نُدرك مع موريس بلانشو، أن الكتابة في جوهرها هي تلك القوةُ التي تُحول الإنسانَ من خلال تحويلِ العالَمِ (من كافكا إلى كافكا، 1949). وندرك أيضًا مع فرانز كافكا أن تحويلَ العالَمِ في الكتابة لا يعني تجميلَه وإنما يعني تَحْيِيرَه ومَسْخَه، أيْ كتابتَه وَفْقَ ما لا نرغب في أنْ يصيرَ إليه، والانحرافَ بأنظمته من فضاء معقوليتِها المُطْمئنةِ إلى فضاءٍ قَلِقٍ ومغمورٍ بمَشَاهِدِ التحيرِ والغرابةِ والعبثِ واللامعقولِ والكابوسيةِ، ومن ثَم يكون الكِتابُ الجديرُ بزمنه هو «الفأس التي نُهشم بها الطبقاتِ المُتجمدةَ فينا» (رسالة إلى أوسكار بولاك، 1904). غير أن ذاك التحويلَ، وذاك التهشيمَ، لا يبلغان غايتَهما الفكريةَ إلا متى انتظما في أُفُقِ رُؤيةٍ فاحصةٍ لترهلِ حقائق الواقع، ومُحررةٍ للناس من تجمدِ تصوراتهم لسُلطةِ معيشهم وإقناعيتها. ويبدو أن «الكافكاوية»، في حُدود ما تكشف من مظاهرها في روايات فرانز كافكا وفي حياته ذاتِها، قد مثلت اتجاهًا فنيا ذا طاقةِ تأثيريةٍ عابرةٍ للجغرافيا وللزمن معًا، حيث لا يَخفَى تأثيرُها في آدابِ العالَم عامةً، وفي أدبِنا العربي خاصةً. وهو الأمر الذي انصب على دراسته جهدُ الناقد العراقي نجم عبدالله كاظم ضمن كتابه الجديد الموسوم بـ«كافكا والكافكوية والرواية العربية والبحث عن الخلاص» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2018)، الذي ضم إلى جانب المقدمة والتمهيد قسميْن، أولهما نظري بعنوان «كافكا والكافكوية»، وثانيهما تطبيقي بعنوان «كافكا والكافكوية في الرواية العربية»، وهو كتاب في النقد المقارن نقدرُ أن في قراءتِه ما يُجيب عن بعض أسئلة علاقة روايتنا العربية بالرواية الغربية.
كافكا والكافكاوية
تصدى الناقد في الفصل النظري من الكتاب لتحديد مفهومِ «الكافكاوية»، وذلك عبر تبين مجالات تقاطعه مع ما يُضارِعُه من مفاهيم العبث واللامعقول والوجودية والفانتازيا والعجائبية وتيار الوعي والسيريالية والواقعية السحرية، مع تحديد مجالات اختلافه عنها. وهو أمرٌ مكنه من استخلاص ثلاثِ ثيمات تكاد تُشكل مكوناتِ أدب كافكا وما يُشبه مَحَاوِر أعماله، التي «ستَقُودُ إلى أنْ يُسَمى كل أدبٍ أو اتجاهٍ أو عملٍ يتبناها بأنه كافكوي»، أولها محور البيروقراطية وعوالم اللامعقول، وثانيها محور الاغتراب والبطل المُغْترِب، وثالثها محور السلطة والبطل المُطارَد. وتحضر هذه المحاورُ في كتابات كافكا وقد امتزج بعضُها ببعضٍ، كما تتعاضد جميعها في الترحل بالواقع المألوف إلى حيز اللاواقع المفاجئ، وتُنبهنا «إلى ما لا نراه وهو من حولنا، أو فينا»، ذلك أن ما يميز أدب كافكا، والكافكاوية، هو أنه لا يزرع فينا الخوف، وإنما هو يُحذرُنا مما يمكن أن تؤول إليه أقدارُنا، وذلك بفضل اقتداره على بناء «عالَمه أو عوالمه من مفردات عالَم حقيقي عاشه، وربما نعيشه نحن أيضا ونخضع لضغوطه وكوابيسه، بدون أن نستطيع تشخيص هذه الضغوط والكوابيس، أو ربما لا نجرؤ على أن نفعل ذلك، فيجرؤ هو، فيفعله»، وصورةُ ذلك أنه يتخير موضوعاتٍ عاديةً ومألوفةً ثم يُدخلها إلى عالَمه الحكائي فإذا هي تتحول فيه إلى موضوعاتٍ أخرى جديدةٍ لم تُحْكَ للناسِ من قَبْلُ، إنه «يستبدل العالَم الذي نعرفه» بآخر «نخشى من أنه ربما يكون هو الموجود». ويذهب الناقد في تفصيل هذا الأمرِ إلى القول إن العالَم الذي يتشكل في كتابات كافكا مُحيلٌ على «أزمة إنسان العصر في عالم التكنولوجيا والبيروقراطية والماديات، وهو العالَم الذي يجد كافكا نفسه غريبًا عنه ولا يستطيع أن يألفه، أو يتواءم معه»، ونُلفي لهذه الأزمة صورًا يشي بها أبطالُ رواياته، من ذلك أن تواصل «جوزيف ك.» بطل رواية «القضية» مع أهل القرية يكاد يكون معدوما بسبب اختلافه عنهم «وعيًا وتعاطفًا وتفهمًا» وهو ما يتسبب في دخوله السجن بدون قضية واضحة، وينتهي مقتولاً كالكلب، وتنهض بين بطل رواية «أمريكا» ومدينته مسافةٌ تفصله عن روحها الحديثة، فينتهي به مساره إلى ركوب قطار صوب جهة مجهولة. ويُلخص الناقد أحوالَ بطل كافكا بقوله: «هناك تشوشٌ ذهني يعرض لبطل كافكا مصحوبًا عادة بإحساس بالضياع، الذي يولد بدوره التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرارات الشخصية والحياتية والعلائقية، والحسم فيها ليصل الأمر به، في كثير من الأحيان، إلى العجز عن الفعل وصولا (…) إلى الموت المجازي أو المعنوي أو الحقيقي، حين يفتقد الرغبة في الحياة»، علمًا أن ذاك العجزَ يستبطِنُ أحيانًا نِشْدانَ البطلِ خَلاصًا ما يمكن أن نهتدي إلى بعض مظاهرِه في روايات كافكا.
تصدى الناقد في الفصل النظري من الكتاب لتحديد مفهومِ «الكافكاوية»، وذلك عبر تبين مجالات تقاطعه مع ما يُضارِعُه من مفاهيم العبث واللامعقول والوجودية والفانتازيا والعجائبية وتيار الوعي والسيريالية والواقعية السحرية، مع تحديد مجالات اختلافه عنها.
ولئن أكد الناقد أن الكافكاوية قد «خرجت عن أن تبقى أسيرةَ ذاك الكاتب نفسه لتُطور نفسَها باتجاه أن صارت اتجاهاً في الكتابة الروائية والقصصية العالمية»، فإنه لم يغفل عن الإشارة النبيهة إلى أن الكافكاوية لم تتأسس فقط على كتابات كافكا، وإنما كان لطبيعة حياته أثرٌ فيها بسبب ما تجلى في سيرته من مظاهر العبث والتردد واللامعقول، والإحساس بالخوف والاضطهاد والاغتراب والسير نحو النهاية المأساوية، وهي مظاهر لها صلة بأحوال شخصيات رواياته حتى لَيصدق القول إن كافكا هو نفسُه شخصياتُه، وساهمت كلها في جعله يُقيم في الدنيا إقامةً تراجيدية مؤقتةً وقلقةً؛ فقد عاش ضيفا على اللغة الألمانية، وضيفا على عائلته، حيث كان والده يُعنفه ويلقي به خارج البيت، وضيفا على جسده الذي أنهكه مرضُ السل، وضيفا على الحياة ذاتِها حيث غادرها وهو في سن الأربعين.
الكافكاوية العربية
امتد تأثير الكافكاوية في الرواية العربية من خمسينيات القرن الماضي إلى منتصف سبعينياته، ويَرْجع ذلك، وَفْقَ ما يرى نجم عبدالله كاظم، إلى أسبابٍ ثلاثةٍ؛ أولها انفتاحُ الوطن العربي بعد الحرب العالمية الثانية على محيطه العالمي، وثانيها الرغبةُ العارمةُ في التجديد والتغيير والتمدن، التي حمل لواءَها الحراكُ السياسي والشعبي، وما انجر عن ذلك من إقبالٍ على الوافد الثقافي والفكري والأدبي، وثالثها انتعاشُ حركة الترجمة «من اللغات الأوروبية، الإنكليزية والفرنسية، بشكل خاص، والروسية بدرجة أقل» إضافة إلى تنامي ظهور الملاحق الثقافية في الدوريات والصحف، وهي أسبابٌ تعاضدت جميعُها لتُسهلَ حضورَ تيارات الوجودية والاغتراب والفردية والعبث واللامعقول، وكتابات تيار الوعي في أدبنا العربي «بعد أن هيمنت على المترجم [العربي] تيارات مثل الواقعية والرومانسية». وبفضل ذلك، «صار الأدباء العرب يُتابعون ما يحدث من تطورات في الرواية وغيرها من الأجناس الأدبية في الآداب الأوروبية والأمريكية. غير أن التأثر بتلك التيارات الأدبية والفكرية، ومنها الكافكاوية، لم يكن تاما وإنما اقتصر، في النتاجِ الروائي خاصةً، على ما ناسَبَ منها حاجاتِ المبدع العربي القوميةَ والفنيةَ وطبيعةَ جمهور القراء، في وقتٍ تعاظمت فيه آمال الناس في دولة الاستقلال وتنوعت أيديولوجياتهم التحررية، وهو ما وجد له الناقد صدى في أعمال عينة من مبدعي تلك الحقبة الزمنية وهم: جورج سالم ومحيي الدين زنكنه وصنع الله إبراهيم وإبراهيم نصر الله وجبرا إبراهيم جبرا ويحيى الطاهر عبدالله ويحيى جواد ويوسف الصائغ وفاضل العزاوي. وفي هذا المضمار، تقصى الناقد مظاهرَ تماهي أبطالُ روايات هؤلاء الكُتاب بأبطال روايات كافكا، ضمن محاور اللامعقول والاغتراب والسلطة، التي ينهض على دعامتها مفهومُ الكافكاوية، ومن صُورِ ذاك التماهي أن ما يطغى على عوالم شخصيات رواية «في المنفى» للسوري جورج سالم هو إحساسُها بالاغتراب، إضافة إلى حَيْرتها إزاء كابوسية الوجود اللاعقلاني والموت المفاجئ، بل إن تأثرها بمناخات الكتابة الكافكاوية يبلغ فيها أدق تفاصيلِها، فإذا هي مُكتظةٌ بأجواء «السيرك، والجلادين، والموظفين المسحوقين، والدروب الضيقة، والفراغ القاتم»، ناهيك عن أن بطلَها يُسمى (س) في شيء من التماهي باسم (ك) بطل رواية «القضية» لفرانز كافكا. وفي الصدد نفسه، لا تُخفي مناخاتُ روايتيْ «هم، أو ويبقى الحب علامة» و«بحثًا عن مدينة أخرى» للعراقي محيي الدين زنكنه تأثرَها بمناخات روايات كافكا «القضية» و«القصر» و«أمريكا»، وهو تأثر يشرحه الناقد بقوله إن هذا التأثر «لا يعني أن زنكنه قد استنسخ تجربة كافكا، بل إن سمة العلاقة ما بين تجربة الكاتبيْن هي اللقاء والاختلاف»، ومثال ذلك هو أننا نجد زنكنه «يُعالج ثيماتِه وأفكارَه بوعي وإقناع، حتى حين يُقدم البطلَ المُطارَدَ والغريبَ والمنعزلَ عن الآخرين، ببساطة لأنه يجعل هذا البطل في بيئةٍ، مدينةً أو ناسًا، مرفوضةٍ منه حتى إنْ لم يُصرح بذلك، وبما يمكن أن يُفسرَ ـ نعني رفض البيئة والمدينة – بالخصوصية المحلية التي جعلت المدينة العربية على أرض الواقع غريبةً فعلا عن بعض أبنائها في ظل ظروفٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ مَرّ الوطنُ العربي ولا يزال يَمُرّ بها، وهي مختلفةٌ عن تلك التي هي عليها البيئاتُ والمدنُ الحقيقيةُ أو المتخيلةُ في تجربة كافكا». وتُعد رواية «اللجنة» المصري صنع الله إبراهيم واحدة من الروايات التي تمثلت مفهومَ الكافكاوية بشكل لافت للنظر، سواء على مستوى ملامح بطلها المُطارَد، أو على مستوى مضمونها الموغِل في اللامعقولية، حيث يجسد فيها «يجسد صنع الله إبراهيم حالة الخوف الإنساني ومعاناته في هذا العصر أو في ظل أنظمة سياسية وبيروقراطية ليس للإنسان اعتبار فيها، فكل شيء مذلل ومكيف ومسير وخاضِع للنظام وأساليبه ومتطلباته».
وبالتلخيص يجوز لنا القولُ إن كتاب «كافكا والكافكوية والرواية العربية والبحث عن الخلاص» لنجم عبدالله كاظم ينتمي إلى صنفِ الكتب التي يُحققُ فيها المتنُ وُعودَ العنوان، بل ويتجاوزها إلى إثراء ثقافة القارئ بمعارف دقيقةٍ ومُنْتخَبةٍ تُساعده على مزيد الإلمام بالظاهرة المدروسة تقصيًا لتفاصيلها المُضمَرة وانفتاحًا بها على المُمْكِن من آفاق اشتغالها في الفكر وفي الحياة.
٭ كاتب تونسي