د. محمدو بن محمد
كتبت في مقال سابق عن ظاهرة الترشح المستقل في البلاد بعد ان اكتسحت او كادت المشهد السياسي الوطني وخلقت ما يمكن نعته بملامح ازمة سياسية تلوح في افق هذا المشهد، ازمة سياسية طرفاها من ناحية الاحزاب السياسية ممثلة في كتلة الائتلاف ومن ناحية اخري المجلس العسكري وحكومته الانتقالية، بعد ان اتهم الطرف الاول الطرف الثاني بتشجيع ودعم المنخرطين في هذه الظاهرة، ووقتها تساءلت عن من يأتي هذا الاستقلال ولماذا؟ والحقيقة انني في المقال المذكور ذهبت في تلك القراءة الاولية للظاهرة، كما هي حال العديد من المراقبين للساحة السياسية الوطنية الي ان الراجح هو انها لا يمكن ان تاتي وعلي الصورة المفاجئة التي ظهرت بها بمعزل عن تشجيع ما من الطرف الثاني، وقد ذكرت اسبابي في حينها، الا انني اريد في هذا المقال تسليط المزيد من الضوء علي هذه الظاهرة التي تحمل في الواقع ابعادا كثيرة ومرامي اكثر، ولذلك فلا مسوغ كبيرا في الاكتفاء بربطها بما تردد عن علاقة لاصحابها بالمجلس العسكري او ببعض عناصر حكومته الانتقالية، مهما كانت وجاهة هذا الربط.
فالظاهرة اعقد وابعد في مدلولاتها المختلفة من مجرد الاكتفاء بالتوقف عند مثل هذا الربط، حتي انني اكاد اجزم بأن ربطها بموقف السلطة وحده لا يخلو من تبسيط للامور وابتعاد بنا عن جوهر الاسباب التي دفعت بظهورها، كما انه لا يخلو من الاتكاء علي مسلمات نظرية المؤامرة التي هي الشماعة المثلي لدي الكثير منا لتعليق اسباب العجز والفشل عليها. ان التساؤل بعمق اكبر عن طبيعة هؤلاء المستقلين او عن الدواعي الموضوعية والاسباب الواقعية لبروز ظاهرتهم في الحياة السياسية الوطنية، قد تسعفنا باستنتاجات اكثر قبولا وابلغ تفسيرا في الدلالات السياسية والاجتماعية لوجودها، كما ان شعور هؤلاء المستقلين بالقبول السياسي داخل دوائرهم الانتخابية يقتضي منا جميعا الوقوف والبحث في معايير الاختيار والتصويت لدي الناخب الوطني. اولا: من هم هؤلاء المستقلون؟: من حيث طبيعة المنخرطين في ظاهرة الترشح المستقل يمكن تصنيفهم الي ثلاث فئات: تمثل الفئة الاولي وهي الاكثر قبولا مرشحي القوي السياسية الاسلامية المحجوبة او المحرومة من حقها في الممارسة السياسية الحزبية والمعلوم ان مرشحي هذه الفئة لا يرتبطون باي صلة بالسلطة الحالية، بينما تمثل الفئة الثانية وهي المثيرة للجدل مجموعة من رجال الاعمال وكبار المسؤولين في النظام السابق، فضلا عن شيوخ ووجهاء بعض القبائل، وجميع هؤلاء يشتركون في انهم ربما اصبح وجودهم في الحزب الجمهوري الخارج من السلطة يمثل عبئا ثقيلا عليهم، خصوصا بعدما تكاتفت الجهود الرسمية وغير الرسمية للنيل من هذا الحزب وتحميله التركة الثقيلة التي خلفها العهد السابق، مما ولد الانطباع لدي الكثير من منخرطي هذه الفئة بان البقاء في هذا الحزب قد يمثل انتحارا سياسيا وخروجا مبكرا من حلبة الصراع السياسي القادم. اما الفئة الثالثة وهي الاقل فيمثلها بعض النافذين الاجتماعيين المقصيين في ظل النظام السابق وكذلك غير المنتمين اصلا الي اي من الاحزاب السياسية الفاعلة مما يخلق صعوبة في ترشيحهم من هذه الاحزاب في الاستحقاقات القادمة، كما يمكن ان يضاف الي هؤلاء واولئك بعض المستبعدين لسبب او آخر من قوائم بعض الاحزاب.
ولعل ابرز ما يميز اغلب هؤلاء المترشحين المستقلين هو انهم باستثناء عناصر الفئة الاولي يفتقرون الي التعبير عن تيار سياسي واحد او حتي عن توجه سياسي متجانس، فهم جميعا عبارة عن مجموعة من طالبي المناصب او المنافع التي تستوجب في بلدنا طلب ود السلطان، الامر الذي يفسر غياب الالتزام الحزبي لديهم ومن ثم سهولة الانشقاق عن الاحزاب وخصوصا منها الحزب الجمهوري الذي خسر بعد تغيير الثالث من آب (اغسطس) 2005 م كل مزايا السلطة. ثانيا: دواعي واسباب ظاهرة الترشح المستقل:
لقد ظل خيار الترشح المستقل خلال الاستحقاقات المختلفة التي عرفتها البلاد منذ دخولها في مسار الانفتاح السياسي في العام 1991 م ـ يمثل خيارا مطروحا لبعض او كل العناصر في الفئات الثلاث السابقة وخصوصا منها العناصر التي كانت تشعر بالحرمان من حقها في الترشح تحت مظلة الحزب الحاكم بوصف مرشحيه الاكثر حظا في الفوز للاسباب التي نعرفها جميعا (زادت نسبة هؤلاء في برلمان اول استحقاقات نيابية عرفتها البلاد علي 6.7 % من مجلس النواب 10،08% من مجلس الشيوخ)، وذلك قبل ان يتمكن هذا الحزب من تضييق الخناق عليهم وعلي غيرهم بمنع الترشح المستقل في مخالفة دستورية صريحة لمضامين هذا الحق الدستوري، مما اضطر بعض هؤلاء الي اللجوء للاستظلال بمظلة الاحزاب الدائرة في فلك الحزب الجمهوري الحاكم والتي كانت تعرف باحزاب الاغلبية الرئاسية حتي لا يذهبون بعيدا في خصامهم مع هذا الحزب، بل ان بعضهم سرعان ما يقرر العودة الي هذا الحزب بعد الفوز، مما ظل يطرح التساؤل حول مدي مشروعية هذه العودة، خصوصا ان انتخاب هؤلاء يأتي في ظل برامج حزبية او مستقلة غير التي طرحها الحزب الحاكم. الا ان الجديد في المشهد السياسي الوطني هذه المرة هو ان الترشح المستقل ارتقي الي مستوي الظاهرة، حيث بات عدد قوائم الترشح المستقل في الاستحقاقات الحالية يضاهي او يكاد من حيث الحجم نصف عدد قوائم الترشح الحزبي، فما هي يا تري ابرز الدواعي والاسباب التي تقف وراء استفحال الظاهرة علي هذا النحو، بعد ان ظلت محدودة في ظل الاستحقاقات المختلفة الماضية؟ المؤكد هو ان هذه الاسباب والدواعي عديدة ومتنوعة ولعل ابرزها التالية: 1 ـ العودة الي احترام الحق الدستوري والقانوني في الترشح المستقل، فهذا الامتثال لمضمون الحق الدستوري في الترشح المستقل، يمثل واحدا من الدوافع الحقيقية لترشح بعض النافرين من الحياة الحزبية، نظرا لما يوفره من فرص المشاركة السياسية في الشأن العام وخصوصا المحلي منه، حيث الوعي باهمية الاحزاب يبدو ضعيفا ان لم نقل منعدما.2 ـ زيادة الشعور في ظل الضمانات الدولية والمحلية الراهنة بسلامة ونزاهة العمليات الانتخابية القادمة من صور التزوير المختلفة التي عرفها المواطن خلال كل التجارب الانتخابية السابقة، مما اعطي لجميع المرشحين وخصوصا المستقلين منهم ثقة واملا اكبر في النجاح بمن فيهم ما اسميهم المرشحين الاجتماعيين الذين يحظون بمصداقية اكبر في اوساطهم الاجتماعية ـ عشائر، قبائل، افخاذ ـ من المرشح السياسي للحزب الذي لا تراه مثل هذه الاوساط الا في المناسبات السياسية. 3 ـ منع او حجب بعض التيارات السياسية من حقها في الممارسة السياسية في اطار حزبي خاص بها، وخصوصا منها تيار الاسلام السياسي الذي يشكل منتسبوه ابرز المنخرطين في ظاهرة الترشح المستقل، بل لعلهم المظهر الوحيد المقبول لهذه الظاهرة.4 ـ ضعف الاحزاب السياسية الوطنية بشكل عام وعجزها عن استيعاب مختلف الفئات الاجتماعية (المرأة، الشباب) وعن التعبير عن الميول السياسية والاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاغلب شرائح المجتمع، ناهيك عن غياب الوعي المجتمعي باهمية الحياة الحزبية في الممارسة الديمقراطية، مما ترتب عنه عزوف الجماهير عن هذه الاحزاب التي لا يتوفر بعضها حتي علي مقرات معلومة، ناهيك عن عمق جماهيري حقيقي يمكنها من الاستمرار والبقاء، فهي مجرد اسماء بلا مسمي او اشكال بلا مضامين، ولذلك فمن سيشرفه ان يترشح تحت يافطات احزاب من هذا النوع، طبعا سيكون خيار الترشح المستقل في حالة كهذه هو الخيار الامثل.5 ـ يمثل الترشح المستقل لبعض المتطفلين علي السياسة فرصة سانحة للتربح والشهرة، فهو من ناحية يمكنهم من عقد بعض الصفقات مع المرشحين الاكثر حظا في الفوز للتنازل لصالحهم في الاوقات الحرجة، كما انه من ناحية اخري قد اعطي في السابق فرصا للبعض في الدخول من الباب الواسع في دائرة الاهتمام الرسمي حين كانت السلطات الرسمية وحزبها الحاكم لا يتورعون عن استقطاب مثل هذا النوع من الفاعلين في الحياة الاجتماعية والسياسية المحلية، مما جعل الترشح المستقل في هذه الحالة يمثل داعما قويا لطموحات الشهرة وسببا مباشرا في الحصول علي المزايا والمنافع، حتي وان لم يتمكن صاحبه في النهاية من تحقيق الفوز في الانتخاب.
هذه الاسباب وغيرها هي التي دفعت وقد تدفع في المستقبل ببروز ظاهرة الترشح المستقل، واذا اضفنا اليها غموض معايير اختيار المرشحين لدي الاحزاب من ناحية ومعايير التصويت لدي الناخب الوطني من ناحية اخري يمكن ان نفـــهم اكثر لماذا وجود هذه الظاهرة. ثالثا: معايير اختيار المرشح بين قراءات الحزب وخيارات التصويت لدي الناخب الوطني:
تقوم محددات او معايير اختيار المرشح علي معياري الكفاءة والشعبية من جهة، وعلي المعايير الاجتماعية التي تستجيب لمتطلبات النوازع القبلية والعصبية والجهوية في التصويت لدي الناخب في مجتمع كمجتمعنا من الجهة الاخري، وبين هذه وتلك تدور خيارات الاحزاب في المرشحين وخيارات الناخبين في التصويت، فالي اي مدي تستطيع الاحزاب التوفيق بين هذه المعايير في مرشحيها؟ ثم هل تتفق الاحزاب مع الناخب العادي ـ واعني به الناخب غير الحزبي ـ في هذه المعايير لاختيار المرشح؟
بداية لا بد من الاقرار بان اعتماد مثل هذه المعايير مجتمعة من اي حزب سياسي قد يخلق ما يمكن تسميته بازدواج المعايير في اختيار المرشحين، والاحزاب بوصفها مؤسسات عامة سياسية ومدنية تهدف منذ لحظة انشائها الي الوصول الي الحكم وتنشد تحقيق المصلحة العامة لكل المواطنين بصرف النظر عن اية اعتبارات قبلية او فئوية او جهوية، يجب عليها ان تبتعد قدر الامكان عن هذا الازدواج، وذلك لان غايات مرشحيها واهدافهم يجب ان تسمو فوق غايات واهداف المرشحين العاديين بوصف الاخيرين ينطلقون من الاعتبارات المحلية والعصبية الضيقة لقبائلهم او فئاتهم او ما شابه، بل انني اعتقد ان الحزب الذي ينزل بحثا عن اصوات الناخبين فقط الي مستوي غايات واهداف ممثلي الولاءات الضيقة يجب ان لا يستحق علينا الاعتراف له بالصفة الحزبية الصحيحة، لانه بذلك يكون اقرب الي منطق المرشحين المستقلين الاجتماعيين او المحليين منه الي صفة الهيئة المؤسسية الوطنية العامة القادرة في قابل الايام علي حكم البلد وعلي تحقيق المصلحة العامة لكل ابنائه بصرف النظر عن اية اعتبارات ضيقة. واذا كانت اعتبارات الفوز في الانتخاب بأي وسيلة ما زالت مقدمة لدي احزابنا علي اية معايير في المرشح مهما كانت هذه المعايير ضرورية لخدمة المصلحة العامة، مما يظهر معه تفضيلها غالبا لمرشحي الانتماءات العصبية الضيقة بصرف النظر عن اعتبارات الكفاءة ومدي القدرة علي الاطلاع بمهام المنصب، فان ذلك هو ما يفسر في الواقع عجز اغلب هذه الاحزاب عن الفعل السياسي علي المستوي الوطني عموما والمحلي بشكل خاص، حيث بات من السائغ لكل صاحب شأن محلي ان يعبر عن طموحاته السياسية بشكل مستقل وبعيد عن المظلات الحزبية التي قد يري في انتمائه اليها في بعض الاحيان عبئا عليه هو في غني عنه. لعله من الدال في هذا الصدد الاستئناس ـ علي سبيل المثال ـ بما احتج به بعض المنشقين مؤخرا عن الحزب الجمهوري المنخرطين في ظاهرة الترشح المستقل من ان بقاءهم في هذا الحزب قد يمثل ذريعة لناخبيهم في الذهاب الي مرشح آخر، وكأن المشكلة هي مع هذا الحزب وليست مع اغلب هؤلاء المراهنين علي ضعف ذاكرة المجتمع.
صحيح ان ترجيح الاحزاب للمعايير العصبية الضيقة في اختيار المرشحين علي النحو السابق، قد جعلها اقرب الي منطق وميولات الناخب القبلي او الفئوي في اختيار المرشحين، ولكنه في نفس الوقت افقدها صفة المؤسسات الوطنية القادرة علي الاضطلاع بمهمة تسيير البلد، كما انه سيجعلها عاجزة عن تطبيق برامجها بسبب ارتهانها للرؤية الضيقة للمرشح العصبوي او المحلي، الذي هو في الواقع سيصبح واجهتها الرسمية في المجالس النيابية والمحلية، رغم افتقاره في الغالب للكفاءة والقدرة اللازمة لذلك.
وفوق هذا وذاك يجعل هذا الوضع الحزب تابعا لنوع معين من المرشحين غير المؤمنين بقيمة الحياة الحزبية، مما يسهل معه الانفصال والاستقلال عن هذا الحزب، كلما رأي هؤلاء مصلحة او استشعروا نفعا في ذلك.
ويبقي ان نشير الي ان ظاهرة الترشح المستقل في مراميها البعيدة تشير الي وجود ازمة سياسية في الحياة السياسية الوطنية بصفة عامة والحزبية منها بشكل خاص، الامر الذي يقتضي التفكير بجد في سبل اصلاح عاجل لهذه الحياة. ولعل ذلك يبدأ باصلاح النظام الحزبي الذي شكل غياب ضوابط حقيقية لانشاء وتكوين الاحزاب فيه سببا مباشرا في تفجر الساحة الحزبية الوطنية، مما اضعف من الشعور الجمعي باهمية الاحزاب استنادا الي قاعدة الندرة والوفرة وجعل اغلبها هو والعدم سواء بسواء، وبالتالي جعل من خيارات الترشح خارج مظلاتها امرا مقبولا وعاديا لدي بعض مرتزقة العمل السياسي. ہ باحث واستاذ جامعي[email protected]