عائد من الميدان .. وإليه

حجم الخط
0

حسن النجار1 ـ هيأت نفسي للذهاب الى ميدان التحرير كما كنت أهيئ نفسي من قبل الى الذهاب الى ميدان الحرب. إن أحد عشر عاما قضيتها تحت السلاح كانت كفيلة بأن تمنحني شارة البدء في كل معارك الوطن. كما كنت أعد ملابسي وعتادي للحرب ملأت الحقيبة ببعض الزاد وقنينة ماء وقبعة اتقاء حرارة الشمس إذا التهبت، وبعض دواء القلب والضغط (في الحرب كان من مستلزمات المحارب حقنة مورفين يعطيها لنفسه إذا أصيب الى أن ينقل الى النقطة الطبية). وقد غمرني شعور طاغ بان الحرب التي ننتظرها جميعا، ونعد لها العدة قد تنشب في هذا اليوم من أطراف داخلية وأخرى خارجية، أو الاثنين معا. هذا هو الميلاد الثاني أو الثالث للثورة، فإما أن نكون أو لا نكون. موقعة الجمل التي فاجأتنا في الثاني من فبراير لن ندع مثلها تفاجئنا مرة ثانية .. فإما أن نكون أو لا نكون، فكل يوم يولد ميلاد لها. عدد قليل أخذ معه أقنعة واقية خشية أن يحدث الذي حدث في المعارك الأولى. في الخامس من يونيو 67 فاجأتنا الحرب ولم تنكسر عزيمتنا رغم ذلك، وفي حرب اكتوبر التي لم يعشها عسكريو هذه الأيام، فاجأنا العدوَّ بما لم يكن في حسبانه وسقيناه من نفس الكأس. لن يسقط علم الثورة من أيدينا وعلى الذين في قلوبهم مرض أن يتنحوا عن طريق الثائرين أصحاب الثورة الحقيقة، والذين سقط منهم آلاف الشهداء في سبيل أن تبقى رايتها عالية. ***من ميدان عبد المنعم رياض الى صينية ميدان التحرير (المسافة بينهما نحو مائتي متر) يخب الرجال والنساء والأطفال بهمة العشاق الميامين،ـ من أين أيها الرجل الباسم دائما؟ ـ من محافظة البحيرة. ـ من أين أيتها السيدة التي لا تنقطع زغاريدها ؟ ـ من دمياط.وبعضهم كان يحمل في يده قناعا واقيا خشية أن بحدث الذي حدث من قبل. إنهم في حالة جهوزية تامة من أجل هذا اليوم.لكأنه يوم الحشر العظيم. بشر متراصون بالأكتاف لا تحدهم عين، جاءوا جميعا بنفس الشعور الطاغي الذي جئتُ به. وتجولت بصعوبة أقرأ ما تحمله الملامح. من كل أصعدة البر جاءوا يحدوهم أملُ ألاَّ تسرق من بين أيديهم ثورتُهم التي صنعوها بدم الشهداء، آلاف الشهداء. وبعيدا عن الشعارات التي رُفعتْ هنا وهناك تحمل مطالب هذا الحشر، وكلها مطالب شرعية وملحة، وتركزت معظمها علي ضرورة إخضاع القتلة الى محاكم قصاص. وان يبقى علم الثورة مرفوعا لا تمسه غير أيدي الثائرين. في ثورة يوليو 52 التي هي أم الثورات العربية في العصر الحديث سقط قتلي لا يزيدون علي عدد أصابع اليد الواحدة.أما هذه الثورة فتجاوز عدد شهدائها الألف .. إنها أغلى الثورات في حياتنا. لم أستطع أن ألتقي عددا من الأصدقاء الذين تمنيت أن أراهم وأجالسهم (لم يكن ثمة موضع لقدم، ولصعوبة التحرك في هذا الحشد الذي لم أره في حياتي. ولم أكن أسمع صوتي في هذا الهدير الموقع علي خرائط الهتاف.وكانت حركة الحشد أشبه بحركة موجات عاتية .. موجات متلاحقة ولا أحد يسأل نفسه : الى أين هم ذاهبون؟ إنهم كانوا يطوفون أرجاء الميدان لتحل فيه البركة كما يقولون .في أيام الثورة الأولي، وفي مثل هذا الحشد المتلاحق رأيت امرأة تدفع أمامها عربة طفل بصعوبة. استوقفني المشهد واقتربت منها وسألتها : ـ لماذا أيتها السيدة تأتين بطفلك في هذا الزحام ؟ أجابت بكل اطمئنان : أنا قادمة من ساعتين من أسوان لأشهد ما تشهدون. ثم أشارت بيدها نحو عربة الطفل وقالت: جئت من أجل مستقبل هذا الطفل.نحن نكتب كثيرا شعرا ونثرا وفي كل الفضائيات، وينبحُّ صوتنا على مرمى أسماع الكون، لكن هذه السيدة الأسوانية اختصرت في جملة واحدة مسيرة هذا الوطن العزيز علينا جميعا. لم تشكو من غلاء معيشة ولا من وضع حد للأجور والمرتبات ولا من علاوات يمن علينا بها الحاكم الموقر.قلت أحدث نفسي : لو ألتقيها الآن لسألتها : ماذا فعلت الثورة فيك وفينا؟ في الثاني من فبراير وأثناء موقعة الجمل والمعركة على أشدها بين كر وفر، رأيت أحد العسكريين ‘برتبة رائد’ يقف ساكناعلى جانب من الميدان سألته: ـ لماذا لا تردعون المهاجمين من راكبي الخيول ؟ قال بالحرف الواحد : ليست لدينا أوامر بذلك. وتذكرت أنه في حرب عام 1948 حين قيل لقادة الجيش العراقي الذي كان في الجبهة الشرقية : لماذا لا تبادرون بالهجوم من جانبكم على العصابات الصهيونية ؟ قالوا : ماكوا أوامر .. وصارت مثلا. عند الساعة العاشرة مساء كان علي أن أغادر الميدان لموعد مع الطبيب على أن أعود ثانية إليه لأكمل ما بدأت. ‘ كاتب مصري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية