‘ظمأ الروح’ قراءة في رواية بهاء طاهر’: المفاهيم النقدية حين توضع على المحك

حجم الخط
0

د. عبداللطيف الزكريت

متلك الكتابة النقدية، عند الدكتور محمد أنقار، شكل بناء تطوري، يعلو بتراكم الكتابات النقدية، وتتابع نشرها وإذاعتها بين المهتمين ‘كتبا ومقالات وحوارات’ ، وهي كتابة لا تنفك تسائل ذاتها، وتراجع طروحاتها، بل قد يصل الأمر أحيانا إلى البوح بالحيرة التي تلف صاحبها، إزاء ما يفكر فيه نقديا، وما يهتم به، وما يطرحه من تصورات ورؤى، بل ونظرية. لنقل مع رولان بارت: ‘ما هي النظرية؟

إنها ليست تجريدا، ولا تعميما، ولا تفكرا، إنها تفكير. ‘ 1ونظرية الدكتور محمد أنقار هي تفكيره النقدي حول الصورة الروائية خصوصا والسردية عموما، وما يجترحه هذا التفكير من أسئلة، تنبثق من القراءات التحليلية للأعمال الإبداعية الروائية والمسرحية وغيرهما. وتصوره النقدي لـ ‘بلاغة السمات’ يندرج في هذا السياق النظري النقدي العام الذي أومأنا إليه أعلاه، ولعل كتاب ‘ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية نقطة النور لبهاء طاهر’ يجعلنا نفكر، مجددا، مع الدكتور محمد أنقار حول نظريته النقدية، التي يغذيها في هذا الكتاب، انفتاحه على ‘الكليات’ و ‘التفاصيل’ المدعمة بالتحليل-باعتباره محكا لكل أطروحة نفدية2. فما هي المفاهيم النقدية في ظمأ الروح؟

وما دورها ووظيفتها في بناء النظرية النقدية لصاحبها؟

وما هي بلاغة السمات في رواية نقطة النور؟

وكيف أمكن للناقد أن يتوصل إلى هذه السمات؟

ولماذا ألح عليها دون غيرها؟

هذه بعض من الأسئلة التي نروم الإلمام بها في هذه القراءة. . . أولا: مفهوم بلاغة السمات: يورد الدكتور محمد أنقار، في تضاعيف مقدمة كتاب ظمأ الروح هذا التعريف الموجز الدقيق لمفهوم السمة حيث يقول: ‘إن السمة إمكانة بلاغية بكل ما في كلمة بلاغة من أنماط ودلالات متحولة. وهي لا تقل خطورة جمالية عن مكونات العمل الأدبي المحكم الصنعة’ 3يحدد هذا التعريف الإطار النظري المقصود بالسمة فهي إمكانة بلاغية تنطوي في ذاتها على القوة أو الطاقة المستمدة من البلاغة بما هي أنماط ودلالات متحولة، وهذا يعني أنها أنواع ومعاني، وهذه الأنواع والمعاني غير محدودة ولا منتهية، وإذا أردنا الوفاء والدقة في فهم مفهوم السمة، قلنا إنها تعني تلك الخاصية المميزة لطريقة ما في الكتابة الأدبية أو الفنية، هذه الخاصية التي تتنوع بتنوع تجليات التحول في الكتابة ذاتها وفي طرائق أسلوبها. وكان الدكتور محمد أنقار، قد نشر في أحد أعداد مجلة ‘فكر ونقد’ المغربية، ضمن ملف ‘البلاغة الجديدة’ مقالا بعنوان ‘البلاغة والسمة’ 4، وفيه حدد مفهوم ‘السمة’ قائلا: ‘لا أقصد بهذا المصطلح تلك الوحدة المعنوية الصغرى المعروفة في اللسانيات بsime، وإنما يتجه القصد نحو الخاصية أو الصفة التي تتساند مع مكونات جنس أدبي تساندا ينتج صورا أدبية’ 5. بهذا التحديد تتوضح ‘السمة’ في كونها خاصية أو صفة تولد الصور الأدبية، إثر تساندها مع مكونات الجنس الأدبي، والخاصية أو الصفة، من هنا ليست واحدة، وإنما هي متعددة بتعدد الصور الأدبية المنتشرة في طي العمل الأدبي. و ‘بذلك يكون حقل السمات الفسيح الأجناس الأدبية وليس مطلق القول، وتكون الوظيفة المطلوبة جمالية-قبل-وظائف التواصل أو الإخبار أو التلقين، كما أن وجه السمة لا يظل متجليا في الدلالة أو المعنى أو المضمون أو الشكل الفني، وإنما تنصهر في السمة كل تلك الوجوه وتتداخل تبعا للوظيفة الجمالية التي يقتضيها كل جنس أدبي وسياق كل نص أدبي’ 6. فإذا كان هذا الجنس الأدبي هو الرواية، تحددت السمة فيه بسياق هذا الجنس الأدبي، وبسياق النص الروائي المخصوص لهذا الكاتب أو ذاك. فما المقصود بعد كل هذا بمفهوم ‘بلاغة السمات’ ؟ ينبغي للإجابة عن هذا السؤال تمثل مفهوم البلاغة، كما يفهمه ويحدده الناقد الدكتور محمد أنقار، فالبلاغة عنده لا تقف عند حدود ‘الأبواب’ و ‘العلوم’ و ‘المداخل’ وإنما تقر بالتفنن في الصنعة الأدبية إقرارا منفتحا يساير في انفتاحه لا نهائية التعابير الإنسانية وإمكانياتها المطلقة7. . وهذا ما حذا به إلى الإقرار في مقدمة ‘ظمأ الروح’ مستجليا طبيعة عمله النقدي في هذا الكتاب: ‘انتقينا عينات من السمات المهيمنة في رواية نقطة النور من بين سمات أخرى لا تقل بدورها بلاغة. ولقد تعمدنا أن نورد السمات المعنية بالنظر النقدي في صيغ تنكير نظرا إلى أن إدخال-أل-التعريف على-تدرج-أو-بساطة-أو سواهما من السمات من شأنه أن يخصص الكلمة ويجعلها سهلة التصنيف والترتيب. بينما نعلم جيدا أن خصائص إبداع بهاء طاهر تستعصي على التقنين الدقيق والحصر الأكاديمي، شأنها في ذالك شأن كل إبداع أصيل بل وشأن النفس الإنسانية ذاتها’ 8. إن بلاغة السمات، إذن، هي استقصاء نقدي تحليلي، ينصب على العمل الروائي-نقطة النور-لبهاء طاهر، وهو يجترح من هذا العمل سماته المهيمنة، التي أثارت الناقد، وقادت خطاه في الإلمام بالكون الروئي للعمل المنقود. ثانيا: من المفهوم إلى الممارسة: إذا كان مفهوم ‘بلاغة السمات’ يبدو من التحديدات النظرية السابقة جليا واضحا، فإن السؤال-مع ذلك-يظل واردا ومشروعا حول مدى إجرائية المفهوم على مستوى الممارسة النقدية-التي هي المحك الحقيقي لاختبار المفاهيم وللتحقق من وظيفتها وقيمتها. يقول الدكتور محمد أنقار في نهاية مقدمته لكتاب ‘ظمأ الروح’ : ‘اتسمت التحاليل النصية في هذا الكتاب بأساليب المراوحة والرجحان واستلهام الذوق خوفا من السقوط من جديد في فخ-بلاغة الأبواب-الذي تحاشينا منه طوال فصول هذا العمل. ولقد بدا لنا في المحصلة أن الروح عندما تظمأ تطلب أسلوب التأمل من أجل البوح والإعراب عما في الأعماق من هواجس ومكابدات. ثم حينما يتسلل الظمأ بعد ذلك إلى الفن وبالذات إلى عوالم الرواية الواقعية يغدو أسلوب التأمل شرطا جماليا ملحا من أجل تحقيق التوازن التصويري المطلوب’ 9. في هذا القول صدق نقدي يستشعره قارئ كتاب ظمأ الروح، الذي يجد رواية-نقطة النور-لبهاء طاهر رواية ممتعة بواقعيتها التأملية التي تتكون في معمارها الجمالي من اثنتي عشر سمة بلاغية هي قوام جمالية هذه الرواية ومناط واقعيتها. . وإنا لنعجب كيف أمكن للناقد أن يرى-ما يراه كبار النقاد-من كون سمة ال ‘بساطة’ هي أول سمة تلفت ببلاغتها الناقد المتمعن في الكون الروائي لنقطة النور. وهذه البساطة التي نلفيها في وصف المكان، تنسرب في أعطاف الرواية ونسيجها العام وهي مما يشكل بلاغتها إلى جانب سمات أخرى تتوالى تباعا وهي ‘تدرج’ ، ‘توازن’ ، ‘تأمل’ ، ‘توجس’ ‘مراوغة’ ‘إيحاء’ ‘تجسيد’ ‘سخرية’ ‘إيلاف’ ‘سؤال’ و’روحانية’ وهذه السمات ببلاغتها المشعة، تنتشر وتضئ في الأقسام الثلاثة للرواية، حيث كل قسم منها يحمل اسم شخصية بعينها: سالم، ولبنىثم الباشكاتب توفيق. إن الناقد محمد أنقار، يسلك في استخلاصه لهذه السمات مسلك النقد التحليلي، حيث يعكف على نماذج من صور روائية مستمدة من متن الرواية، يقفوها بتحليله، الذي يراوح بين الإمعان في سمات الصور الروائية-في نقطة النور-وبين ما يقال عن الكتابة الروائية من تصورات جمالية يفندها حينا ويتفق معها حينا آخر، مرجحا في جميع الأحيان ما يقرب إلى الحقيقة النقدية، المقنعة بجماليتها وإنسانيتها. لكنا ما يثيرنا في مواضع كثيرة من كتاب ‘ظمأ الروح’ هو اعتماد الذوق الشخصي للناقد وخلاصة مقروءاته النظرية والنقدية والإبداعية، التي يستعين بها في الاهتداء على هذه السمة أو تلك. ويبدو أن مفهوم ‘بلاغة السمات’ هو المهيمن في الممارسة النقدية التحليلية الثاوية في ثنايا كتاب ‘ظمأ الروح’ ، وهذا المفهوم ينجلي للقارئ بتؤدة من فصل إلى فصل، وتنجلي أهميته في المحصلة النهائية حينما يثبت جدواه وجدارته وإجرائيته التي تجعل رواية-بهاء طاهر-جميلة في نظر القارئ مثلما هي في نظر الناقد محمد إنقار الذي يقول في خاتمة الفصل العاشر من كتابه ‘ظمأ الروح’ : ‘أرى أن القارئ الناقد متى استشعر في أعماقه عدوى هذه القوة التعبيرية لا بد أن يقر بهذا الجهد المبذول من أجل الاحتفاء بقيمة الألفة في الصورة و الرواية كلها، وأن يقر في الوقت ذاته-بالنقص-الذي يعتري ذلك الجهد. ومن البين أننا لا نتحدث هنا عن-نقص جمالي-، بل عن-نقص أنطولوجي-ذي صبغة إشكالية يتحدى البشر جميعا وليس الروائيين فحسب. بكل ذلك يصبح تقديم المكان في-نقطة النور-تجربة إبداعية فريدة تحفل بالجزئي والمطلق في الآن ذاته، إنها تجربة إنسانية أخرى لا بد أن ينسجم معها هؤلاء القراء ذوو النفوس المرهفة الذين يرون في التصاقهم بمكان بعينه حياة وفي فصلهم عنه موتا’ 10وهذا القول النقدي، كما يتبدى لنا، متناغم مع التفكير النقدي العام لكتاب ‘ظمأ الروح’ ، فنهاية الفصل العاشر، تترابط ترابط انسجام، مع الفصول الأخرى من الأول إلى هذا الفصل وإلى الفصلين التاليين الحادي عشر والثاني عشر. والانسجام في التحليل النقدي، يفضي إلى استنتاج مفاده وجود انسجام في الرؤية النقدية التي تمزج بين ما هو بلاغي-جمالي وما هو إنساني-إيديولوجي. إن إيديولوجيا فلسفة الأنوار حول القيم الإنسانية الكبرى، تجد مرتعها في ثنايا كتاب ‘ظمأ الروح’ ومعها أيضا إيديولوجيا ‘الهيومانيزم’ humanisme ‘الإنسانوية’ فالرواية المحللة لا تكتسي قيمتها من ‘واقعيتها التأملية’ فحسب-بكل ما تحفل به هذه الواقعية من جمالية، تنطوي عليها بلاغة السمات الاثنتي عشر المرصودة في فصول ‘ظمأ الروح’ بل إنها تتكشف للناقد وللقارئ فيما تفتحه هذه الرواية وتشترعه من آمال وقيم إنسانية، يلذ للقارئ التمتع بها والاتصاف بها في آن واحد، آملا-هذا القارئ-من كل ذلك إرواء ظمأ روحه. . . تركيب: إن الدكتور محمد أنقار، يهيمن في الوقت الحاضر-هو وطلبته-النقاد الجدد-على حاضر البلاغة الجديدة والنقد الروائي المحتفي بالتصوير: فهو في الآن ذاته بلاغي جديد وناقد روائي، ذو نظرية حول الصورة الروائية وبلاغة سماتها. فالصور بالنسبة إليه تمثل اشتغالا سرديا، وهيئات خطابية لا ينحصر حقلها في مجموعة صغيرة من الكلمات فقط، ولكن في بنية الرواية بكاملها. ولقد يدل هذا على أن عمل محمد أنقار في ‘ظمأ الروح’ لم يجانب الصواب إذن إذا سمي باسم ‘بلاغة السمات’ لأنه يعيد بناء الرواية بقراءتها قراءة عميقة تستجلي جماليتها وإنسانيتها: إنه يبتدع مفاهيم نقدية، ويحقق لإبداعها صدقا نقديا بوضعها على المحك، ذاك المحك الذي يسميه-ونسميه معه-التحليل النقدي القائم على شبكة من المفاهيم الواضحة والدقيقة، بيد أن هم أو شجاعة مبدع المفاهيم الجديدة هو الذي يؤسس مباشرة ما أسميه-مع رولان بارت-بالنقد الروائي العظيم. الهوامش: 1-رولان بارت: هسهسة اللغة، ترجمة د. منذر عياشي-الأعمال الكاملة5-حلب، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 1999، ص246. 2-محمد أنقار: ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية-نقطة النور-لبهاء طاهر، طنجة، منشورات مرايا، ‘ط1’ ، 2007، ص11. 3-نفسه، ص11. 4-محمد أنقار: البلاغة والسمة، مجلة فكر ونقد، السنة3، العدد25، يناير2000من ص95إلى ص100. 5-نفسه، ص97. 6-نفسه، ص97. 7-نفسه، ص96. 8- محمد أنقار: ظمأ الروح، ص ص11-12. 9-نفسه، ص12. 10-نفسه، ص114. 11-رولان بارت: هسهسة اللغة، ص ص ص251-252-254.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية