ظِلّ جسدك هو تلك البقعة المعتمة، التي تتشكل في الحيز الثلاثي الأبعاد خلفك، عندما يعترض جسم معتم سبيل الضوء المنسكب أمامك. ولكن هل خطر ببالك أن يكون لنفسك ظِلّ أيضا. قد يكون من الصعب عليك في البداية أن تتلمس هذا الجزء اللاواعي المختبئ داخلك، الذي قد يلتقي أو يفترق عن صورة نفسك التي تعكسها للعالم حولك. ولكن إذا بذلت بعض الجهود لسبر أغوار نفسك، فإنك ستدركه، وتلتقي به، وتتعرف عليه. ظِلّ نفسك هو ذلك الجزء المعتم والهش الذي يقبع في أعماق سحيقة من نفسك. إنه المكان الذي يستلقي فيه جانبك المظلم والقبيح والمخيف الذي تخشاه وتمقته وتنكره وتقمعه، الجانب الذي تعيش فيه نقاط ضعفك، والذي يضم كل الغرف السرية من بيت نفسك، التي تسدل عليها ستائر سميكة لتحكم حجبها وتخفيها عن أعين الناس.
فظِلّ النفس هو ذلك الجزء البدائي واللامتحضر من النفس البشرية الذي نقمعه، ونكبح جماحه، أو نتجاهله في سعينا لتحقيق التحضر والمثالية، التي يطالبنا بها المجتمع الذي نعيش فيه. إنه الوحش البشع والقَميء الذي يقطن داخل كلّ منا. ولهذا الوحش أشكال وألوان مختلفة، فقد يتجسد هذا الوحش ليتخذ شكل شخصية متغطرسة، أو أنانية، أو مخادعة، أو متلاعبة، أو مشككة، أو منغمسة بالملذات الحسية، أو مصابة بداء العظمة، أو متملكة، أو غيورة، أو متسلطة، أو ديكتاتورية، أو غيرها من الشخصيات غير السوية. فهذا الظل لا يولد، إلاّ من محاولة الفرد أن يكيّف نفسه لتتواءم وتتفق مع معايير المجتمع وتوقعاته. فحيثما يوجد ضوء، لا بد من وجود ظِلّ مرافق له. ولكي ينمو المرء كفرد، فلا بد من وجود توازن بين القناع الذي يرتديه أمام المجتمع وظِلّ نفسه.
الكثير من الناس يحار في تحقيق جزء يسير من الصفاء والسلام النفسي والروحي. العثور على السلام الداخلي لن يتحقق، إلا بمواجهة نفسك الخفية المتوارية كظِلّ خلف نفسك الطافية على السطح. لا تظن أبدا أن بمقدورك التهرب من المواجهة مع هذا الظِلّ. هذا الظِلّ سيظل يلاحقك حتى يجبرك على التوقف وعلى سبر أغوار نفسك، ومكافحة نقائصها، ومداواة جروحها، والتكفير عن آثامها. وهذه المواجهة الدامية الحتمية ستكون الثمن الذي تدفعه مقابل وعيك. وعيك سيجعلك تتعلم كيف تحب نفسك، وكيف تضع حدودا تجعلك تضحي بأمور وأشخاص في حياتك. مواجهة هذا الظل ستعلمك كيف تتحمل أن تظل وحيدا، بدلا من الانخراط في علاقات عاطفية تستنزفك داخليا، وتتغذى على طاقتك الروحية والجسدية. هذه المواجهة ستعلمك أيضا الوحدة الإيجابية المنتجة، وستعلمك كيف تكون راضيا وسعيدا، بدون أن تكون بحاجة للآخرين ليملأوا لك كؤوسك، لأنك ستتعلم كيف تملأ كؤوسك بنفسك، وكيف تكون مكتفيا بذاتك.
التعرف على ظل نفسك سيجعلك تدرك أنك جئت الحياة لتعيش حقيقتك، ولتحب نفسك، وتحب الآخرين، بدون شروط، وبدون أحكام مسبقة. هذه المعرفة ستحسن كذلك علاقاتك بالآخرين، لأنك ستتعلم أن تقبل وأن تفهم الآخرين مثلما تقبل وتفهم نفسك. مواجهة هذا الظل لن تكون مواجهة يسيرة، أو رحلة ممتعة، بل ستكون رحلة محفوفة بالألم والوجع، لأنك ستضطر فيها لأن تقشر كل طبقات القيح والصديد والعفن من نفسك، وستضطر لأن تخلع عنك أناك وغرورك لتشرق نفسك بعد ذلك كشمس ساطعة من خلف سحب سود. لا تظن أنّ بإمكانك أن تقمع هذا الظل أو أن تنكره. إنّ قمعك وإنكارك لهذا الظل لن يقتله، أو ينهيه، بل سيؤدي إلى تضخمه وعملقته، وإلى امتلاكه لسطوة أكبر عليك، ما سيجعلك تواجه صعوبات متزايدة في حياتك أهمها فقدانك السلام الروحي والطمأنينة النفسية.
المجتمعات التي تتنفذ فيها العائلة، وتملك سطوة تنشئ الفرد ليكون فردا مسؤولا عن تلبية حاجات عائلته، بدون الالتفات لحاجاته الفردية هو، بل إنها تسخر من حاجات الفرد، وتعتبرها غير مهمة وليست ذات قيمة. وهذا ما يؤدي لنشوء فرد حانق تملأ نفسه المرارة والاستياء. ستعلمك المواجهة مع ظِلّ نفسك كيف تعترف بحاجاتك وتحترمها. وعندما تكون في علاقة عاطفية فاشلة، ستخبرك هذه المواجهة أنّ العلاقات العاطفية الفاشلة، التي لا يرجى منها إصلاح علاجها هو الافتراق، وليس الكذب والخيانة. ستخبرك المواجهة مع الظل أنّ الفراق، حتى لو كان مؤلما، وحتى لو كان ينطوي على خسائر مادية، هو أفضل من أن تعيش مع شريكك حياة الكذب والدجل والخيانة. ستتعلم من هذه المواجهة أنّ من أشكال الخيانة هو أن تكون مع شريكك بجسمك المادي، وروحك تسكن في مكان آخر مع شريك آخر، وأنك بذلك توقع الظلم بثلاثة أشخاص في آن: نفسك، وشريكك الذي تعيش معه بجسدك، وشريك الروح الذي تسكن معه في عالم الروح.
ملايين الناس شرقا وغربا يستصعب خيار إنهاء حياة الراحة، حتى لو كانت راحة ضحلة وزائفة وغير حقيقية، لأنّ هذا الخيار ينطوي على تحديات كبيرة وكثيرة، أولها وأهمها هو وقفة متأنية وصارمة مع ظِلّ نفسك، أو مع نفسك الخفية، وهو ذلك الجانب في نفسك الذي تنكره، والذي لا تريد الاعتراف بوجوده ومواجهته. ملايين الناس يؤجل هذه المواجهة، أو يهرب منها، أو ينكرها لأنها تعني إنهاء حياة الراحة، وتكبد الخسائر المادية، أو المعنوية التي قد تنجم عنها. ولكن مهما كانت الخسائر فادحة، فهي أفضل من العيش في حياة يشيع فيها الكذب والغش والخيانة، والمعارك الدامية التي لا تهدأ ولا تتوقف. المعارك الدامية ستنخرك من الداخل رويدا رويدا، تماما كما تنخر دودة الأرضة بناية ضخمة عالية متماسكة. فراحة النفس، واطمئنان الروح، والسلام الداخلي ستعوض هذه الخسائر على مدى الأيام، لأنها ستخلق منك إنسانا جديدا شجاعا، واضحا، وناجحا.
الاعتراف بوجود الوحش في داخلك، بدلا من إنكاره وتجنبه سيجعلك تتحمل المسؤولية وتنشد الخلاص، وهذا ما سيفوت الفرصة على هذا الوحش من أن يسيطر عليك ويتحكم بك. فإذا كنت من الذين يعيشون جحيما داخليا، وإذا كنت من الذين يفتشون عن السلام النفسي، وعن الطمأنينة الروحية فإنك لن تجدهما، إلاّ بأن تقرر أن تحب نفسك، إلى الحد الذي يجعلك صادقا ومتصالحا معها. وهذه المصالحة لن تتحقق، إلاّ إذا قررت أن تقارع الوحش الكامن في داخلك، وأن تهزمه، وتنتصر عليه لتكون صورة نفسك التي تعكسها نحو العالم مطابقة لظِلّ نفسك المتواري تحت جلدك وخلف مسامك.
كاتبة من العراق