهروبِ إلى الجدران
والعودة إلى الجذور
كلُّ ما يجعلني ثابتًا كان مهملاً
كانَ قيدًا صغيرًا
لم ألحظْ ثقلَهُ
كنتُ دائمَ التفكيرِ بكيفية الوقوف
متجاهلاً أن للسقوطِ وجودًا
لم يأخذْ نصيبَه
فأصبحَ كلَّ هذا التمرّد
تعبتُ من النتيجة وتلفيقِ السبب
من الوعي وضريبةِ الفهم
من العُزلة اللازمة بعد إعادة التجربة
والفشل الضروري لإكمال اللعبة
من الصمتِ والتأملِ الذي يكشفُ
فداحةَ العبودية
وتأويلها المستمر إلى المقدّس
تعبتُ من النساءِ اللاتي
يُفكرْنَ كثيرًا
ويبدأن عند الحديث بالبصاق دون توقّف
من الحبيباتِ الصغيرات
الحبيبات اللاتي
يُقلدْنَ العمّات والخالاتِ
ولا يعرفنَ شيئًا عن الحبِّ
سِوى ما تعلّمنه في المطبخ
من الصديقِ الذي
يُخبِّئ الذئبَ والضحيةَ تحتَ ضحكَتِه
ولا تُكلِّفُه النوايا ذنبًا
تعبتُ وأنا أتمنى لو أُبادلُ هذه الأوجاع الغبيّة
رجاحةَ العرق
كي أدوسَ ما أشاءُ من التقاليد
في طريق عودتي إلى البيت.
يشتمل هذا النص على حزمة من الانزياحات الجزئية إلا أنّه بُني بتكنيك (الكلمة المفتاح) وقد تمثّلت هنا بـ(تعبتُ) التي تفشّت في جسد النص كلّه، عبر أداة الربط (مِن) التي نجحت في منح النص جسدًا متماسكًا، فضلا عما أسميه بتقنية (القطع واللصق) الشكلية التي تقوم على قطع العبارة بدون إتمام المعنى ثمّ لصق التَتِمّة في السطر الذي يلي السطر المقطوع، ما يمنح الدلالة سيرورة غير منقطعة، ويجعل الانزياحات والصور جوقًا موسيقيًّا يريد أن يُوصل دلالة واحدة هي (التعب) من الآخر ومن المُعاش، التمرّد على كلّ المعتاد، فإذا كان البيت والعائلة مكانًا أليفًا عند الشعراء، إلا أنه هنا مكان معاد، وإذا كانت المرأة ـ عند معظم الشعراء ـ النصف الآخر، فهي هنا غبية لا تحمل من الوعي بالأشياء غير كونها يجب أن تصبح كما يريدها الآخر، وعلى الرغم من أنّ خاتمة النص عادت بنا بحركة دائرية إلى ما نفرت عنه الأنا الكاتبة في بدايته، إلا أنّ هذه العودة هي عودة متمرّدة، تدوس في طريقها المُقدّس الاجتماعي، وتقاليد العقل الجمعي البالية، إنّه نصٌّ منزاح انزياحًا كلّيّا على مستوى البنيتين (السطحية) و(العميقة)، وهي ظاهرةٌ تميّزُ تجاربَ مهند من التجارب الشبابية الكتابية النثرية الأخرى، التي لا تحاول ـ في أغلبها ـ أن ترمي التجارب الصنمية من النافذة، ولا تبقى مشغولة بإعادة تدويرها.
٭ كاتب عراقي