عائلة مقدسية “تغرق في الانتظار” بعد انتهاء مهلة الاحتلال لإخلاء منزلها المطل على “قبة الصخرة”

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

القدس/ “القدس العربي”:

تجلس الستينية المقدسية نورا صب لبن (68 عاما) صاحبة منزل في عقبة الخالدية في القدس القديمة على نافذة منزلها المطلة على قبة الصخرة المشرفة، تستجمع قواها أمام مرور الدقائق الأولى على الموعد المضروب احتلاليا من أجل اخلاء منزلها وطردها في الشارع هي وزوجها السبعيني مصطفى صب لبن.

وتمر الدقائق ثقيلة على عائلة صب لبن بعد انتهاء الموعد الذي حدده الاحتلال لقرار إخلائها من منزلها وهو صبيحة اليوم الأحد لصالح المستوطنين.

تقول صب لبن: “شعوري وإحساسي لا يوصف.. حرقة الدم.. وحرقة الروح.. ألم ووجع، هذا بيتنا كبرنا فيه وتزوجنا فيه.. وعشنا كل حياتنا فيه”.

وتتابع بهدوء: “نقطة إضافية في هذا البيت فمنه نمتلك طلة (نظرة) على الجنة (أي قبة الصخرة)”.

وتصف القضاء الإسرائيلي بأنه “مسيس”، حيث تقول: “القضاة أكثر من المستوطنين عداوة لنا”.

وتقول: “أنا مش ساكته، وعاملين ضجة إعلامية كبيرة.. بس في حال اخذوا بيتي أرجو أن يكون منزلي حماية للمنازل المهددة في البلدة القديمة، أتمنى أن يكون رسالة لباقي المقدسيين كي لا نسكت على حقنا وعلى الاخلاء الظالم”.

وتستعرض رحلتها بأنها عاشت ثلاث تجارب من التهجير، الأول عام 1948، والثاني تهجير عام 1967، والثالث التهجير القصري الماثل أمامها.

ومن داخل بيتها البسيط الذي حضر إليه أطفال ونشطاء صباح اليوم من أجل التضامن معها تقول: “أريد من العالم العربي والغربي أن يسمع صوتي، كفا احتلالا، كفا ظلما، كفا هذا الشعب ظلما، وأتمنى أن يقف العالم معنا”.

وتتابع: “جيلنا خلص عمره ونحن تحت الاحتلال، وكل ما أتمناه أن يعيش أحفادي في حرية، يتنفسوا حرية ويتنفسوا وطنهم، ويعيشوا مثل باقي اطفال العالم بحيث يحسوا بالأمن والأمان”.

وتتمنى صب لبن: “من العالم أن يشوفنا (يرى المقدسيين)، ويدرك كم نعاني من الاحتلال الإسرائيلي”.

وتوجه رسالتها للمقدسيين مطالبة إياهم بالصمود وعدم الاستجابة لأي قرار إخلاء إسرائيلي. تقول: “رسالتي الصمود ومقارعة الاحتلال… أنا لي 47 سنة على هذا الحال، قد ما تقدروا أخروا الاخلاء في كل مكان بالقدس، علينا البقاء”.

وتختم: “اليوم بيتي وبكرا بيوت ثانية، إذا طلعت منه اتمنى أن يخلق وقفة تقف في وجه سياسة الاخلاء في القدس القديمة”.

ورغم الضجة التي يحدثها متضامنون ومناصرون إلا أنها تبدو وكأنها تغرق في عتمة من الانتظار القاتل، فلا تدرك على وجه الدقة متى تحضر شرطة الاحتلال في القدس لطردها من المنزل الذي تعيش فيه منذ عام 1954.

وشارك عدد من النشطاء صباح اليوم في وقفة أمام منزل عائلة صب لبن في البلدة القديمة، ورددوا هتافات رافضة لوجود المستوطنين في أحياء القدس.

ويقع المنزل في عقبة الخالدية بالبلدة القديمة، ويقطنه الزوجان نورا ومصطفى صب لبن منذ 50 عاما، وخاضا منذ سنوات معركة قضائية للحفاظ عليه، لكنها تسلمت مؤخرا في مايو/أيار الماضي قرارا نهائيا بالإخلاء.

يذكر أن موقع المنزل حساس وقريب جداً من المسجد الأقصى، وكانت عائلة صب لبن المقدسية استأجرته من الحكومة الأردنية قبل احتلال القدس عام 1953، بينما تدعي جمعية إلعاد الاستيطانية أن المنزل يملكه يهود قبل عام 1948.

وبحسب إحصاءات مقدسية فإن 150 عائلة مقدسية (ألف فرد) يترقبون ذات المصير، في البلدة القديمة والشيخ جراح وسلوان، بعد أن تسلمت العائلات قرارات بالإخلاء لصالح المستوطنين، قد تُنفذ في أي لحظة.

وحسب هيئات مقدسية فإن بين 5 إلى 10% من أراضي القدس سجلت في السجل العقاري (الطابو) قبل عام 1967 الذي توقفت عمليات التسجيل بعده.

وأدى هذا التوقف إلى تفتت الملكيات وتشتت أصحاب الأراضي والعقارات بين القدس وخارجها، مما يصعب على المقدسيين توفير إثباتات سليمة من وجهة نظر الاحتلال، الذي استغل هذه الثغرة وأعلن خلال خطته الخمسية التي أطلقها عام 2018 عن رصد ما قيمته 15 ونصف مليون دولار للانطلاق بمشروع تسجيل وتسوية الأراضي.

وفي حال فشل المقدسيون في إثبات ملكياتهم للأراضي، ستكون ممتلكاتهم فريسة سهلة لدوائر الاحتلال الحكومية وللجمعيات الاستيطانية.

ونظم نشطاء من اليهود والاجانب وقفة أمام منزل العائلة، رفضا لقرار الإخلاء فيما قمعت وقفات نظمها نشطاء من قوات شرطة الاحتلال يوم الخميس الماضي.

ويقع منزل عائلة غيث/صب لبن على بعد عدة أمتار من المسجد الأقصى، وهو مستأجر من المملكة الأردنية الهاشمية منذ عام 1953.

ويفترض أن يخضع المبنى المستأجر من المملكة الأردنية الهاشمية للإجارة المحمية، أما في عام 2010 فقد ادعت “جمعية جاليتسيا الاستيطانية” أن منزل العائلة هو وقف يهودي، وعليه قررت محاكم الاحتلال إنهاء الإجارة المحمية للعائلة وإخلاءها من المنزل، وسبق ذلك جلسات عديدة وقرارات مختلفة بدأت في ثمانينات القرن الماضي، في محاولة لانتزاع ملكية المنزل.

وفي سابقة حدثت مع العائلة عام 2016 أصدرت ما تسمى المحكمة العليا قرارا يقضي بمنع تواجد الأبناء والأحفاد فيه “بهدف منعهم من المطالبة بحق الحماية كجيل ثالث”، مع بقاء الزوجين فيه لمدة 10 سنوات “لعام 2026″، لكنهم فوجئوا عام 2018 بملاحقة وقضية إخلاء جديدة انتهت بقرار إخلاء نهائي، وتحديد دائرة الإجراء الموعد لذلك.

وتعيش عائلة صب لبن في بناية ضخمة، تم الاستيلاء عليها خلال السنوات الماضية “بيت تلو الآخر”، حتى باتت العائلة وحيدة داخل بؤرة استيطانية، تتحمل المضايقات والاستفزازات اليومية في سبيل الحفاظ على حقها فيه.

وفي ذات السياق قالت منسقة الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة لين هاستينغز، إن المئات من الفلسطينيين في القدس المحتلة معرضون لخطر الإخلاء القسري.

وفي تغريدة لها على صفحتها الرسمية في “تويتر”، قالت المنسقة الأممية، “قد يتم إخلاء مسنين من عائلة صب لبن من بيتهما الذي عاشا فيه منذ عام 1954 في البلدة القديمة من مدينة القدس”.

وأضافت: “المئات من الفلسطينيين معرضون لخطر الإخلاء القسري في القدس الشرقية. هذه الممارسة المدمرة – التي تتعارض مع القانون الدولي – يجب أن تنتهي”.

وجدد الاتحاد الأوروبي في وقت سابق التأكيد على “معارضته لسياسة الاستيطان الإسرائيلية، والإجراءات المتخذة في هذا السياق، بما في ذلك عمليات الإخلاء” القسري.

يذكر أنه تم رفع قضية ضد عائلة صب لبن في محاولة لإخلائها قسريا من بيتها عام 1978، ودخلت العائلة في دوامة المحاكم والقضايا مع الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، وخاضت سبع معارك قضائية ومنها عام 2000 حيث كسبت العائلة القضية وبقيت في البيت.

وفي عام 2010، حوّلت سلطات الاحتلال العقار لجمعية “عطيرت كوهنيم” الاستيطانية، التي بدأت برفع القضايا ضد العائلة في محاولة لترحيلهم قسريا. وفي عام 2016، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارا يقضي بمنع تواجد الأبناء والأحفاد في البيت بهدف منعهم من المطالبة بحق الحماية كجيل ثالث، مع بقاء الزوجين فيه.

وفي العام 1984 بالتزامن مع رصف شوارع القدس، بدأت الحجارة بالتساقط من المنازل في الحي؛ بسبب قدمها، ما تسبب بحدوث شقوق في منزلها، وعندما رأت بلدية الاحتلال الحجارة المطروحة على الأرض، أرسلت لها مكتوبًا يفيد بأن المنزل يشكل خطرًا وعليها ترميمه”.

وتابعت بالقول: “حينما بدأت بترميم المنزل، داهمت قوات الاحتلال المنزل وأخبرتها بأنها ممنوعة من الترميم والإصلاح وعليها مغادرة المنزل”.

وبعد مدة، قام المستوطنون في الحي بهدم الدرج الواصل للمنزل، وفي العام 1998 أصدرت محكمة الاحتلال قرارًا يفيد بإبقاء العائلة في المنزل شرط تصليح كل ما هدمه المستوطنون في المنزل، من درج وأبواب وغيره.

وفي العام 2000 حاول المستوطنون إخلاء المنزل بالقوة، إلا أن هذا الموقف لم يضعف أصحاب المنزل بل ازدادوا قوة، فقاومت العائلة ورفضت الخروج من المنزل، رغم الاعتداء الهمجي المستمر عليهم يوميًا من قبل المستوطنين.

وفي العام 2010 وصلت رسالة من بلدية الاحتلال، لأصحاب المنزل تفيد في فحواها، بأن ملكية المنزل تعود لجمعية إلعاد الاستيطانية، وبعد 6 أعوام من الصمود رغم الاعتداءات اليومية، وافقت محكمة الاحتلال على بقاء العائلة في المنزل مدة محددة تقدر بـ10 أعوام، شرط أن تسكنه صاحبة المنزل وزوجها فقط، أما أبناؤهم الثلاثة: أحمد، ولمى، ورأفت فعليهم الخروج من المنزل، والبحث عن سكن بديل، كقرار نهائي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية