عادل السيوي بعد غياب يعود مع نجوم عمره بمعرض جديد: هجرت دائرة الوجوه التي تقع خارج ذاكرة الجماعة!
محمود قرنيعادل السيوي بعد غياب يعود مع نجوم عمره بمعرض جديد: هجرت دائرة الوجوه التي تقع خارج ذاكرة الجماعة!القاهرة ـ القدس العربي أقام الفنان التشكيلي عادل السيوي وحشد من المثقفين والفنانين معرضه الجديد، وذلك بقاعتي مشربية وغاليري كريم فرانسيس بشارع شامبليون وسط القاهرة وضاحية الزمالك القريبة.ويبدو ان ضيق المكان جاء سببا مباشرا في تقسيم المعرض علي هذا النحو، حيث يعرض السيوي ما يقرب من السبعين عملا كلها من فن البورتريه لوجوه عشقناها وألفناها، معظمها لفنانين نعرفهم وشعراء وموسيقيين تربينا علي فنونهم الرفيعة، لذلك جاء المعرض تحت عنوان نجوم عمري .ويبدو معرض عادل السيوي من هذه الناحية جديداً بكل المقاييس، فد غادر لاول مرة الوجوه الشهيرة لديه والتي كانت تميل الي التجريد السيمائي وتعتمد علي وجوه مجهولة لاشخاص نري انفسنا الضائعة والمجهولة فيهم، بينما يخطو بوجوهه الجديدة الي منطقة اكثر حميمية وتجسيما حيث يحتفظ لها بمعظم ملامحها في الواقع ويضفي عليها من روحه انطباعات نلمسها لاول مرة ونلمس مدي علاقتها الوثيقة بالشخصية.وهذه الانتقالة الواعية للسيوي تعكس مسيرة من البناء والنضج الفنيين اللذين لم يتوفرا لكثيرين من جيله، فالسيوي يجيد عددا من اللغات بالاضافة الي العربية التي يكتب بها، وقد ترجم عددا كبيرا من الكتب المهمة لا سيما في نظرية التشكيل والتصوير لبولكي وليوناردو دافنشي، وهو الان يجهز لاصدار ترجمته للشاعر السكندري الايطالي جوزيبي او نجاريتي وهي الاعمال التي ستصدر كاملة عن دار ميريت بدعم المعهد الثقافي الايطالي، كذلك تبدو علاقة عادل السيوي الاكثر وثوقا واقترابا من الثقافة بمفهومها العام، لذلك يظل في مقدمة القراء المهمين لكل الاجناس الادبية، وهو امر نادر بين التشكيليين، كذلك يشارك في النشاط الثقافي العام، وهو احد اهم المؤسسين لحركة ادباء وفنانون من اجل التغيير .وفي معرض السيوي الجديد تتضافر منظومة من القيم الانسانية والفنية علي السواء. فهو بالمعني الانساني يستعيد حالة من الحنين الي لحظة مبكرة كان المجتمع المصري فيها يؤصل مشروعه التحديثي الطليعي علي كل المستويات، وكان الفن بأنواعه ينهض بدور جوهري في هذا السياق، وعلي المستوي الجمالي لم يقع السيوي في ابتذال معني البورتريه عبر القيام بمحاكاته علي النحو الذي يؤكد معني النقل، بل قدم البورتريه لاشهر واحب الشخصيات المصرية عبر خبرة عريضه بفن البورتريه الذي اعتمد عليه معظم مشروعه التشكيلي لكنه انتقل به هذه المرة الي منطقة اكثر وضوحا واكثر مباشرة، لانه تعامل مع الوجوه التي نعرفها، لكنه لم يقدمها ـ بالضبط ـ كما نعرفها، فقدم صلاح جاهين، ليلي مراد، اسمهان، اسماعيل ياسين، عبد الناصر، السادات، الشيخ امام عيسي، احمد فؤاد نجم، عبد الفتاح القصري، استيفان روستي، كما قدم اكثر من عشر لوحات للفنانة سعاد حسني.يقول عادل السيوي: لا يزال الوجه مثيرا كبيرا بالنسبة لي، ولا اكف عن تأمله، واتعجب من تجمع الحواس كلها في تلك الكتلة الصغيرة، تدهشني رحلته عبر النظرات ذهابا وعودة. وكأنه السطح والعمق معا في آن.الوجه يهل او يطل كما نقول: اطلالته هي حركة الروح وهي تجتاز الملامح، طاقة تشحن التقاطيع بما هو اكبر من الابعاد والنسب. ويردف السيوي: علمتنا الكتب ان الحقيقة تسعي دائما للظهور، هدفها هو التبدي، واعتقد ان هنا تكمن عظمة السطح ومجده. الوجه بالنسبة لي هو الجسد، هو الكائن بأكمله وقد تحول الي ومضة من طاقة حية تأتي نحونا.ويضيف السيوي: وجه النجم هو ذلك الوجه الموهوب للاخرين علي اتساعهم. وجه منذور للمشاهدة، مفتوح للذاكرة العامة، وهناك حضور خاص في ذاكرتي لوجه النجم، ربما لانه حضور ارادي، التصق به رغم ابتعاده، لايمكن ان اضع يدي علي كتفه واسير بجانبه في الشوارع واجالسه علي المقاهي، ولكنني اراه واسمعه. يطربني يضحكني ويبكيني احيانا. طاقة حياة لا تكتفي بالانهماك في المسارات، وانما تنفصل عنها ونتأملها وتجسد لي اختياراتها بخيال عبر مشاعر وملامح خاصة، توقظ مناطق داخلي لا ادركها واعيش من خلالهم تجربة حياة اوسع مني، تواطؤ جري ما بيننا، لقد كانوا اكبر واجمل برنامج دعاية للحياة، لون لي سنين عمري.ويقول عادل السيوي عن رحلته التشكيلية: لا علم لي بالآليات التي تدفعني لاختيار مادة بصرية ما للعمل عليها، تركت في بداية التسعينيات محور انشغالي القديم وهو المدينة والامكنة، وانتقلت الي الوجه الانساني بعد ان توزعت في تفاصيل كثيرة كنت مولعا بها من قبل، وربما وددت وقتها لو افلت من الثرثرة ومن كثرة العلامات التي اقدمها. فاخترت العمل علي موضوع واحد فقط وهو وجه الانسان. كان هذا في مطلع التسعينات، والان يبدو ان هاجسا ما يدفعني كي اهجر دائرة الوجوه التي الفت صياغتها والتي تقع خارج ذاكرة الجماعة، واتوقف عند وجوه بعينها. وجوه اشخاص لهم حضورهم المؤكد والفريد، هم وليس غيرهم، ويردف السيوي قائلا: يبدو ان لهذا علاقة ما بالعمر، نعم ادرك الان بعد ان قطعت الخمسين، ان الذاكرة تنمو بداخلي علي حساب كل شيء، واستقبل اليوم التفاصيل محاطة بركام من روائح ومشاهد واصوات اخري. الوجه الذي اراه يستدعي وجوها كثيرة، ربما تثاقل الجسد هو الذي ايقظ الروح واشعل ذكريات العمر لتربط التفاصيل، وتحاول خلق وحدة ونسيج متواصل ولو مصطنع مما حدث وربما دفعتني هذه الذاكرة الطاغية الي البحث عن وجوه احملها بداخلي وانقلها معي اينما ذهبت.ويقول الناقد محسن ويفي رفيق طفولة عادل السيوي ان المعرض يستدعي لنا نجوم عمرنا ولكنه خلصهم في تجربة التشكيل من دلالاتهم كأيقونات معتمدة في الذاكرة، وخرج بهم رغم اعجابه البالغ بحضورهم اللامع الي آفاق ارحب من الوجود الفيزيقي المحدود، ولكن عند النظر الي تلك الوجوه قد نكتشف ان المسألة لا تتوقف عند حدود الاستدعاء الحنون، ويظل السؤال: من ينظر الي من؟ هل هي لعبة المرايا المتقابلة، تلعبها ذوات الحاضر والماضي مرة او مرتين فيختلط الوجه المصور بالناظر من اجل استعادة زمن اكثر حميمية، ام هي لحظة يصبح الحاضر فيها بتناقضاته المتوترة جزءا من لحظة ماضية؟ وبعد كل هذه التساؤلات يضيف محسن ويفي: هذه الذوات المؤكدة ليست مستقرة رغم رسومها الظاهرية، فقد امدتها تجربة التشكيل وعناصر التكوين المستمدة من اللحظة الحاضرة بروح اخري وجعلتها خفيفة وقابلة للتحول، بل وجعلتنا نتحرر من تصوراتنا، فنحن لا نكاد ننغلق داخل حدود كل صورة علي حدة، وانما تهبنا تلك الصور مجتمعة امكانية التحليق المستمر عبر الـ هنا والـ هناك الماضي والان. وقد نصل في تحليقنا الي المستقبل المفتوح علي احتمالات لا نعرفها لعل انصهار من يري بمن يراه يكون هو المقدمة.. ربما.ويقول الكاتب جلال الجميعي عن المعرض: يبدو تكوين الصورة في هذه التجربة مستقرا ومتوازنا. كما تبدو المساحات اللونية صريحة وساطعة ومؤكدة، ولكن ما ان تصل الي عيون الشخصيات المفتوحة علي مجهول حتي يرتبك الاتزان كله. نرتد من العيون الي المساحات اللونية نجد سطوعها وقد انقلب الي غموض واتزانها وقد تحول الي سكون موحش، اغلب هؤلاء النجوم الذين احببناهم وملأوا حياتنا بالبهجة قد رحلوا. وهذه النظرة التي في عيونهم والمطلة علي المجهول لا تقدم غير الحيرة، لقد ارتدوا نفس الثياب المعتادة في حفلات الافتتاح الصاخبة واحاطت بهم نفس الالوان الساطعة التي صاحبت صورهم الاعلانية الضخمة عند بوابات السينما والمسرح ومع ذلك فانها لم تستعد ايا من صورهم الاعلانية الضخمة عند بوابات السينما والمسرح ومع ذلك فانها لم تستعد ايا من الاصوات المرحة او الضحكات الصاخبة، بعض الشخصيات استحضرت كائنات واشكالا من اجل تصميم حوار ثنائي علي سطح اللوحة وبعث الحياة.اما الشاعر ابراهيم داود فيقول: انني وسط هذه الوجوه اشعر انني اصغر سنا وان عيني القديمتين قادرتان علي القفز وعلي الدهشة والاستسلام امام نفوذ نجوم عمري الحقيقي. صاحب المعرض يحمل بداخله شجنا قديما. كان يهرب منه طوال رحلته مع الرسم، ويضعه خلف الوانه المحتضنة ووجوهه الغائمة التي ينظر من خلالها علي الانهيارات اليومية ويقف شاهدا عليها. ويضيف داوود ان السيوي في معرضه هذا جلس مع جمهوره يغني الفقد بالوان جديدة، ويحاول ان يضع الايام البريئة في مواجهة حقيقية ضد ايام لا ملامح لها، ايام لا تحتمل سذاجة اسماعيل ياسين، وقلة حيلته امام المنطق ولا تقدر علي فطرة محمود شكوكو او انتصار روح صلاح جاهين للانسانية.0