‘ظَلَمتني الرواياتُ .. والمقاهي ضَحِكَت عليّْ ‘

حجم الخط
0

نشأتُ، كالكثيرين غيري، أقرأُ بشَغَفٍ ولا أحسُّ بالاتساع إلا في المقاهي .. وحدث أنهما اجتمعا لتوريطي أو بالأحرى استجابا لرغبةٍ خفيةٍ .. أو فَجَّةٍ، لا أعلم لليوم، كانت تتمشى في أرجائي منذ الأَزَل ..
كنتُ ألتقي بالمبدع على المقهى في أي وقتٍ وفي كل الأوقات .. ثم يتحرك من المقهى المتواري للمقهى المزركش ثم للندوة أو المعرض أو حتى للمؤتمر الذي يستغرق أياماً أو الملتقى الذي يستتبع غياباً أكبر.. سنواتٌ وأنا ألحظ حريته في الحركة وانفلاته من واجباته الاجتماعية وأسأل عن السر فيقول زوجتي الطيبة البسيطة، قريبتي من البلد هي السِرُّ والسِرُّ هي .. وأتعجب وأقول لكنكَ عشتَ تربي عقلك ووعيك عبر السنوات والمنطقي أن تبحث عن المتوائمة معك فكرياً في المقام الأول .. يضحك ويقول تعني أن يتزوج المثقفُ مثقفةً ؟ يعني تضع ساقاً على ساقٍ في وجهكَ فتجفل عن أن تطلب منها أن تُعِدَّ لكَ كوبَ شاي ! وتبيتُ معك حتى الصباح في عراء النقاشات البيزنطية، على المقاهي أو في تجمعات المثقفين أو في قلب المظاهرة .. وتشرب معك في البار وتتبارى معها في لون الأسنان الأسود من هول التدخين الذي لا تنقطع سحاباته أبداً أبداً ..؟ أرد عليه بأنه يقدم صورة نمطية بالإضافة لأن تجربة الثنائي الفلاني مثلاً تجربة ناجحة وخلفت أطفالاً أسوياء وأعمالاً أدبية ناضجة .. يقاطعني ويحصيهم بالاسم والتاريخ ثم يغمغم .. استثناءات .. لكن الغالبية أبعد عن ذلك بكثير .. الزوجة القادمة من البلد تصونك وتربي أطفالك وتراكَ (حاجة كبيرة) وبين ثنايا وتلافيف وعيها كل الأفكار الرجعية التي نحاربها طول الوقت، عن قناعة، لكننا، وبما أنها مازالت موجودة، نستفيد منها في الخَفاء … تُصدم وتختلف وقد يسقط من نظرك جراء ازدواجيته الفَجَّة لكنك وأنت في طريق عودتك تستدعي ما قرأته في رواية تصف أحوال المثقفين .. وتقرر أن تبدأ حرباً شعواء على الكذب والنفاق وعلى المثقفين الذين يقولون مالا يفعلون .. لكنك تلمح ضعفك إزاء انسراب النموذج داخلك رويداً رويداً وترصد عدم مقاومته بل إنك في النهاية ترعاه وتسقيه ليزدهر مبرراً هذا بكونك ابن هذه الفئة وبالتالي وريثٌ شرعيٌ لكل أمراضها .. وهكذا إلى أن تقول للعائلة ابحثوا لي عن زوجة (تَبَعنا)، ويا حبذا لو كانت من أقربائنا الذين في الأرياف، ومتعلمة لكن لا تعمل، ومقبولة الشكل وتقدس الحياة الزوجية (يعني تقدس الزوج والتراب الذي يمشي عليه، في الحقيقة) .. ويحدث الأمر بعد سلسلة مصادفات عجيبة وتنازلات متوقعة مني في مدى ومساحة التدقيق الواجب في الاختيار حيث أني مستعجل وحيث أنهُ (كله يهون) في سبيل النعيم القادم والسعادة الآتية المتمثلة في التفرغ لكل المشاريع المؤجلة، بدايةً من الكتابة وليس انتهاءً بلضم حبل الود مع الأصدقاء الذين باعدتنا عنهم الأيام .. وأُفَاجَأ بأن الزوجة كانت منذ اللحظة الأولى في صراعٍ محتدم بين بيئتها التي تحبها وتفهم مفاتيحها وبين واقعها الجديد فكان أي شكل للتوائم، هو في الظاهر ومؤقت فقط .. لكنَّ داخلها جَدُّ حزين .. ثم تصحو شخصيتها العنيدة المتصلبة وتقرر مقاومة حتى حبها لي باعتباره تفريطاً في عَصبيَّتها وقَبليَّتها المتأصلة فيها من يوم أن حَطَّ الجَدُ الكبير في هذا المكان النائي والذي يحيطه الجبل من كل الجهات .. وانعكس صراعها هذا على حياتنا فانقلبتُ من شخصٍ كان يرنو للهدوء التام إلى متصارعٍ دائم وفي أكثر من ساحةٍ ومع أكثر من نَمَط إنساني: هي ووراءها بالطبع أهلها، ثم المراقبين والمتطوعين، وكذلك كل من تنضج كينونته برسم المسارات وتحديد مواعيد الدق على باب الأقدار للآخرين ..
وانتهى الأمر بكوارث من نوعية ضياع الأطفال (والبهدلة وقلة القيمة) والمرض بالطبع ..
المنطقي أن أي منصف ! سيقول إن المشكلة في العينة وليس في، التجربة الطماعة الرائدة، الطموح لكل صياغات الأنانية التي تستتبع الراحة والاطمئنان، الملفوفان في التألق الأدبي الحتمي .. وأنه لا ذنب لرفاق المقهى ولوعيك المتنامي عبر الزمن .. وأن الأمر، في سياقه النفعي المحض، مجرد حظٍ سئ وعدم توفيق .. لكن عِظَم التأثير النفسي والألم والخسارات المعنوية المدوية، الذين أحاطوا بالتجربة، جعلوني أكره المقاهي وأحدد مواقعها بعدد دقات القلب الزائدة
وأنظر يميناً ويساراً، حيث لا أعلم من أين ستأتي الضربة هذه المرة …
وأقرأ روايات جيل الستينات وأنا أتحسس مسدسي ..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية