ظُلْمَة الإِيريبُوس

سنحتاج إلى كثير من الوقت، وكثير من الفكر، وإلى أن نعود إلى معارفنا لنختبرها، نُعِيد مراجعتها، ونقدها في ضوء ما تغيَّر من مفاهيم، كُنَّا، إلى وقت قريب، نعتبرها حاسِمَةً، أو هكذا توهَّمْناها، في بناء الأفكار، وفي اتِّخاذ المواقف، وإبداء الرأي، أو وجهة النظر التي تَخُصُّنا، في كل شيء، وليس في الثقافة والفكر والإبداع، فقط، بل حتَّى في الإنسان، وفي سلوكات هذا الإنسان في المدينة، والعقل الذي يتحرَّك به في هذا الفضاء المديني المُتحَضِّر، الذي نشأ ليكون نقيض الغابة، بكل ما فيها من تشاحُن، وتدافُع، وصراع، ورغبة طرف في البقاء على حساب طرف آخر.
يبدو، في ما يجري من تحوُّلات في العقل، وفي الجهل العام الذي صار يُطْبِق على علينا، والرغبة في الكلام، حتَّى دون حاجة إلى الكلام، وقول أي شيء، هو ما يُؤكِّد موت الإنسان فينا، وعودة البشريّ إلى الواجهة، بما فيه من بهيمية وتوحُّش، وبما يُتِيح للغابة أن تحُلّ محل المدينة. لا حوار، ولا نقاش، لا أحدَ يستمع إلى الآخر، كل واحد يعتبر نفسه مصدر القوة والحقيقة، ما يقوله ويكتبه هو ما ينقص الناس في فهم من هُم، أو لماذا يوجدون، دون أن ينظر في مرآة نفسه، ليعرف، أولا من هو، ليعرف نفسه، قبل أن يضع الآخرين في مرآته، وينسى أنَّ هذه المرآة، لا تتَّسِع فيها الرؤية أكثر، لأنها تقتصر على وجه واحد، هو وجه هذا الشخص دون غيره، ويكون، بالتالي، مثل الأسد الذي خدعه الأرنب، حين ألقى به في البئر، وهو يظن أنَّ من يراه في قرارة البئر، هو أسد آخر، جاء لِيُضاهيه ويُنازعه، في غنائمه التي كان يسطو عليها من دم ولحم الحيوانات التي كانت تعيش معه في الغابة نفسها.
عقل انْتِكاسيّ، يَرْتَدُّ على نفسه، هو صدَى نفسه، ويظنُّ أنَّ غيره الصَّدَى، وهذا هو جوهر الخلل الذي يحدث لنا، حين نعتقد أنَّ وجهنا في قرارة البئر، هو وجه غيرنا، وعلينا الانقضاض عليه، لنكتفي وحدنا بالغابة، بما فيها من نِعَم وطرائد.
لم يَعُد الحوار يعني القراءة والإنصات، وتأمُّل ما نقرؤه ونستمع إليه. الحوار صار هو قرارة البئر، هاوية فيها نُلْقِي بأنفسنا لنفهم، بعد أن نصير عالقين في الفراغ، أنَّنا أخطأنا، وأنَّ من كُنَّا نعتبره العَدوَّ، أو الخَصْم، هو نحنُ، هو هذه القطيعة التي أحدثناها مع الآخرين، وظنَنَّا أنَّ ما نكتبه ونقوله، في وسائل التواصل الاجتماعي، هو الصَّواب، ونحن على صواب، ولن نقبل أي كلام، غير ما نقوله ونكتبه، وأي رأي يُعِيدنا إلى جادَّة الصواب، أو يوقظنا من خدرنا، نتحامَل عليه، نعتبره عدُوّاً وخصماً آخر، دون أن نفكر في رجاحة فكره، ورأيه، وما أتاحَه في طريقنا من نور وهواء.

هذا هو المأزق الكبير الذي نحن فيه، اليوم، بكل ما فيه من اندفاع وغطرسة وتهوُّر، وعقل مشدود إلى ظلمة الإيريبوس، إلى هاويته، أو إلى بئره السحيقة. بِتْنا، دون أن ندرك خطر ما نحن فيه، طُعْماً للأرانب، بعد أن كانت الأرانب طَعاماً لنا.

الفكر الأعمى، هو هذا. فكر يكتفي بالمغارة التي يَغُطُّ فيها، بما يتخيَّلُه، وبما تهجس له به أوهامُه. لا شيء عنده يقبل النِّقاش، ولا الحوار، الأفكار جاهزة، والجمل والعبارات جاهزة، بالنسق نفسه، وبالخيال نفسه، والهواجس نفسها، دون أن يفكر هؤلاء في فطنة الأرنب التي جرَّت الأسد إلى حَتْفِه.
نعيش أزمة حقيقة، هي أزمة هذه البئر التي ألقتنا فيها التقنية، ماؤها أسود عميق، مثل بركة آلهة نَصَبَتْها لاستدراج البشر إلى الإِيريبُوس، حيث الظلمة تطفو على النور، تشربه، وتطغى، لا تترك العين ترى شيئاً، سوى ما يسمعه، لا ما يراه. عالم الإيريبوس هذا، هو عالم التقنية، في شِقِّها التواصلي الذي هو قطيعة، وليس اتصالا، وهو السقوط الحتمي في هاوية، قرارها، لا أحد يدرك سماجَتَه، ما لم يكن أدرك أنَّ السيف الذي يقطع به الطريق على الآخرين، هو نفسه السيف الذي يلتفُّ حدُّه الآخر على عنقه.
وأنا أُتابع الكثير من الحُرُوب، في هذا العالم، وهي أغلبها حروب بسيوف من خشب، وبأبطال من ورق، أتساءل مع أمبرتو إيكو، في حواره مع كارلو ماريا مارتيني، وهو يتساءل «إذا كُنَّا نرغب في حوار حقيقي، علينا أن نتحاور حول ما لا نتَّفِق عليه»، فاللحظة الحَرِجَة، كما يقول، تُطِلُّ علينا «برأسها عندما تنشأ من تلك الخلافات صِدامات وسوء تفاهم أكثر عمقاً، يُتَرْجَم في ما بعد على المستويين السِّياسي والاجتماعي». لتصير مثل هذه الحروب، اغتيالات، ورغبة أكيدة في القتل، لأنها، في أصلها حروب قذرة، كل الأسلحة فيها مُباحَة، حتَّى الرصاص الحَيّ.
ظَنَنَّا أنَّنا قطعنا، في الشِّعر، على الأقل، مع الآلهة، وأنَّ الشِّعْر هو خيال، أو فكر بشريّ، وأنَّ الحداثة نأت بنا عن السلفيات الثقافية التي هي أشدّ مضاضة على الشِّعْر، من الماضي الذي، في أصله، كان خلقاً وابتكاراً، قبل أن يكون قاعدة وإطاراً، أو شريعة واتِّباعاً، أو سَمْتاً، من لم يسر على نهجه، فهو «كافر»، لكن ما ظهر خلال الأيام الماضية من ابتذال ثقافي وشعري، ومن حِقْد وحَنَق، وكلام ليس من الثقافة والشِّعْر في شيء، ولا من أخلاق وقِيَم، أو خصال المثقفين في شيء، يكفي لندرك خطر الغوغاء على الحداثة، وعلى فكر الاختلاف والنقد، وتفكيك المُسلَّمات، أو مُساءلتها، ووضعها في سياق المراجعة والاختبار، لأنَّ لا شيء، في مجال الأفكار، بعيد عن النقد والمُساءلة والتفكيك والاختبار.
هذا هو المأزق الكبير الذي نحن فيه، اليوم، بكل ما فيه من اندفاع وغطرسة وتهوُّر، وعقل مشدود إلى ظلمة الإيريبوس، إلى هاويته، أو إلى بئره السحيقة. بِتْنا، دون أن ندرك خطر ما نحن فيه، طُعْماً للأرانب، بعد أن كانت الأرانب طَعاماً لنا.

شاعر مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية