د. نصار عبداللهكم يبلغ عدد الذين يحرصون على متابعة برنامج ‘البرنامج’ لباسم يوسف ويستمتعون به بلا حدود أو تحفظات، وهو يسخر من كل الذين يسخر منهم، وبوجه خاص عندما يوجه سخريته اللاذعة للرئيس الحالي لمصر الدكتور محمد مرسي؟، وكم يبلغ أيضا عدد الذين يستمتعون به لكنهم ـ بينهم وبين أنفسهم ـ لديهم تحفظات معينة على مستوى السخرية وطبيعة الأداء؟ …كذلك كم هو فى المقابل عدد الذين يستاءون من هذا البرنامج من حيث المبدأ ولا يتحملون مشاهدته إلى النهاية، وكلما قدر لهم أن يشاهدوا جانبا منه تحولوا بعد فترة ـ طالت أو قصرت ـ إلى قناة أخرى؟ …تلك كلها أسئلة لا نملك إجابة دقيقة عليها فى ظل افتقادنا إلى مؤسسة ذات مصداقية تقوم باستطلاع وقياس اتجاهات المشاهد المصرى والعربي، بل اتجاهات الرأى العام فى مجمله بطريقة علمية موثقة، وإذا كان لي أن أعتمد على الإنطباعات الأولية المؤسسة على استطلاعي لوجهة نظر عدد كبير ممن التقيت بهم من المعارف والأصدقاء، (وهى انطباعات قد تتطابق تماما مع الحقيقة أو قد تبتعد عنها بدرجة أو بأخرى)، إذا جاز لي أن أعتمد على مثل هذه الإنطباعات فإنني فى حدودها، أستطيع القول بأن عدد مشاهدي برنامج البرنامج لباسم يوسف أكبر بكثير جدا من عدد الذين منحوا أصواتهم للرئيس مرسي نفسه فى انتخابات الرئاسة سواء فى الجولة الأولى أو الثانية، بل وربما أكثر من مجمل الذين شاركوا فى الإنتخابات أصلا !! وأستطيع القول أيضا بأن الغالبية الغالبة من المشاهدين يستمتعون به وينصهرون فى أغلب الأحيان مع وجهة النظر التى يقدمها، ويشعرون بأنها تعبر عن وجهة نظرهم الشخصية، وإن كان هذا لا ينفي أن جانبا منهم يأخذون عليه أنه كثيرا ما يشتد فى السخرية والنقد إلى درجة تخرج به أحيانا عن مقتضيات العدالة والإنصاف، كما أن جانبا آخر منهم لا يستريح إلى الإيماءات الجنسية التى كثيرا ما يتكىء عليها، خاصة عندما تبدو هذه الإيماءات وكأنها مقحمة إقحاما من أجل انتزاع الضحكات، وعلى نحو لا يستوجبه سياق البناء الفني بالضرورة .أما الذين يستاءون من البرنامج فى مجمله من حيث المبدأ ولا يتحملون مشاهدته إلى النهاية فهم نسبة منعدمة تقريبا (إذ أنني لم أجد بين من استطلعت آراءهم من قال لى إنه يتحول إلى قناة أخرى إذا ما قدر له أن يشاهد جانبا من البرنامج لباسم يوسف!) …. وبالطبع ليس بوسعى أن أستبعد تماما إمكانية وجود هؤلاء المستائين من حيث المبدأ، فليس من المنطقي مثلا أن أتوقع أن غلاة السلفيين سوف يبتهجون به أو يستمتعون بمشاهدته، ولا أن أتوقع أنهم سوف يقدرون ما ينطوي عليه من الموهبة والفن بغض النظر عن كونه يتوجه إليهم شخصيا بسهام النقد، ليس من المنطقي أن نتوقع أن مستواه الفني سوف يشفع له عندهم وأنهم سوف يتقبلونه من ثم بروح رياضية، ذلك أنهم من حيث التكوين النفسي يكرهون الإبداع الفني فى جملته (أيضا من حيث المبدأ)، فكيف إذن إذا كان هذا الإبداع يتعرض لهم ولتوجهاتهم بالسخرية اللاذعة؟الخلاصة أن برنامج: ‘البرنامج’ قد تحول إلى ظاهرة حقيقية تعبر عن شيء ما في وجدان الناس أو على الأقل وجدان الغالبية الغالبة منهم، وهم جميعا يستمتعون به سواء كان استمتاعهم به مطلقا بلا حدود، أو كان استمتاعا مشوبا بالتحفظات والمآخذ، لا يستثنى من ذلك إلا قلة قليلة من غلاة السلفيين والمتشددين الذين هم ينفرون من الفن بوجه عام، ومن الطبيعي أن ينفروا بعد ذلك من باسم يوسف بوجه خاص، والسؤال الآن الذى يطرح نفسه هو: لماذا يستمتع المشاهدون كل هذه المتعة بما ينطوي عليه هذا البرنامج من السخرية بوجه عام، ومن السخرية برئيس الجمهورية بوجه خاص؟ رغم أن جانبا من هؤلاء المشاهدين أنفسهم قد ساهموا فى إنجاح الرئيس مرسي من خلال إعطائه أصواتهم في انتخابات الرئاسة… الجواب على ذلك يكمن أولا فى المستوى الفني الرفيع لبرنامج ‘البرنامج’ الذي يبرع في إبراز المفارقة بين الأقوال والأفعال من خلال لقطات ومشاهد توثيقية حية بالغة الدلالة، ثم يكمن ثانيا فى خيبة الأمل الكبيرة التى يشعر بها الكثيرون من المصريين الذين تبين لهم بعد انتخابهم للرئيس مرسي أنه ليس منتميا إليهم بالقدر الذي ينتمي به إلى أهله وعشيرته (أي إلى الجماعة التى هو عضو فيها)، ومن ثم فهم يجدون فى توحدهم مع وجهة النظر التي يطرحها باسم يوسف بكل ما فيها من السخرية، يجدون فيها نوعا من المقاومة لما يحيق بهم، وشكلا من أشكال التكفير عما فعلته أيديهم عندما اختارته رئيسا للجمهورية.كاتب من مصر [email protected]