ظِلٌّ على البحر…

حجم الخط
0

حين عاد من السفر، كان قد نسيَ كل شيء تقريباً. نفض يديه من أحلامٍ مشتهاةٍ فيها تمناها لسنوات. منذ النظرة الأولى التي جمعتهما. منذ الصدفة الأولى، منذ طلبه المتأجج أن تصحبه لتناول شيء في كافيتريا العمل، ولم يكن مرَّ على التحاقه به أيام! كان جنوناً. أما الجنون الأكبر فأنها استجابت له باسمةً، ونزلت معه، غير آبهيْن بعيون المتطفلين والفضوليين وكاتبي التقارير!
مع الأيام كان يختبر مدى صدق ما يعيشه أو زيفه بطرح كثير من الأسئلة على نفسه حولها، ومراجعة ذاكرته ليرى إن كانت ملامحها ابتعدت ولو قليلاً عنه، يكتشف أنها راسخةٌ باقية، لا تغادره ولو لحظة في العمل والطريق والمنزل. كتب كثيراً عنها وفكّر طويلاً بها، وحلم وتمنى واشتهى.. إلى أن صارح. فاجأه أن تكون المصارحة متبادلة. أن ما فكّر فيه كان يؤرّقها هي الأخرى.
من خبرته الكبيرة بالحياة، ومن معرفته لها. لطبيعتها، كان يتعامل معها كمن يلمس البلور ونثار الزجاج، بحذر بالغ تجاه مشاعرها. حتى عندما قالت له ‘ هِئتُ لك’، وأن ثمة مشكلة كبيرة في حياتها مع شريكها، وأن انهيارات وجنوناً يحاصرانها، وأنها لا مُطلَّقة ولا مُعلَّقة، حرص على الاحتفاظ بمسافةٍ كافية حتى لا يبدو كمن يصطاد في الماء العكِر. كانت ممزقةً بالكامل في دورة اعترافهما الأول، بانتظار فعل الحب. شعر بنفسه سيكون صياداً غير نزيه لو اقتحم معاقلها المتهاوية الآن. رآها فراشةً تحترق وهو سُيجهِزُ عليها بفعل الحُب وليس سيرويها. ابتعد قليلاً وانتظر أن تنتهي مشاكلها، وأن تُمهَّد الأرض لتقف عليها وتأخذ قرارها وهي وافرة الإرادة والعنفوان.
حين خرجت من أزمتها، رأته مازال بعيداً واقفاً على الساحل ينتظر. اتهمته بالتخاذُل: (أنت جبان). سمعها واعتصرت قلبه. كان يتصور أها ستُقدِّر نبله ونُدرة موقفه.
نسيَ الأمر وترك نفسه لأيامه الراكضة المكررة. سعِدَ كثيراً أنها صارت بخير وأنهت أزمتها. حزن بعض الوقت لضياع حلمٍ تمناه من تداخل عالمين كلاهما يتوق للآخر.. سلَّم ومضى.
بعد فصولٍ واكتمال دورات، عادت تلوح، دخلت في أتون أزماتها من جديد، تهاوى الجدار البارد الذي كان يضعه حول قلبه وملامحه تجاهها وشعر بروحه تنتفض ما إن أخبرته أنها ترغب في زيارة الطبيب النفسي، كان على سفر. اتصل بمكتب الطيران وأرجأ السفر يومين دون أن يخبرها، قال لها إنه سينتظر اتصالها ليصحبها للطبيب. قال لأهله في بلده إنه مُضطر لتأجيل السفر ليومين لبعض المشاغل. انمحى من ذاكرته نعتها له بالـ(جبان). غفر لأنه يُحب.
مرَّ اليومان ولم تتصل. سافر.. ظلت تراوده بعض الوقت في سفره، قبل أن تداهمه فكرة أنها تنساه بالكامل وقتاً طويلاً قبل أن تعاود الظهور فجأة بصورة خاطفة لا تروي ولا تُشبِع. عاد يُسلِمُ نفسه لنهر الأيام والمشاغل.
عاد من السفر ناسياً العهود والوعود وأحلام الاحتراق والاشتهاء والتداخل. لم يُحضر شيئاً لأحد سوى علبة حلوى لابنتها الصغيرة.
في اليوم الأول لعودته كان يطالع إيميله بصورة روتينية، فجأه إيميلها، اختطفه وألقاه في عالمٍ لم يتصوره: أنتظرك. أحترق. اندهش تماماً، وحين اتصل وجد الجنون قد عاودها، خشي أن يبدو صياداً غير أمينٍ بنبله المعتاد الذي تُفسّره بأنه جبن- سألها عن حياتها وأوضاعها. كانت تضحك في نزقٍ وتوفُّز. علِم أنها بخير وتعافت تماماً من أي ألم نفسي. قرَّر أن يخوض الجنون ذاته معها. انتظر طويلاً وتمنى وصبر وأحبَّ وساند.. ربما حنّت عليه السماء الآن ليقطف ما اشتهاه طويلاً من أحلام.
مرةً أخرى كان يعرف أن عليه أن يعاملها بحساسية مفرطة، لأنها كالزجاج والبلُّور إن انكسرت لا تلتئِم بسهولة. كان يعرفها. كان ينتقي كلماته وهو يحدّثها، بحساسية ‘الجواهرجي’، وينتقي أفعاله بمعيار ميزان الذهب. في أكثر من مرةٍ وبينما يتحدثان في تفاصيل تهيئة الأمواج ليعتليها الجسدان/ الروحان، احتدَّت عليه لتفصيلة في معرض النقاش. كان يصمت ويترك نهر غضبها وصوتها المرتفع يستريح في مصبه للنهاية. كان يحبها، ويعرف أن المحب عليه أن يتحمَّل.
حين ذهب للفندق الحالم وجدَ أن موظف الاستقبال من نفس جنسيتها. خاف عليها أن تُحرج منه، أو أن يكون على معرفةٍ بها، أن يسبب لها بنظرته- باعتبارهما أبناء جلدةٍ واحدة- ما يحزنها أو يؤلمها. توقفت يده عن ملء استمارة الحجز. شكره وغادر تاركاً إياه في اندهاشه. لم يستطع إلا أن يحترمها لأنه يحبها ويحافظ على مظهرها.
في الفندق الثاني الغافي على البحر القصي، أخبر الموظف أنه قد يكون لديه زوار، وطلب منه- بحزم- ألا يطلب من زائرته أي تحقيق شخصية أو أخذ بيانات. أكد له الموظف أن هذا مخالف للقوانين، وأن زائرته في غرفته بالطابق العشرين على البحر، يجب أن تترك بطاقتها ولو خلال وقت زيارته فقط. هز رأسه في تفهُّم وطلب منه إلغاء الحجز. ذهب، مشدداً على احترامها في روحه وناسياً أمر الوعد. الأهم ألا تُجرح بشيء تخشاه، تذكر رجاءها منه ألا يطلب منها أحد أي بطاقات هوية أو تعريف بشخصيتها. احتدَّت عليه في هذا الأمر طويلاً. لم يكن يملك إلا احترامها واحترام رغبتها لأنه يحبها. ثلاث سنوات يحبها وينتظر.
أمام الفندق الثالث على الخليج البعيد، كان الإرهاق قد نال منه، جلس في سيارته منهكاً كنمر. قال: ربما البلاد القريبة.. اتصل بشركة طيران يسألها عن فيزا وحجوزات. كتب المعلومات في سرعةٍ وشكرها. عاد يتصل بشركة طيران للبلد الثاني المجاور. التأشيرات.وثمن الطيران، شكرها وأغلق.
تذكَّر أنها قالت له إن ظروفها قد لا تسمح بالسفر هذه الفترة. زفر مغمضًا عينيه. ترجَّل من السيارة باتجاه الفندق. كان يتمتم باسمها على درجاته، يراها تخطر في يده وهما يصعدان.
أمام موظف الحجز لم يأبه للسعر كثيراً. قال له إن أهم ما يعنيه الخصوصية، إن له صديقة قد تزوره، وهو لا يريد إزعاجها من الأساس، فهي الأهم من حجزه نفسه. ابتسم الموظف مومئاً برأسه. عاد يكرر، إنها قد تجيء وقد لا تجيء، في كل الحالات لا يطلب منها أحد بطاقة هوية أو أي معلومات.. هي ضيفة قادمة وستغادر. كرر الموظف تأكيده على احترامه واحترام ضيوفه وعدم إزعاجهم. أتم الحجز سعيداً. بعد يومين سيقابل عمره الذي انتظره طويلاً في الفردوس المفقود.
أدار السيارة ومرَّ على محل الورد الذي لمحه بالقرب من الفندق. طالع الورد من خلف الواجهة الزجاجية: سأشتري لها عشرة أغصان من هذا النوع معبأة بالورد الأحمر والأبيض، سأنثرها حول السرير قبل أن تمسّه، هكذا تؤتى الملكات.
عاد إلى السيارة سعيداً. نام بعمق في هذه الليلة مترعاً بالهناءة والدفء كما لم يعِش في حياته.
في اليوم التالي اتصلت به متوترةً، استفسر منها قلقاً عليها عما بها؟ – لي أقرباء سيصلون غداً ويجب أن أكون في المطار صباحاً ومعهم مساءً. (أُسقِط في يده..كان كل شيء مهيئاً بدقَّة والوقت مُحكماً. حتى موعد العمل الذي أجّله، صديقه الذي أخبره أنه قد يمر عليه بعد موعدهما وآلى ألا يفعل ليبقى معها أطول وقتٍ ممكن. ارتبك كل ما خطّط له وصار الوقت الذي تمنى لو كان سنينَ.. تقلَّصَ إلى سويعات). بينما يُصغي إلى صوتها أرهف السمع جيداً مدققاً في نبراته. تأكد من توترها، بدت عصبيةً كنمِرة، حاول انتقاء كلمته بدقةٍ متجنباً أن يجرحها بأي شيء.
– ولكننا هكذا لن نبقى معاً كما تمنيت لأطول وقت..
– (صاحت): ماذا تعني بأطول وقت؟ كيف تحسب الأمور أنت؟
‘أيقن أنها تحت ضغط عصبي ومتوترة. ولن تحكم على أي شيء بعقلانية’.
– لا أعني شيئاً.. لا أقصد.
أغلقت الخط غاضبة كلبؤة. عاود الاتصال بصديقه. عدَّل الموعِد معتذراً، اتصل بالفندق. عدَّل موعد الدخول، وسأل عن الموظف نفسه الذي استجاب لطلباته، اطمأن بعدما تأكَّد من أن موعد ورديته موافقٌ لموعد مجيئه الذي تغيّر. سأله الموظف إن كان قد سدَّد ثمن الحجز فأكد له أنه سدَّده مسبقاً وعاين الغرفة بنفسه أيضاً مضافاً إليها عشاءً لاثنين.
عاودَت الاتصال، صوتها كتلة من التحفُّز والقلق.
– ماذا فعلت؟
– عدّلت المواعيد، ولكني تمنيت أن أمتلك أوقات الكون معكِ.. لن تكفيني ساعات العمر.
– إذن؟
– هل يمكنك أن تنتظريني؟
( تحوّلت إلى انفجارٍ بحجم السموات.. حريقٍ شبَّ في الدنيا):
– هل جننت؟ ماذا تراني؟ ماذا تظنني؟.
– أنا !
– أنت ماذا ؟ الرقم خطأ.. وأنت خطأ. كل شيء خطأ.
أقسم لها أنه قصد ان تنتظره على القناة المائية، التي التقيا بقربها منذ يومين ليلاً ريثما يعود من مشواره، لم يقصد شيئاً آخر. كانت قد أصمّت أذنيها تماماً وأغلقت عقلها وأطفأت ملامحه- للمرة الثالثة ربما- في روحها.
عاد يتصل بها مدافعاً عن نفسه في جنون. ردّت عليه متنمرة: أنت لا تحترمني.. لم تفهم شيئاً.
أغلق الخط.
في طريق عودته، كانت الأضواء مطفأة، والعالم ثقيلٌ وميت. جاءه اتصال من الفندق.. مرَّ وقت دخولك ولم تشرفنا. رد بأنه لن يأتي. عاد الموظف يخبره أن المبلغ لن يُرد. قال: لا مشكلة. واصل القيادة بروحٍ ميتة. ظلَّ مريضاً لا يغادر السرير.. تناول فيتامينات كثيرة، حاول أن ينسى مكان محل الورد، وشكل الغرفة والسرير الفخم الكبير وإطلالة البحر على اللسان الصخري الذي تضربه الأمواج وتُذهِّب أشعة الغروب أحجاره.
في اليوم التالي.. كان يحاول إسقاطها من ذاكرته، نفضها مع الورد والرعشة التي لم تجئ والفندق السري الحاني، والطابق العشرين. لم يحزن على موعدٍ حميمٍ لم يكتمل إنما ذبحهُ الحزن، راوده طيفها فأخفاه في عينيه خشية إن مرَّ خشية أن يراه أحد فيجرحه. تذكر طلباته من كل موظفي حجز الفنادق التي مر عليها بشأنها. لا يقربها أحد. لا يمعن النظر فيها أحد مطولاً، لا يسألها أحد حتى عن اسمها.. هو سرٌّ يخصها.. وهي سرُّه وموئله وفلكه.
عاد بذاكرته إلى كل ما فعل، أمام اللسان الصخري على البحر اشتدت الريح تلطم وجهه. دمع متألماً من الفوات.
‘ بين منطوقٍ لم يُقصَد ومقصودٍ لم يُنطَق تضيعُ كثير من المحبة’* ..
في اليوم التالي كان قد حسم أمره. بينما يغادر المؤسسة، تاركاً مديره في حيرةٍ من أمره وهو يتذكر كلماته عن الاستقالة وشكره للفترة التي قضاها معهم. لم يتحمل طويلاً أن ينصب وجهها له مشنقةً من حرير كل صباح، ويجلده بسياط من الندم والمرارة وهي تراقص جسدها المتوفز في خيلاء ‘مضاعف’ كلما مرت أمامه.
في الطريق إلى العدم لاح له البحر من بعيد بينما ينكسر على الأرض ظلٌّ يسير إليه.

24 أكتوبر 2013
شاعر مصري مقيم في الإمارات

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية