غزة- محمد أبو دون:
يستجمع الشاب فتحي أيمن عبد العال، قواه، ليحاول قدر الإمكان الظهور بثبات أمام المواطنين الواصلين إلى منزل عائلته شرق مدينة غزّة؛ ليقدموا واجب العزاء باستشهاد إخوانه الثلاثة “أحمد وإبراهيم وإسماعيل”.
بين الحين والآخر، يسترق وقتاً قليلاً يقف خلاله على جنبٍ يتأمل الصور المُعلقة يميناً وشمالاً.
يسرح به الخيال لأيام طويلة وذكريات، لا يدري كيف سيطفئ نار الشوق لها مستقبلاً.
لحظاتٌ تمضي يمسح فيها دموع عينه، ويتمم “ستشتاق لهم كلّ الأماكن هنا”.
يبلغ الشهيد “إبراهيم” من العمر، 17 عاما، وإسماعيل 16 عاما، فيما كان عُمْر أحمد، 23 عاما، بحسب بيانات وزارة الصحة.
يسرد الشقيق “فتحي”، ما جرى: “الصباح كان عادياً، وخرجنا جميعاً كالعادة لأداء صلاة الفجر في المسجد برفقة والدي وباقي أخوتي، وحين عدنا اتجهت لنحو منزلي، فلحق بي أحمد وطلب مني البقاء بجانب والدي في هذا اليوم”.
يضيف عبد العال: “شعرت أنّ هناك أمر ما… فعلتُ ما أراد ومضى هو”.
مع بزوغ فجر يوم الأربعاء كان الأخوة الثلاثة قد خرجوا إلى الشارع برفقة عدد من أصدقائهم في منطقة سكناهم؛ ويشير إلى أن سبب خروجهم كان عادياً ومطمئناً نوعاً ما، كون حيّهم لم يتعرض للقصف الإسرائيلي خلال فترة التصعيد.
وما هي إلا ساعات، حتى وصل العائلة، نبأ استشهادهم جميعا في غارة إسرائيلية.
وبحسب العائلة، كان الأخوة الثلاثة، يتجولون في محيط حيهم، الواقع شرق مدينة غزّة صباح الأربعاء، حينما استهدفتهم طائرة عسكرية إسرائيلية.
نبأ الشهادة
فكرة فقدان ثلاثة أشخاص من بيت واحد في ذات الوقت مرعبة جداً، وصعبٌ على العقل استيعابها، يقول عبد العال، مستكملا: “لا أدري كيف منحنا الله القوة وقت استقبال خبر الاستشهاد”.
وحول كيفية تلقى خبر الاستشهاد، يروي الشاب أنّه كان صباحاً يتجهّز لتناول طعام الإفطار، حين جاء هاتفه اتصال، تأنى كثيراً قبل الإجابة عليه. أخيراً ردّ بـ”صباح الخير”، ليتلقى على الفور حديث الطرف الآخر: “فتحي، إخوانك مصابين في المستشفى وحالتهم حرجة”.
لم يدرِ عبد العال، كيف انتفض من مكانه وذهب مسرعاً باتجاه بيت والده، ليجد أن الخبر قد وصل هناك أيضاً، يكمل: “اتجهت فوراً برفقة والدي نحو المستشفى، وطوال الطريق كنت أهيئهم لموقف الاستشهاد؛ لأنّ شيئاً ما بداخلي، كان يؤكّد ذلك”.
ويشرح أنّهم اتجهوا فور وصولهم لقسم الاستقبال بمستشفى الشفاء، فلم يجدوا أحداً منهم، فراح يبحث ناحية ثلاجات الموتى، فوجد إبراهيم وإسماعيل داخل إحداها، فيما أخبره الأطباء أن أحمد في العناية المكثفة، لافتاً إلى أنّهم جهّزوا الاثنين للدفن وانطلقوا بهم صوب البيت لإلقاء نظرة الوداع.
“أثناء الصلاة على الشهدين في مسجد الرحمن الواقع شرق مدينة غزّة، تلقيت اتصالاً أُبلغت فيه باستشهاد أحمد، فأخرّت صلاة الجنازة، وانتظرنا الجثمان حتّى وصل وصلينا عليهم جميعاً، وشيعناهم لمقبرة (حي) الشعف”، يردف فتحي.
ويوضح أنهم عادوا للبيت وكلّ شيء كان مختلفاً، والحزن متناثر في أرجاء الحي، الذي عزّ على جميع سكانه فقدان ثلاثةٍ من أبنائه الذين لطالما كانوا جزءاً من تفاصيل فرحه وحزنه على مدار أيامٍ طويلة.
تفاصيل حياة
يتذكر، والدموع في عينيه: “كان أحمد (23 عاماً) من أكثر الشباب حيوية ونشاطا في عائلته ومحيطه، وعلى الدوام لم يترك مناسبةً اجتماعية إلا وشارك فيها”.
ويضيف:” قبل عام ارتبط بفتاةٍ وخطبها وحاول كثيراً لإتمام أمر الزواج منذ أيام طويلة، لكنّ الظروف الاقتصادية حالت دون ذلك”.
وعن إبراهيم الذي يبلغ من العمر 17 عاماً، يسرد بغصةٍ بدت واضحة في كلامه المتقطع، أنّه اتسم طوال بالهدوء والتواضع بكلّ تفاصيل حياته، وكان حريصاً على تعلّم الأحكام والتعاليم الدينية الإسلامية، على الرغم من أنّ الظروف لم تسمح له بإكمال دراسة المرحلة الثانوية.
ويستطرد في كلامه متحدثاً عن أخيه الطفل إسماعيل الذي لا يتجاوز عمره الـ(16 عاماً) “كان محبوباً جداً، ومؤثراً في محيطه، لا أبالغ لو قلت أنّه كان العنصر الأهم في العائلة وهو المُجمع لها والأقرب لأخواته الفتيات”.
وعلى الرغم من كونه لا زال يدرس في الصف الأول الثانوي، إلا أنّه كان يتمتع بكاريزما قيادة عالية، مكنته من التميّز بين أبناء جيله، وبصورةٍ عامّة بين أهل حيّه، الذي كان حريصاً على مشاركتهم كلّ أوقاتهم السعيدة والحزينة، يقول فتحي.
فراغٌ كبير
على مقربةٍ كان يجلس صهيب عبد العال (10 أعوام) وهو الأخ الأصغر للشهداء الثلاثة، باكيا في صمت، كلّ ما مرّ بمخيلته صورة لأحد إخوانه.
يتحدث بنبرته الطفولية: “أحمد كان حنوناً جداً، ولم يترك وقتاً إلّا وأسعدني فيه، ليس أنا فقط بل باقي صغار البيت معي”، لافتاً إلى أنّ آخر موقف جمعه معه كان في مساء الثلاثاء، حين صحبه إلى إحدى البقالات الواقعة في حيّهم، واشترى له بعض الحاجيات”.
ولا يختلف حال فقد أحمد عن إبراهيم بالنسبة للطفل، الذي نوه إلى أنّ الأخير كان يلاطفه على الدوام ويحثه على الإبداع في دراسته ليتمكن في المستقبل من إتمام مراحلها، “لأنّه كان يريد أن يرى فيه حلمه الذي حرمت نفسه منه لأسبابٍ خاصّة”.
وفي رده على سؤال حول تأثير غياب إسماعيل عن البيت، لم يتمالك الطفل نفسه، وبيّن بعد أن صمت برهةً مسح فيها دمعه، أن الحياة بدونه ستختلف كثيراً، “فهو روح البيت ومحور النشاط فيها، كلّ أيامي فيها ذكرى برفقته”.
شريك كلّ شيء
في إحدى زوايا بيت العزاء، الذي أقيم في بيت والد الشهداء في منطقةِ “السنافور” شرق مدينة غزة، كان لافتاً جلوس الطفل محمد بنات، يبدو وأنّه مثقل بالهموم، يتمتم بكلماتٍ كان يدعو خلالها لرفيق دربه بالرحمة والمغفرة.
يتحدث “إسماعيل، صديق اللعب والطفولة وكلّ شيء، لا يمكن نسيانه في أيٍّ من تفاصيل الحياة”، متابعاً: “بالأمس كان يخبرني عن أحلامه وطموحاته بالمستقبل، وكنا ننسج سوياً خيوط مشاريع العمر المرتقبة، وقلت له إنّنا سنفعل ما نريد خارج غزة حين نسافر”.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، فقد استشهد حتّى مساء يوم الأربعاء 34 شخصا، وأصيب 100 آخرون، جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة.
وأعلنت حركة الجهاد الإسلامي، صباح الخميس، توصلها لوقف إطلاق نار مع إسرائيل، أنهى جولة من التصعيد، بدأت فجر الثلاثاء، باغتيال الأخيرة بهاء أبو العطا، القيادي بسرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد.
(الأناضول)