عائد نبعة يوقّع ‘أغنية للبرد والرمال’ في عمان: استعاد ة أدب المقاومة!

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: تماما كما يحدث في الأفلام، يجلس ‘البطل’ وسط الجمهور ليتابع ما ‘يحكى عنه’، وهذا ما حدث بالضبط في حفل توقيع الرواية الأولى لمؤلفها السينمائي والكاتب عائد نبعة ‘أغنية للبرد والرمال’. إذ لو لم يعلن في نهاية الأمسية عن وجود بطل روايته المهندس عبد القادر مصطفى نبعة، في قاعة ‘المركز الثقافي العربي’ في جبل اللويبدة في العاصمة الأردنية بين الجمهور لما عرف ذلك أحد من الجمهور الذي ذهبت عيونه باتجاه ‘الأبيض صاحب الشعر الأبيض’ بوقاره الذي ظل مستمعا منصتا طيلة الأمسية التي حضرها برفقة شريكة دربه، والتي قدمها الشاعر غازي الذيبة، والقاص هشام بستاني عبر شهادتين ناقشتا أجواء الرواية وجدتها، بحضور ناشرها الياس فركوح صاحب ‘دار أزمنة للنشر’. غازي الذيبة: حكاء يحتشد بالعصافيرويذهب الناقد الشاعر غازي الذيبة للقول: ‘هنا أدب مقاومة، لكنه من نوع آخر، مقاومة للغياب الذي ران على سيرة الفلسطيني، فثمة يد على القلب من أن يغيب أولئك الذين حملوا فلسطين تحت جلودهم وفوقها جرحاً عميقاً، نازفاً، وطرياً، يد تشبه الخوف من أن يذهب الألق الشجاع والنبيل والمر في عيونهم، بعيداً عن السطوع فينا’، مبينا أن الرواية ‘تجترح من سيرة، نصاً يؤلف بين الواقع، فيلضمه في لحظة استثنائية، عملاً أدبياً باذخاً بالسفر وفلسطين والخروب، ويحمل بين حناياه، تلك الاستعادة لأدب، كان سماه غسان كنفاني ذات نكسة ‘أدب المقاومة’. ويصف الذيبة أسلوب نبعة في الكتابة بقوله: ‘يكتب عائد، كما لو أنه يصور. لم يترك الكاميرا من يده أثناء الكتابة، بقي يصور، والرواية تكتب، لا ظلال زائدة، ولا صور فائضة عن الحاجة، ولا نزف لدم غير ضروي. يكتب من سيرة عبد القادر نبعة، لا ليقدم سيرة ذاتية لرجل، هو صندوق حكايات، ككل رجال فلسطين المعبئين برائحة البلاد، قمحاً، وبواريد، وثواراً، ودموعاً حارقة، بل ليروي، ليزرع سنديانة في نص حي، لا يزال بطله يتنفس فلسطين، حي تماماً كفلسطينه’. مبينا أن ‘النص في الرواية يحتفظ بكامل بهائه السينمائي، ينداح في مناطق نعرفها، لكننا لم نكن نتصور أنها قد تكون بهذا الجمال حين يكتبها عائد نبعة بنن عينه’. ويرى الذيبة أن نبعة ‘حكاء جوال، جرابه يحتشد بالعصافير والأرانب والأشجار، وقصص لا تتوقف حتى عندما يضع النقطة في نهايتها، تبقى مستمرة، تأخذه مهمته إلى عدم التوقف في منطقة سردية بعينها، فهو إلى السرد والقص والحكمة والشعر، يحتدم في كل هذا، فيخرج بنص لا يشبه سواه، فهو مسافر لا يتوقف عن الاكتشاف، فهو كان يعتقد انه سأقرأ نصا روائيا فحسب، وإذا به يخرج من قاعة السينما مصابا بالحنين والحب والأمل’. هشام البستاني: شبح من لحم ودم وله اسموجاء في شهادة القاص هشام البستاني المعنونة ‘برد مقيم، ورمال تصّم الآذان’: ‘بعيداً عن الرتوش التجميلية والبطوليات المستهلكة لقضية تناهشها الاستسلاميون والانتهازيون والكذابون على حد سواء، هي القضية الفلسطينية، يسطر نبعة أغنيةً، روايةً للبرد تارة: برد الاغتراب المرّ الخارجي والداخلي، برد المهجر والوطن على حد سواء؛ وللرمال تارة أخرى، رمال الصحراء القاحلة التي تقضي على اخضرار النفس، الرمال المتحركة الضاغطة للحياة التي تسحب الإنسان رويداً رويداً إلى أعماقها، بعيداً عن تحققه الكامل، وهروباً من مواجهتها الصعبة، هذه هي رواية البطل المضاد بلا منازع. فبعيداً عن الرتوش التجميلية والبطولات المستهلكة لقضيّة تناهشها الاستسلاميون والانتهازيون والكذابون على حد سواء، هي القضية الفلسطينية. ويرى البستاني أنه من خلال النص التي حشرنا عائد فيه بين السيرة والرواية ‘إننا نفهم من هذه السيرة كيف ولماذا بدون ادعاءات، وبدون بطولات فارغة، نفهم حتى نتعلم كيف نسير إلى الأمام إن كان ثمة إمام. نلتقي بشبح آخر في السهول الفاصلة بين دير استيا والزاوية، شبح من لحم ودم وله اسم: صالح إعمر الخليل، يتعكز على بندقيته التي صارت عصاه بعد الهزيمة، واضطر إلى إخفاء تلك العصا في كومة من التبن حتى لا يشم رائحتها الصهاينة’. ويذهب البستاني للقول: ‘الشجاعة الأسطورية لبطل الرواية لا تكمن فيما فعل، رغم أهمية ما فعل: لا تكمن في تشبثه بوجوده الذاتي كتعبير عن وجود جمعيّ أكبر هو القرية/ الزاوية، البلد المحتل/ فلسطين، القضية/ العربية، والاضطهاد/ الإنساني، ولا تكمن في صعوده من طفل قرويّ أبعد مسافة وصلها كانت تلك التي يقدر عليها بغل في مسيرة يوم، إلى مهندس مشهود له بالكفاءة في رصيده أبحاث ومقالات وكتب ومناصب… وفي بوحه اللامكترث والصادم عن واقع الحال: (ماكو أوامر) سمعها أول الأمر من عبدالكريم قاسم المنسحب بجيوشه من فلسطين التي سُلّمت قطعة قطعة إلى الصهاينة، لتتتالى هذه الـ(ماكو أوامر)، وتتحول إلى نمط حياةٍ في سلسلة انهياريةٍ تظل مستمرة على شكل (انسحابات تكتيكية): الاستقالة من حركة القوميين العرب، المشي بحذر إلى جانب الحائط، صعود الجيب الإسرائيلي إلى الحدود، والاختفاء والتلاشي الكامل في عاصفة الرمال… ذلك أن الشجاعة الأسطورية لبطل الرواية تكمن في ما لم يفعله، وفي بوحه اللامكترث والصادم عن واقع الحال’. واختتم البستاني بالقول: ‘هذه هي الرياح البرتقالية التي تكتم الأنفاس، الرياح التي تبتلع عبدالقادر أبو نبعة في خروجه من فيلته العبدونية الفارهة، راكضاً خلف ثوار الجبل وغزال حائل الشرس والعمال المضربين، ووالده مصطفى القدّورة، يتراؤون له في الأفق أشباحاً من لحم ودم، أشباحٌ أَمسَكهُم في طفولته وما عادوا، وما عاد لهم أشباه أو أحفاد. ولهذا يقرر عبدالقادر أن يلتحم بالعاصفة ويذوب في الكثبان الممتدّة البليدة الميّتة، لكنه لا يفعل ذلك بدون صرخة أخيرة’. عائد نبعة: جهد ثلاث سنواتعائد نبعة قرأ نصوصاً منتقاة من الرواية، كشفت أنه يكتب كما يصور، ولعل هذا ما اختزل الرواية في مشاهد/ فصول مكثفة، رغم أنها تحتمل التفصيل، تاركا للقارئ المشاركة في رسم بقية الصورة/ الحدث، مبينا انجاز الرواية استغرق جهد ثلاث سنوات، ولعلها من الروايات النادرة التي يكون بطلها حيا يرزق ومعروف، بل ويحضر حفل ‘راويته/ سيرته’. ويذكر أن ‘اغنية للبرد وارمال’ هي العمل الروائي الأول للكاتب الذي أخرجَ عدداً من الأفلام التسجيلية والوثائقية منها: فيلم ‘المكان ليس هنا’، وفيلم ‘يوم ماطر’. عن ‘أغنية للبرد والرمال’ويذكر أن رواية ‘أغنية للبرد والرمال’ للمخرج والكاتب عائد نبعة الصادرة حديثاً عن دار أزمنة في العاصمة الأردنية عمّان، تقع في 150 صفحة من القطع المتوسط، غلافها الأمامي للفنان الفرنسي جين يفز بيزين، قدم لها الشاعر الفلسطيني زكريا محمد متحدثاً عن تجربة الكاتب: ‘ تعرض الرواية لعام ما بعد نكبة 1948 مباشرة. بل تطلع من الكفاح الضاري لأناس هذ العالم، الذين حطمتهم هذه النكبة، كي يتوازنوا، وكي يستمروا. أما رحلة بطلها إلى الغرب، إلى أمريكا، فلم تكن في الأساس رحلة استكشاف، أو رحلة عراك بين شرق وغرب، بل رحلة للحفاظ على الوجود في اللحظة القاتلة لما بعد النكبة. أي أن البطل يرحل كي يبقى، وكي يبقى عالمه ولا يندثر’تجري أحداث الرواية ما بين عامي 1936 و2011 وتتكئ في غالبيتها على شخوص حقيقية، وتتخذ من فلسطين والأردن والولايات المتحدة وقطر أمكنة لأحداثها.

وكان عمر بطل الرواية عبدالقادر مصطفى أبو نبعة، عندما وقعت نكبة فلسطين في العام 1948، ستة عشر عاما، وكان يتسلل ببطء، ويدنو من نافدة عمه ‘يوسف أبو نبعة’ ليسترق السمع إلى الراديو الوحيد في القرية، ويرخي أذنه إلى أحاديث الرجال عن الحرب والاحتلال الإنجليزي والثورة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية