عار علي نون النسوة!
خميس الخياطيعار علي نون النسوة!غريب عالمنا العربي اليوم… والغرابة هي أدني ما يمكن أن نصفه بها أمام تعدد مظاهر الشيء ونقيضه، القول بالأمر والإيمان بالمعارض له وغير ذلك من تعدد النغمات وتضاربها إلي حد الطحن الفارغ. قد يقول قائل أن كل هذا من سمات التعددية التي هي العنصر الأساس في النهج الديمقراطي الذي قيل أن العرب يفتقدونه. قد تكون الحال كذلك لو لم يكن هناك فارق بين السمفونية وجوقة طناجر المطبخ… في الحالتين، هناك تعددية في الأصوات. إلا أن جوقة الطناجر ومهما كانت قيمة الطناجر ومصدرها، هي أصوات حديد تتفوق علي السمفونية في كونها نابعة من الطبيعة… في حين للسمفونية هويتها الثقافة. وإحدي مظاهر تعددية الخردة الطبيعية هذه نجدها علي القمر الإصطناعي المصري نايل سات الذي له ميزة فريدة هي أنه مرآة لعالمنا العربي في كونه يحمل قنوات غالبيتها لا تعرف حتي نهجها التحريري، فما بالك من مصادرها المالية ومنابعها البرامجية.خلّي أهل البلاء للبلاء حينما بدأ هذا القمر العمل في نهاية التسعينات (1990)، لم يكن يحمل إلا المصرية الأولي وقناة أم، بي، سي . أما اليوم، فبه مئة وخمسون قناة فضائية عربية منها القنوات المحلية المصرية المتكاثرة التي رغب وزير الإعلام السابق ممدوح البلتاجي تصفيتها ولم يتمكن. وهو ما يقوم به خليفته أنس الفقي رغم معارضة عساكر نظام القطاع العام بمفهومها السلبي (خدمة أقل بمداخيل مؤمنة) بدعوي التنوع الثقافي المصري فيما هو أساسا ملء للفراغ بأبخس وأفقر الإنتاجات التلفزية. كذلك به القنوات الغربية وبعضها مشفر. القنوات الغنائية العربية تمثل ثلث القنوات العربية في حين تتقاسم الباقي القنوات الجامعة فالقنوات الإخبارية ثم القنوات المحورية التي من ضمنها القنوات الدينية التي تعمل كلها من الزاوية الإسلامية دون غيرها من الزوايا… ولأنه القمر العربي الوحيد ـ بعد عدول تونس عن إطلاق قمرها، وقيل وقتها في التسعينات أن الأسباب مالية بحتة ـ كانت كلفة الصعود للبث القمري الذي يغطي العالم العربي والبعض من آسيا وأوروبا تساوي نصف مليون دولار والدفع بالتقسيط المريح كل أربعة أشهر… كان ذلك في العام 1998. ومع المحافظة علي التقسيط، نزلت الكلفة إلي 400 ألف دولار وثبتت عند 35 ألف دولار مع التأكيد علي أن الإيجار يحدده مجلس إدارة الشركة (المصدر: مذيعات ومطربات التحرش الجنسي. روز اليوسف. العدد 4063). وكما يقول المثل الشعبي التونسي جنة وفيها بريكاجي …ولأن من شروط الخردة المتاجرة للربح السريع مهما كانت البضاعة المعروضة للبيع، فإن نايل سات لا يشذ عن القاعدة. فنجد به القنوات الجامعة الهامة والمؤثرة في الرأي العام العربي (ولا داعي لذكر الاسماء)، والقنوات الرسمية التي لا تتميز الحكومات الصادرة عنها بأدني درجة من إحترام للرأي المخالف رغم أنها موجودة كذلك بالقمر عربسات . نجد قنوات الـ تشات المتكاثرة التي بنيت علي هدم جدار الصمت ما دام المتكلم لا تظهر سماته الصوتية ولا الفيزيولوجية في ثقافة عربية تحب وتربت علي الكتمان والتورية والقناع… وبطبيعة الحال، هناك القنوات الغنائية التي أصبحت منذ فترة مصب كل الإتهامات. صحيح أن هناك قنوات، الغناء بها يشبه تماما صراخ الوز العراقي علي حد تعبير زينات صدقي… ولكن أن ينصب الإتهام كله علي هذه القنوات وكأنها المسؤولة عن الإجتياحين الإسرائيلي (لغزة) والأمريكي (للعراق) كما عن قضايا دارفور والصومال والصحراء الغربية إنتهاء بمقتل الزرقاوي وتشجيع الشباب العربي علي الفساد و الرذيلة إلي حد أن الصحفية المذكورة أعلاه كتبت أن الفضائيات إعتمدت علي بنات هن عار علي نون النسوة فيما كتب آخر أن هذه الومضات الغنائية هي بورنو كليب (الومضات الإباحية) والمسؤول عنها هو المغني/المخرج اللبناني جاد شويري وغيره ممن يريدون نخر الثقافة العربية ـ الإسلامية من الداخل (؟)… وما أسهل الإتهامات في عالم عربي لم يعد يفرق بين الوعظ والإرشاد وبين الترفيه المرئي، بين التعبير الذاتي والمصلحة الجماعية، بين تيارات الردة والعودة إلي السلف الصالح وتيارات الهروب إلي الأمام وإعطاء الحرية للفرد.أن تتغني روبي (وإسمها الحقيقي رانيا حسين توفيق) بحركات الملاكمة ـ المتغنجة فليس ذلك سببا لمنعها من تأدية إمتحانها في الحقوق بجامعة بني سويف… أن تسبح ماريا في حوض من الحليب، فليس ذلك سببا لطلب اللعنة عليها وعلي البقر. ألم نستمتع بمثل ذلك مطولا في أفلام البيبلوم والرخاء القيصري الروماني حينما كانت أفلام صنف ب تلفزة الغلابة والمحرومين العرب وغيرهم؟ أن تغني تينا بلباس داخلي ، المسألة لا تتطلب الإستنجاد ببوليس الأخلاق. الأجدر هو السباحة نحو قناة أخري وما أكثرها من العفاسي حتي الهدي وترك أهل البلاء للبلاء … أن تتلوي نجلاء قرب الحصان وأن تتغني دومينيك بـ واوا…أح أو أخري بـ قطعني… ولعني ، فليس في ذلك أي سبب يدعو لإستعمال الأسلحة الثقيلة ضدهن وإتهامهن بالتعدي علي الأخلاق الحميدة التي بدورها تستعمل عادة في غير موقعها لتكبيل نمو وتطور تيارات خفية، داخلية لا يراد لها أن تطفو وتأخذ لها مكانا أمام الأبصار. فلننظر بتؤدة وتأن إلي تطور المجتمعات حتي العربية منها، سنجد أن التيارات الفنية لا تترقب الترخيص حتي تستجيب لرغبات من يطلبها. هو مبدأ الحرية والبقاء لمن له قابلية مصارعة الوهن الفني. الجسد العورة… يا هذا! من ينادي بتخليصنا من مغنّي ومغنيات الكليبات بدعوي الدفاع عن الأخلاق الحميدة له من قصر الذاكرة ما يجعلنا نذكره بأمهات الأفلام المصرية (العربية) حيث ـ ومع فارق الفترات ـ الجسد هو المكون الأساسي للسرد الفيلمي الرومانسي، كما هو الحال تماما بالنسبة للكليبات حيث الرومانسية إستبدلت بالإيحاء شبه الواقعي. ولكل زمن جاحظ… هل نسوا قبلات أبي فوق الشجرة لحسن كمال عن رواية لعبد القدوس؟ هل تغافلوا عن رقصات سامية جمال في الـ54 فيلما التي أبدعت فيها بصفات متفاوتة ولكنها كانت كلها معبرة بما قيل وقتها أنه مخالف للأخلاق الحميدة ؟ هل نسوا رقصة تحية كاريوكا في فيلم شباب إمرأة لصلاح أبوسيف؟ هل نسوا أن من أهم الأفلام التي لم تعد موجودة اليوم، فيلم الجسد لحسن الإمام؟ لا أحد مما ذكرنا كان ضد الأخلاق الحميدة، بل عبروا عما يتضارب في المجتمع المصري (والعربي) والذي أدي إلي هزيمة 1967 وما بعدها… الأمثلة عن الجسد وحقه في السينما العربية الأكثر إنتاجا وهي السينما المصرية كثيرة ولا أحد نادي بتنظيفها كما ينادون بذلك اليوم.من الجانب الآخر وبعيدا عن المحور الغنائي، بثت قناة آرتي (الفرنسية/الألمانية) للمرة الثانية منذ يومين الفيلم التلفزيوني التونسي الذي أنتجته وعنوانه نادية وسارة لمخرجته مفيدة التلاتلي. لا أحد يشك اليوم في موهبة مفيدة التلاتلي السينمائية، إلا لجنة الدعم السينمائي التونسي التي حرمتها من الدعم بدعوي أن السيناريو غير محكم… وهي علامة أخري عن قلة الذوق في بعض السياسات الثقافية. الفيلم من تمثيل المخرجة/الممثلة الفلسطينية هيام عباس (أدت دورا رائعا في فيلم الستار الأحمر للتونسية رجاء لعماري) في دور نادية الأم ودرة زروق، التي تعمل حاليا تحت إدارة السوري محمد ملص، في دور سارة البنت. بينهما الزوج الأب هشام رستم. تدور الأحداث في تونس العاصمة والضواحي الشيك وتتمثل في أزمة إمرأة وصلت سن اليأس، فأصبحت تغار من إبنتها وتنقطع عن العالم الخارجي وتنزوي حول ذاتها لا لسبب إلا لأنها بدأت تفقد ما تعتبره عنوان وجودها الفردي أمام المجتمع والطبيعة.كما نري الموضوع جريء والمواقف التي أدتها بجرأة الممثلة/المخرجة الفلسطينية مواقف تنحو نحو الإتجاه المعاكس للتيار الذي لا هم له إلا طمس الجسد أو حبسه فيما هو غير مرئي. لقد عملت مفيدة التلاتلي ـ وقد تعرضت إلي ذات الرغبة الجسدية في موسم الرجال ومن قبله في صمت القصور ـ علي إيلاء الجسد وحاجياته الأهمية الكبيرة في التعبير عن الذات ودون السقوط في الرذيلة مع إقتصاد في الدلالات. أن تري نادية في غرفة الحمام وهي تتكشف علي ذاتها، فليس في ذلك أي حرج أخلاقي لأن ليس في الأمر بصبصة مرضية ، بل هو عرض لإشكال مسكوت عنه ولجانب هام من مآسي المجتمعات العربية. أحدي روايات الراحلة سيمون دي بوفوار تطرقت إلي ترهل الجسد وتجيش العواطف وما ينجر عن ذلك من إشكالات… مفيدة التلاتلي تعرضت إلي تلك الإشكالات في عائلة عربية ـ تونسية (متفتحة) لا تعبر بالضرورة عن غالبية المجتمع التونسي، بل هي تعبير عن إمرأة تنتمي إلي تونس كما إنتمت إليها أم فيلم الستار الأحمر … ومرة أخري، تقدم السينما التونسية لمن يريد النظر فيها وإليها صورة غير معهودة ليس بسبب تقليعة فنية، بل لجهة الإمساك بجوهر الأمور وليس الركض مع المنادين بغض الطرف عنها. وجوهر الأمر يكمن في الإنسان الفرد. ويوم نصغي إلي ما يطلبه هذا الفرد في حق جسده نكون قد إنتقلنا من ثقافة القطيع والرعوي إلي ثقافة الفرد والتصنيع… حينها يكون التعدد حقا معيار الديمقراطية في جانبها الثقافي أولا وبعدها في الجوانب الأخري. إلي حين يطل عهد إحترام الفرد العربي، تهب الريح قوية من جانب الماكارثية العربية التي تسمح بالتعيير بنون النسوة.جملة مفيدة: من اين لك بهذا الحظ؟ هل يشفق الله كذلك علي الأشرار؟ . كلير تريفور في فيلم حينما يرفع الستار لمخرجه الأمريكي جون غيج 1948.ناقد وإعلامي من تونس[email protected]