خالد الحروب
في دروبهم المتباعدة يظن شخوص حكايات أكرم هينة في مجموعته القصصية دروب جميلة أنهم يهربون من مصير، وتاريخ، ولحظة حاضرة قُدّر أن تكون ثقيلة الوطأة علي حيواتهم الخاصة والعابرة. يظنون أنهم بحيل بريئة مكشوفة قد يخادعون الواقع وأنفسهم ويدلفون في مسارب منفرجة من الحياة. تفاجئهم تلك المسارب والدروب بأنها تلتوي دائريا، ربما كأفعي غير جميلة، دون أن يدروا فتعود بهم حيث بدأوا: إلي وطأة قضية، ولوائح شهداء، ودم لا يني يفور كلما ظنوا أن جرحه المفتوح قد اندمل. هم ببساطة يريدون أن يحيوا كما البشر، من دون عبء مفتعل، يريدون دروبهم بسيطة وفيها نعنع. وهي، أي الحياة، أرادت لهم دروباً أخري، وأناخت علي كواهلهم شيئاً وأشياء كبيرة دون أن يختاروا.
في ثماني حكايات من القصص القصيرة نلاقي دروباً فيها أناس، نعرف أو نستنتج أنهم من هذه البلدة أو تلك من فلسطين. جغرافيا متباعدة، قري علي حواف نابلس أو البيرة، طرقات تطلع من شعفاط باتجاه بيت حنينا. تصل إلي رام الله وبير زيت. حوانيت قديمة من يافا معلقة في ذاكرة لاجيء يتلظي بشمس الكويت. زائرون إلي القاهرة يكويهم رومانس يسار السبعينات وفورات الطلبة. قاعات ترازيت في مطار روما تحتفظ بمفاجأة لعاشقين قديمين انقطعت بهما الحياة. ستة أفراد في مقهي، أشباح بشر وآمال عابرة، وشهوات علي بعد فنجان قهوة من الحرمان. من بعيد: حياة ودروب عادية، من قريب ظلال كابية. ما يربط بين دروب تلك الحكايات قلق رائق ومحاولة عنيدة للتصالح مع الحياة. بيد أنه علي ناصية كل درب من تلك الدروب ثمة أوراق خريف تمد ألسنتها باستهزاء يتدلي من شجر شاحب. من تحت طيات أوارق الخريف المتراكمة تخرج حكمة طاغية: أجمل ما في الحياة ودروبها أن تكون عادية. عادية في رتابتها، في أحلام أصحابها، وفي الدهشات الصغيرة التي تناكف الرتابة والأحلام معا. لكن عندما يصر الخريف علي أن يكون ظلها الملاصق، وفصلها المقيم، ويسيح في تفاصيلها رغماً عنها فإن عاديتها تصبح برسم الاغتيال. تصبح عادية مفزوعة، خائفة، كأنما تنتظر نهاية شبه محتومة. يقتلها الانتظار إن لم يقتلها ما تم انتظاره. في زمن حسان يروي لنا هنية كيف صار حسان قرية تحمل اسمه لأن أمه وضعت به عند حاجز إسرائيلي. جنود الحاجز منعوا السيارة التي تقل الأم والجدة من الوصول إلي المستشفي، فكانت أول صرخة حياة لحسان عند الحاجز. هناك أقسمت أمه أن تنصب خيمة لتقيم فيها وحولها تتلقي التهاني. جاء الزوار يهنئون، وجاء الإعلام يصور الأم العنيدة، وجاءت جمعيات حقوق الإنسان، ومنظمات مناصرة الفلسطينيين. خلقوا جميعاً حياة مؤقتة حول الخيمة. الجنود الإسرائيليون كانوا يراقبون ما يحدث ولا يعرفون ما يفعلون. وأولهم كان أفنر، الجندي الإسرائيلي الأرمني، الذي اعتذر للأم وقال لها لو كان الأمر بيده لسمح للسيارة بالعبور، لكنها التعليمات. انفعل أفنر بقدوم حسان، وصار يراقبه يوما بعد يوم يكبر علي ضفة الحاجز. جاء ناس أقاموا ونصبوا خياما قريباً من خيمة أم حسان. نمت قرية صغيرة. فتحت مدارس، وتكونت لجنة لإدارة القرية. كبر حسان وذهب إلي المدرسة، ثم إلي جامعة بيرزيت. أفنر الجندي الإسرائيلي صار ضابطاً، لكنه ما زال مسؤولا عن الحاجز. تميد دروب الحياة يمينا ويسارا حوالي أفنر وهو لا زال كما الحاجز: قطعة افتعال لجغرافيا ساقطة من كوكب آخر. صار لحسان خطيبة جميلة، تزوجها وأنجب منها ولداً جميلاً أيضا، وأفنر صار يداعب ابن حسان. تنمو الحياة وتستمر علي ضفتي الحاجز. يغوص الحاجز المفتعل في وحل ذاته ويميد عادي الحياة من حواليه. هكذا هي حياة عيسي اليافاوي في دروب جميلة. هو ابن يافا الذي رمته فصول الخريف إلي الكويت يعمل في شركة هندسية. عيسي كان يافعاً سنة النكبة، نقش تفاصيل الكارثة في وجدانه ولسانه فوق صفحة بحر يافا الذي يخفق في روحه وجسده. عيسي يحدث راوينا عن يافاه في السبعينات. هو ذاته ذاك الرومانسي الحزين والمدمر الذي يحمله الفلسطيني في طيات النص، أي نص؟ تقليدي، أم حداثي أم بعد حداثي؟ يافا فوق التصنيف وفوق النقد الأدبي. تصير هي النص والنقد. هي الأسطورة والأسلوب. هي المحكية العابرة لستة عقود من إغلاق بحر يافا علي النسيم الذي حمله معه عيسي. هي شاطيء البحر، ودور السينما، وسفن التجار النشطين. هي الحياة والتحضر يرددها عيسي ليقلع بها عين الذي قالوا إن التمدن جاء ليافا مع الغزاة. يافا هي سرحان عيسي وتألقه. هي حبيبته جميلة التي نعرف أنه افترق عنها وسط خراب الحرب وموجات المهجرين شمالاً وجنوباً وشرقاً. عيسي توقع أن جميلته لا بد أن تكون قد بقيت في يافا. صار يكتب لها رسائل حنين. يقسم لها أن تكون قد قلبه لا زال مراهقا بين يديها ولا علاقة له بجسده الخمسيني. يبعث بالرسائل عن طريق روما، ثم من هناك ترسلها زوجة زميله الإيطالي إلي يافا. كل عام يكتب عيسي ثلاث رسائل لجميلة. وكل عام يزداد جسد عيسي كهولة وقلبه ينتفض شباباً. ثلاثون عاما وأزيد وعيسي يعيش علي وهج الحروف. لا ردود من جميلة، لكنه موقن بأنها تقرأ رسائله وتبادله الاشتهاء. يوما ما تأتي كومة الرسائل كلها إلي الكويت من دون علم عيسي. يوصلها إلي صديقه، رواينا، زميلهم الإيطالي. يقول له هي عادت تحمل دمغة بريد راجع لا أحد في هذا العنوان بهذا الاسم. جميله وأهلها كلهم قتلوا يوم سقطت يافا. كومة الرسائل علي الرف ترمق الرواي. فيها كل ذلك الحنين المدوي. كل تلك الدروب الجميلة وكل فصول الخريف التالية. في كان ذلك قبيل موتنا أقصي ترنيمات الخريف الفلسطيني. يتلاقيان في السجن: السجين والسجان فلسطينيان. سلكا دروباً واحدة في مرحلة اليفاعة والدراسة الأولي. غازلا نفس البنات وطافا قري وحواري نابلس معاً. ناضلا معاً، ثم افترقا بين جامعتين. نمت لحية الأول وصار إسلامياً، وظل الآخر فتحاوياً. جاءت سلطة زادت من حدة الافتراق، فانتهيا سجيناً وسجاناً. يتمازحان، يأكلان من نفس الصحن في السجن، يتناكفان حول السلطة والمقاومة. تأتي أم الثاني فتعنفه علي سجنه للأول. يؤكد لها أن السجن أكثر أمنا علي صديقه القديم من الحرية التي يتربص في ثناياها قناصة الجيش الإسرائيلي ليقضوا علي صديقه. في غرف السجن نفس المشهد: سجناء بحلي وسجانون بضمير معذب. تتلاقي عيون السجناء والسجانين مع انفجارات قنابل المدفعية الإسرائيلية تدك السجن علي من فيه. تغيب الدروب جميلها وحزينها عندما تسدل العيون جفونها علي دمعات تجمدت. مات الإثنان. تدخل عليه حبيبته الدائمة. قدر صغير في ذلك اليوم كي يترك روحه تكتب في فراغ ما منولوج نهاري. تدخل حبيبته كأنها البحر وموجاته يدخلان شقته. يدخلان عليه لكن من دون عصف أو رياح. البحر قد يكون حنوناً أيضاً. موجاته تحمل الناس، تحضنهم، تهدهدهم، تفرد لهم صدرها ليتوسدوه. تعانقه مريم ثم تهب إلي المطبخ تسبقها ضحكاتها ووعودها بأنها ستعد له المقلوبة، الطبخة الأشهي له. يتيه بوجودها حوله. يحادثها وهي مشغولة تنسج له حكاية صغيرة في مطبخ، حول فرن صغير، وطاولة ستزهر برنين المعالق في لحظات قريبة. يحادثها. يحادث نفسه. ينساها. تطوح به فصول الخريف إلي الوراء: إلي زمن ظل فيه مشغولا عنها، إلي وعود بأن يحملها علي جناح الحب ويطير بها، إلي انكسار أمام ناس أحبوه وأوفوا بما طلب الحب، وأحبهم لكن فاته أن يقول لهم ذلك. يحادث نفسه. نسي حبيبته وخريف اللوم يحيط به من كل زمن. قال لها لو عادت الأيام لتزوجنا. نظر في عينيها، فكان البحر الذي دخلت علي أمواجه قد صار دمعاً. عانقته. أطاحت بالقبعة التي تستر جلد رأسه وقد تساقط عنها الشعر. كانت جلسات الكيموثيرابي قد نشرت كل الخريف في كل الجسد. حين تلوح الحياة عادية بعيدة عن الحاجز، تبحث عن درب جميل. يطلع عند انحناء الدرب خريف آخر. أي درب جميل حاول أن يتخادع ويهربه من الحاجز فانتهي به علي سرير الكيموثيرابي؟
كاتب من فلسطين يقيم في بريطانيا