عارف الساعدي وقصائدُ الكينونة من التلميح إلى التصريح

حجم الخط
0

لا شك في أن الشعر الحقيقي يصطنعُ أعاجيب نادرة، لا يمكنُ أن تتوارى وراء غلالة الإحجام عن الفعل، أو الإبرام الكلي لحلقاتٍ من الصلات من بين الواقع والخيال، فهو يعتقُ تلك الظلال الخلاقة في سماء الحريات الميتافيزيقية، لينعتق هو نفسُه من لعبة التلميح إلى دنيا التصريحِ بالموجود والمكنونات والمخلوقات والطبيعة والتجاوزات المطلقة بين العلة والمعلول. وقد يسعى الشاعرُ إلى التحويل الثوري للروح نحو الانعتاق للسريالية الآنية، فتنعكسُ ظلالُ حروفه تمرداً، لكنه يحافظُ على التوازن الطبيعي بين عناصر الأدب ومعابر البعث الذي ينخرطُ في رؤيةٍ كونية متناسقة، لتولد تلك القصيدة الخلابة بمفهوميها القمري والشمسي، لأنها تستحضرُ نفسها تحت الأشعة المتطايرة بحرارتها للشمس بجلاءٍ ظاهر، وعبر الأحلام المتجردة من أي منطقٍ أو حدودٍ مثل وجهِ الليل على عتبة الضوء الشاحب للنجوم والقمر.
وفي إشراقاتٍ فلسفيةٍ ثاقبة، يطل الشاعرُ العراقي عارف الساعدي على عالمٍ صاخب، يحفلُ بالتساؤلات والتكهنات، منسلاً من قافلة الشعراء التقليديين، يشرفُ على الإنساق بالمسجوع بأوزانٍ منمقة، ويوغل في الأنفاق المغيبة عن الواقع، يتسكع فيها بفقه ناسكٍ وحكمةِ رحالٍ وسلطان شاعر، متخذاً على طريقة الأديب الفرنسي فيكتور هوغو النهر صديقاً يذكرهُ في أسفاره، والكهف شاهداً على طفولةٍ محكية على شفاه المواسم، يساوره قلق الشعر الذي لا يفقه للراحة معنى، لأنه يتحرق دائماً بلهفة العاشق وحنين الوطن وملحمة التاريخ، يكتب بأنطولوجيا الوصف التجريدي برؤى راشحة بالعطر وراسخة بالتبصر، تحبذ المغامرة الدائمة والصعبة، وتنبذ التحنيط الشكلي للغة والشعر، فتقبضُ على المعنى، وترفلُ بحزم المفاتيح التي تفتحُ أبواب السحر المغلقة.
يطبقُ عارف الساعدي بسلاسلِ بوحه على عنق الريح لتعبر بحشرجة الشوق، ثم تتلوى وتتنهد وتفر من جحيم البشر إلى دنيا الخلود الأسمى، وتخر صريعةً للوثوبِ الثاقب «للأنا» فيقولُ مستشهداً بنفسه لإيصال فكرته: «وكأنني لستُ البداية/ لستُ أول كلمة ولدت هنا/ واستنشقت وطناً كلون أبي/ وسمرة أغنياتي/ من أول البدء المعتق بالوطن/ من كل أول/ أولى الدموع/ أولى بكائك حين تجهش/ أو تتمتم في صراخك عن حروف/ أولى الرسوم على الكهوف/ أولى حنينك للشجر/ أولى هروبك من تقاسيمِ السماء/ ومن أساطير المطر».
إن العتاد الكينوني الجانح للتفسير والبرهان والبيان لدى الساعدي، الذي قدر ما تحتويه قبضة الآفاق فسخّر حبره للتألق بعيداً عن بهرجةِ الضوضاء الزائفة، وقدس الحروف بوصفيتها التي تنهلُ من منافذ النور بروحانيتها الجارفة لتعطيه الكثير من التفسيرات لهذه الحياة المضنية، وتلفحُ صومعة وجدانِه بهالةِ الشوق الجارف الملازم لقصائده، وتورطه في القليل من اللامبالاة، التي تنعكسُ لا إرادياً على صفحةِ تعابيره الحسية والجسدية، وكأنه أدرك لتوه أن الحياة وجعٌ اغترابي، نعيشه كما لو أننا نهربُ منه، ونفر إليه وقد كدنا أن نهلك دونه.
يرتوي الساعدي من ساقيةِ الأوزان ويتلاعبُ بها دون أن يخل بأصولها، ويقصي قلمه عن الشعر التقليدي ليكتب ما يشبه الشعر الغنائي السلس، الذي يترنمُ بفيضٍ جارفٍ من الأحاسيس العاصفة، فتكتظ ذاكرته بعباراتِ الطفولةِ والوطن والحب والقدر. يحضر هنا ثانيةً الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو الذي هزم النوائب، رغم شدتها وقسوتها بفرط رقته وتعاليه عليها، كذلك يبدو الساعدي متأثراً به في اللاوعي التخيلي، فيساومُ على أحزانه بحفنةٍ من قصائده التي يؤثر سلطانها على جاه الدنيا بأسرها. هو الشاعرُ الحالمُ بالوطن، والغانمُ بالهوى، والقائمُ بوصية من سلفه من الشعراء، والصائمُ عن خطايا الدنيا والغواية لينبلج فجرُ الإلهام في سماء المستطلعين والباحثين عن درب الهداية. يتراشقُ بضوء المسافات مع الطوفان الذي يترقرقُ كالدمعِ المحترق على أجفان الفوضى، يسألُ أهل الحكمةِ عن تميمة الموت وأعجوبة الحياة فيقول في قصيدته الطوفان: «ناديتُه وخيوط الصوت ترتفعُ/ هل في السفينة يا مولاي متسعُ/ ناديتُهم كلهم هل في سفينتكم/ كأنهم سمعوا صوتي وما سمعوا/ ورحتُ أسأله يا شيخ قسمة من/ نجوت وحدك والباقون قد وقعوا»
عبر التاريخ ومنذ عصر السومريين، تطور شعرُ رثاء المدن، حيث وقف شعراء بلاد الرافدين على أنقاضها بفجيعة المنفى، والخوف من أن تقتلعهم الريح عن أرضهم وذويهم، ونلمحُ هذا القلقُ الأسطوري لدى الساعدي في قصيدة «غرق فرعوني» حيث يقول: «موحشٌ ذلك القصر يا سيدي/ لم يكن بيننا ولدٌ يتشبث بالأغنيات/ ويخضرُ في الطرقاتْ/ فنحن نكرر أحزاننا/ مللٌ نابتٌ في القصورْ/ وهوىً ذابلٌ لا يدورْ/ سيدةُ القصر تغسلُ أوهامها/ وتحدث فرعونها/ عن ضياع السنين/ وعن حلُمٍ سوف ينبت تحت البذورْ/ على ضفة البحر ناما قليلا/ لكنها جفلت/ ثم صاحت لفرعون قم/ لقد زرع البحر طفلاً/ فقم والتقطه لنا/ ربما سنشيخ ونأوي إليه/ ربما ينبت العمر ثانية في يديه/ تحركْ قليلا/ فصندوق ذاك الرضيع سيأكلُه البحر/ أرجوك قمْ/ نجمع العمر الذي انفلتا».
هذه الحركةُ الديناميكية المستمرة التي ترافقُ قصائد الشاعر عارف الساعدي تأبى الاحتضار أو الاحتكار، وتميلُ نحو الاستمرارية والسرد الخاطف، الذي لا يبترُ المعنى لكنه يختصره، وتحضرُ العبارات التي تحفلُ بالأمل مثل:» الأغنيات، حلم، زرع، نأوي إليه، نجمعُ العمر» تقابلها مرادفاتٌ جليةٌ للحزن المكبوت مثل:» نكرر أحزاننا، هوى ذابل، جفلت، العمر الذي انفلتا». وهنا يتضح الصراعُ القائم لديه بين عالمين، عالم من الحزن المفرط والمغيب في مغاور سحيقةٍ من التأمل والتردد، وعالم من السعي لعالمٍ أفضل يلفظه البحرُ بلججه الواسعة إلى الواقع، لينقلب العالم من حالٍ إلى حال.
عارف الساعدي شاعرٌ ألقى عصاه في البادية المقفرة والتلالِ المورقة والمروج المعشوشبة، وتلثم بالتوقِ يهصرهُ بين هباتِ الحنين، وما زال يسيرُ مرتحلاً نحو القصيدة الكاملة التي تبرقُ بمبسمِها على كيانه وتشرقُ مثل فجرٍ لا يدركُ الموت، بل يؤمنُ بالحياةِ الخالدة لفجر الشعر.

كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية