لندن ـ «القدس العربي»: شهدت بداية كأسي أمم أفريقيا وآسيا، بعض الظواهر المثيرة والأرقام القياسية غير المسبوقة، وبالأخص بطولة الماما أفريكا، التي تميزت معظم مبارياتها في الجولة الأولى بالندية والمنافسة الشديدة على أرض الملعب، انعكاسا للطفرة الكبيرة التي تعيشها منتخبات القارة السمراء، وفي رواية أخرى دليلا على التقارب غير المسبوق في مستوى جُل المنتخبات، وتجلى ذلك في موجة السقوط الجماعي لأغلب المنتخبات المرشحة للفوز بالبطولة، باستثناء رابع كأس العالم مونديال قطر 2022، منتخب المغرب، الذي بعث رسالة شديدة اللهجة لكل خصومه والطامعين على اللقب، بعد انتصاره العريض على تنزانيا بثلاثية كانت قابلة للضعفين، وبالمثل حامل اللقب منتخب السنغال بانتصاره على غامبيا بنفس النتيجة وعلى الكاميرون 3-1، وسبقهما البلد المضيف كوت ديفوار بعبور غينيا الاستوائية بثنائية اقتصادية، في ما عدا ذلك، فشلت باقي منتخبات النخبة في التكشير عن أنيابها كما ينبغي ويطمح الملايين من المشجعين في الوطن.
التشفي في صلاح
واحدة من الظواهر المثيرة للجدل في المونديال الأفريقي، ما يحدث مع النجم المصري محمد صلاح، بحملات غير مسبوقة للتشكيك في ولائه وإخلاصه لقميص المنتخب، وصلت الى حد الضغط على المدرب البرتغالي فيتوريا، من أجل إجلاس القائد على مقاعد البدلاء، بحجة أنه لا يؤدي مع الفراعنة بنفس النسخة العالمية التي يبدو عليها مع فريقه ليفربول في الدوري الإنكليزي هذا الموسم، وكل ذلك، لظهوره بمستوى أقل من المتوقع في المباراة الافتتاحية أمام منتخب موزمبيق التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدفين لمثلهما، بعدما كان كبير أفريقيا متأخرا في النتيجة حتى الدقيقة 90، والأسوأ من ذلك، تشفي نفس الفئة في الإصابة التي ألمت بالمو في المباراة الثانية أمام غانا، التي تسببت في استبداله بمصطفى فتحي في نهاية الشوط الأول، وتجلى ذلك في تسونامي التعليقات التي كان يفوح منها رائحة التشفي والشماتة بعد إصابته وخروجه، وما ساهم في اتساع هذه الدائرة، تحسن أداء المنتخب في الشوط الثاني، مقارنة بالحالة الفنية والبدنية المتواضعة التي كان عليها على مدار 3 أشواط منذ البطولة، حتى أن البعض اعتبر عودة المنتخب مرتين بعد تأخره في النتيجة أمام غانا، بمثابة البداية الحقيقية لرحلة البحث عن الأميرة السمراء الثامنة، أو شوط الانطلاقة وتصحيح المسار بعد البداية المخيبة لآمال المشجعين، والأمر لا يتعلق فقط بالظهور بمستوى باهت أمام أضعف فرق المجموعة موزمبيق في اللقاء الافتتاحي، بل أيضا مستوى بعض اللاعبين، منهم ثنائي قلب الدفاع أحمد حجازي ومحمد عبدالمنعم، وبدرجة أقل حمدي فتحي ومحمود تريزيغيه، وقبل الجميع كما أشرنا أعلاه محمد صلاح.
قنبلة أوناحي
واقعة أخرى هزت الرأي العام في مصر والمغرب في بداية الكان الأفريقي، تلك التي كان بطلها نجم أسود أطلس عز الدين أوناحي، بسبب تصريحاته التي فسرها أكثر العقلاء في القاهرة بغير الموفقة، كونه تهكم على طريقة تعامل المصريين مع المباريات الحاسمة في هذه البطولة على وجه التحديد، لافتا إلى إجادة الفراعنة لعملية إضاعة الوقت وقتل معنويات المنافس في ذروة لحظات الهجوم والضغط العالي على الدفاع وحارس المرمى، الأمر الذي تسبب في بعض التوترات بين المشجعين في مواقع التواصل الاجتماعي، لاعتراض أغلب المشجعين والرأي العام في مصر على توقف أوناحي عند هذه الجزئية فقط، كأنه يقول إن مصر لا تفوز إلا بالطرق الخبيثة التي تبرع فيها كل فرق ومنتخبات شمال أفريقيا بدون استثناء، وفي المقابل حاول بعض المؤثرين والمحللين الكبار في وطن الأسود، تلطيف الأجواء، بتفسير تصريحات الشاب العشريني، على أنها من باب الإشادة بعقلية المنتخب المصري، وليس من باب التقليل من تاريخ وإرث أحفاد الفراعنة في بطولتهم المفضلة، ويبدو أنه كان يقصد ذلك، أو على الأقل يرغب في الاستفادة من التجربة المصرية من أجل إنهاء عقدة منتخب بلاده مع كأس الماما أفريكا، العصية على منتخب المغرب منذ قرابة الخمسة عقود، وحسنا فعل صاحب الشأن، بسكب الماء البارد على هذا الاحتقان الجماهيري والإعلامي، بنشر صورة لمواجهة غانا بخاصية «استوري» عبر «انستغرام»، ومعها عبارة يتمنى خلالها التوفيق لصلاح ورفاقه، ومعها أُسدل الستار على هذه الأزمة الطارئة.
عقدة
الأسود والمحاربين
أما داخل الملعب، تبقى الظاهرة الأكثر دهشة وغرابة، استمرار لعنة افتتاحية الكان منذ فوز المنتخب الجزائري بالبطولة في القاهرة عام 2019، وحدث ذلك بعد السقوط في فخ التعادل هذه المرة أمام المنتخب الأنغولي بهدف لمثله، في مباراة غاب فيها التوفيق عن بلماضي ورفاقه، خصوصا في الشوط الأول، الذي كان بإمكان محاربي الصحراء قتله إكلينيكيا بأكثر من هدفين بعد البداية النارية بفضل هدف السفاح بغداد بو نجاج المبكر، لكن كما شاهدنا، بدا وكأن الفريق تعامل مع المباراة وكأنها أصبحت تحصيل حاصل، لينقلب السحر على الساحر في الشوط الثاني، الذي ظهر فيه رياض محرز وباقي اللاعبين بصورة مغايرة تماما للنسخة المقنعة التي كانوا عليها في أغلب أوقات الشوط الأول، ونفس الأمر ينطبق على الجار المنتخب التونسي، الذي عجز هو الآخر على فك شفرة المباراة الافتتاحية للكان للمرة الخامسة على التوالي، بتجرعه من مرارة الهزيمة للمرة الثانية مقابل 3 تعادلات في آخر 5 افتتاحيات، لكن هذه المرة، جاءت الانتكاسة على يد منتخب نامبيا، الذي لم يسبق له تحقيق أي فوز في تاريخ مشاركاته في الكان، الذي يصنف كأضعف منتخبات هذه المجموعة التي تضم معهما جنوب أفريقيا ومالي، ومع ذلك، رفض مدرب نسور قرطاج جلال قادري، تضخيم الهزيمة، معتبرها مجرد خسارة عابرة، أو كما تسبب بشكل أو بآخر في تفجير ضحكات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في رده على سؤال أحد الصحافيين بعد المباراة عن أسباب الهزيمة، قائلا: «نعتذر للجماهير على هذه النتيجة ولكن الخسارة في أول مباراة أمر طبيعي، شاهدنا منتخب الأرجنتين خسر أول مباراة وحقق كأس العالم في النهاية»، فهل يا ترى تصدق توقعات قادري ويكرر ما فعله التانغو الأرجنتيني في كل المنافسين بعد الاستفادة من هزيمته التاريخية أمام الأخضر السعودي في افتتاح مباريات المجموعة في كأس العالم قطر 2022؟ دعونا ننتظر، وبخلاف تعثر مصر والجزائر وتونس، تبقى هزيمة غانا من الرأس الأخضر بهدف نظيف في الدقيقة 90، أكبر مفاجآت البطولة حتى الآن، وبدرجة أقل سقوط نيجيريا في فخ التعادل أمام غينيا الإستوائية بنتيجة 1-1، والكاميرون بنفس النتيجة أمام غينيا، أما منتخب موريتانيا، فاستمرت عقدته مع الانتصارات في ثالث مشاركة أفريقية، بتعرضه للهزيمة الخامسة على يد بوركينا فاسو، في المقابل تعادل مرتين، على أمل أن يكسر هذا الروتين في مشاركته الحالية.
خيانة السعودية
في كأس آسيا، لا صوت يعلو فوق الضجة التي أثارها المدرب الإيطالي روبرتو مانشيني، بعد تصريحاته الجريئة عن الأسباب التي دفعته لاستبعاد الثلاثي سلمان الفرج وسلطان الغانم وحارس نادي النصر نواف العقيدي، من معسكر الأخضر التحضيري لكأس آسيا، قائلا بالنص: «هؤلاء اللاعبون هم من قرروا عدم اللعب للمنتخب، ولست أنا، الفرج في أول معسكر، قال لي إنه لا يريد أن يلعب مباريات ودية، والغنام أخبرني أنه ليس سعيدا باللعب للمنتخب، والعقيدي ذهب لمدرب الحراس قبل 3 أيام، وقال إنه لو لم يلعب أساسيا فلا يريد البقاء في المعسكر، الغنام والعقيدي طلبا اللعب أساسيين، لكنني أنا المدرب وصاحب القرار، سألنا اللاعبين الثلاثة مرتين أو ثلاثة، عما إذا كانوا يرحبون بالانضمام للمنتخب، وكانت الإجابة لا»، مفجرا قنبلة صحافية تندرج تحت مسمى موقوتة، على إثرها حاول كل لاعب تبرئة نفسه من تهمة الخيانة العظمى أمام المشجعين والرأي العام في البلاد، وسط انقسام بين المتابعين، ما بين فئة تؤيد قرار المدرب، لا سيما بعد نجاحه في أول اختبار بعد هذه التصريحات، بالفوز الشاق الذي تحقق على حساب عمان، وفئة أخرى تشكك في مصداقية المدرب، لتاريخه الحافل والعامر بالمشاكل مع اللاعبين والنجوم، على غرار اشتباكه باليد الشهير مع ماريو بالوتيلي في مانشستر سيتي عام 2011، وصراعه مع المهاجم الأرجنتيني كارلوس تيفيز في نفس الفترة، ومؤخرا اتهمه الدولي الفرنسي السابق سمير نصري، بالمدرب صاحب العلاقات المضطربة باللاعبين داخل غرفة خلع الملابس.
وبعيدا عن المشاكل، سجلت قطر رقما قياسيا على مستوى المباريات الافتتاحية من خلال حضور 82490 متفرجا في استاد «لوسيل» مباراة قطر ولبنان، متجاوزا الرقم السابق البالغ 40 ألف متفرج والمسجل في نسخة 2004 عندما تقابل منتخب الصين مع البحرين في بكين. وعلى سيرة قطر، نجح العنابي في تحقيق الانتصار التاسع على التوالي في كأس آسيا، بعد فوزه في مبارياته السبع في النسخة السابقة إلى جانب فوزه على لبنان وطاجيكستان في أول مباراتين من النسخة الحالية، وكذلك هداف النسخة الماضية المعز علي، وصل لهدفه الشخصي العاشر في كأس آسيا، مقلصا الفارق لأربعة أهداف فقط مع الهداف التاريخي للمسابقة علي دائي، ويأتي خلفه الإماراتي علي مبخوت، 9 أهداف في تاريخ البطولة، مقابل 7 أهداف للإيراني سردار أزمون، هما أيضا من بين أبرز الهدافين المشاركين في هذه النسخة والباحثين عن الاقتراب من الرقم القياسي، أما الساموراي الياباني، فحافظ على سلسلة انتصاراته الدولية، بإضافة فيتنام إلى قائمة ضحاياه، محققا الفوز الحادي عشر على التوالي دوليا، هذه تقريبا كانت أبرز مشاهد وظواهر بدايات الكان وكأس آسيا.