عازف الأرغول (أبوحسن)
رشاد أبوشاورعازف الأرغول (أبوحسن)متي رأيته وأين في المرّة الأولي؟لا أستطيع تحديد الزمان والمكان، ولكنني تعلّقت به منذ سمعته يعزف علي أرغوله. يخرج قصبات أرغوله من جيب صدر، ويدخلها المبسمين الرقيقين في القصبتين المشدودتين لبعضهما، ويأخذ في العزف دائراً حول نفسه كما لو أنه درويش يؤدّي رقصة (الميلويّة)، ثمّ يلوّح بيده اليسري وأصابع يده اليمني تلعب علي ثقوب أرغوله، وكأن أصابع يده تنادي دبيّكة يتخيلهم، أو يستدعيهم من الذاكرة، ثمّ ينهي وصلته بالجلوس صامتاً وفي عينيه دمعات جمدت…يدس يده في جيبه، ويفتح قبضته فإذا بها مليئة بكمشة ملبّس علي نعنع، يوزّع الحبّات علي الحضور، ويسرّب واحدة في فمه الأدرد، هازاً رأسه مع تنهيدة، ثمّ يطوي جسده ويغمض عينيه، ويستند بظهره إلي الجدار إن كنّا نتحلّق حوله في الشارع، أو يريحه علي مسند الكرسي إن كان في أحد المكاتب، ماداً ساقيه قليلاً، مطقطقاً عظامه، متنهداً، ثمّ يغرق في الصمت آخذاً قسطاً من الراحة بعد أن نفخ أنغامه في أرغوله، وأبسط (الشباب)، ورقّص بعض المولعين بالدبكة، وانتزع إعجاب حتي المسؤولين الوقورين الذين يبدون تحفظّاً خاصة وهم في حضرة مرافقيهم الذين كانوا فدائيين في (القواعد) قبل أن يؤتي بهم إلي (الفاكهاني) ليحرسوهم، ويقضوا حاجات أسرهم البيتيّة .سمعته يقول بأنه من مخيّم (خان الشيخ) وأنه يعبر الحدود السوريّة اللبنانيّة عن الطريق العسكري ـ طريق الفدائيين ـ باحثاً عن ابنه الذي اختفي فجأةً، ووصلهم خبر التحاقه بالفدائيين في قواعد جنوب لبنان.هو أبو حسن ولا شيء آخر، ولوفكّرت في سؤاله عن بلده الأصلي، واسم عائلته فإنه يتناوم، أو يمد أصابعه البنيّة الغامقة المكرمشة الجلد، ويعرض عليك حبّة حلو منعنعة تعطّر بها فمك، أو قد يعن علي باله إن كان مزاجه رائقاً أن يلتقم مبسمي أرغوله ويأخذ في التقسيم الترتيلي الذي يحرك المشاعر فيشجي، ويهيّج ذكريات الحاضرين منتزعاً من صدورهم الآهات، والدهشة من عيونهم الشاخصة إلي أصابعه الرشيقة ولغديه المنفوخين.هو اليوم هنا في بيروت، تراه أمام بناية (الإعلام الموحّد)، ربّما يتبادل الحديث الفكه مع (ماجد أبوشرار)، أو يتوجّه إلي مقهي (أم نبيل) ليأخذ فنجان قهوة مستجيباً لدعوات ملحاحة من مثقفين لا يخفون استطرافهم لشخصه وحنينهم لآباء يشبهونه لم يروهم منذ سنين، رافضاً بتاتاً أن يعزف وهو في المقهي، رغم الرجاءات والإلحاحات من شباب فلسطينيين يريدون أن يتباهوا به أمام اللبنانيين، والعراقيين، والسوريين، وبعض الضيوف الأجانب الذين يحضرون من بلاد بعيدة إعراباً عن تضامنهم مع (الثورة الفلسطينيّة)…صديقي رسمي يعلّق وهو يميل رأسه:ـ هذا العجوز أفّاق، إنه يتسلّي، أنا لا أصدّق أن له إبناً فدائيّاً، وأنه تائه عنه ولا يعرف شيئاً عن ابنه ذاك، وأنه يبحث عنه في قواعد الفدائيين.أرّد عليه عادةً:ـ ولكنه لم يطلب تسجيل اسم ابنه في أسر الشهداء، وهو عف النفس فلا نسمعه يسأل أحداً مساعدته، وهو لا يأخذ مالاً علي عزفه، فقط يأكل لقمات قليلة عندما يجوع …ـ لأنه لا ابن له استشهد…ـ ربما ما زال ابنه حيّاً. الرجل يعيش علي الأمل.. أتنفر منه يا صاح؟ !أسأله بشيء من الفصحي التي يميل للتحدّث بها أحياناً، سخريةً، أو تعمّقاً، أو كما نقول: تثاقفاً…أغمض رسمي عينيه كما يفعل عادة عندما يتريّث في التعبير عن فكرة راودت عقله:ـ إنه يتسلّي، إنه موسيقي شعبي كبير، وهو إلي ذلك ساخر كبير، إنه يسخر من الدنيا، يتعامل معها كعرس عابر، عرس غير دائم، عرس يتخلل حالة موت وحزن دائمين، رجل يعرف كيف يكسر الملل من الحياة…ـ يمكنه أن يتسلّي في بيته، أو في الأعراس، ويحصل علي شيء من المال يعين به نفسه علي مشقّة الحياة !تمر سيارة فدائيّة، يلوّح له شاب يجلس بجوار السائق، ويدعوه للذهاب معه إلي (صيدا)، فيهب أبوحسن قبل أن يكمل فنجان قهوته، مثيراً ضحك رسمي وتعليقاته الطريفة.ـ جاكيتته لا تتغيّر، واسعة وبالية ونظيفة وإن كنت لا أعرف متي يغسلها. يبدو أن جاكتته كانت بنيّة بخطوط بيضاء، وحالت الخطوط البيضاء إلي صفراء معتمة متماهية مع اللون البنّي الذي بهت مع الزمن. يبدو أنه يرتدي جاكتته منذ الخمسينات، أقصد من أيّام توزيع (البقج) علينا أول الهجرة، هل تتذكّر أيام (البقج)؟!..يضحك مضيفاً:ـ مخلوق بالي المظهر، لكنه طريف، وعزفه لا كلام عليه، أنا لم استمع لعازف أرغول بهذه البراعة والشجن والطرب. مخلوق بالٍ غني الروح، لعلّه آخر عازفي الأرغول من بني جلدتنا. يضحك مميلاً رأسه علي كتفه الأيمن: ـ يستحق أن يوضع في متحف للفنون الشعبيّة، نحنّطه، ونعلّق علي صدره قارمة مكتوب عليها: عازف أرغول فلسطيني من القرن العشرين، من الأسرة الأخيرة لعازفي الأرغول…سألته مسترسلاً مع جموح خياله: ـ ولكن كيف مات، وأين، وكيف بقي محتفظاً بجسده سليماً؟ أكانت ميتته طبيعيّة، أم انه استشهد في إحدي القواعد التي قصفت بينما كان يبحث عن ابنه الفدائي الذي ترك الدراسة في جامعة دمشق ـ كما يدّعي هو ـ و..؟! رسمي!.. خلقت لنا مشكلة، فنحن لا نملك وطناً، فمن أين لنا أن نؤسس متحفاً؟!. كنت أجلس مع رسمي في مقهي (أم نبيل) غارقين في حالة حزن بعد قصف بعض القواعد الفدائيّة في الجنوب. كنّا قلقين علي العازف العجوز الذي توجّه في سيّارة عسكريّة أمس إلي القواعد في منطقة (النبطيّة) حيث وقعت الغارات، وسقط شهداء وجرحي… كالعادة فاجأنا بظهوره علي الرصيف قرب(دوّار الكولا)، وهو يعزف ماشياً حتي بلغ مكتبة (دار الطليعة) ليتوقّف ملوّحاً بيده اليسري بينما أصابع يده اليمني تلعب علي الثقوب منغّمةً ألحاناً تنادي (الشباب) ليحضروا، وفي لمح البرق يلتف حوله فدائيون يحرسون المكاتب ملبين أنغامه وتلويحات يده…تساءل رسمي وهو يبرم وجهه علي عادته عندما يبدي دهشته من أمر ما يستثيره:ـ ما هذا الجنون الفلسطيني يا صاح؟!ـ سرياليّة فلسطينيّة يا صاح، لامعقول فلسطيني مبهج…تركت رسمي في المقهي وتوجهت إلي حيث (أبوحسن) الذي باتت بيني وبينه مودّة:ـ ها، ملصت من الطائرات في الجنوب، إلي أين ستتجه؟ـ بعد ما انثيّع (نشيّع) الجناذات (الجنازات) لمقبرة الثهداء (الشهداء) ثأتجه إلي الثمال (سأتجه إلي الشمال) ، فابني لو سمع عذفي (عزفي) سيحضر ولن يختبئ ويختفي عنّي. أنا لا أعترض علي أن يثير (يصير) فدائيّاً، وكل ما في الأمر أنني أريده أن ينهي دراثته (دراسته)، ويثير مهندثاً(ويصير مهندساً) !..أأنا غلطان يا ابن أخي؟ (هو يخاطب الكبار عمراً بابن أخي، أمّا الشباب فيخاطبهم يابا، فكّل واحد منهم عنده هو بمثابة ابن له ).وقبل أن أجيبه، أطلقت سيّارة جيب عسكرية منبهها، ولوّح له نفس الشاب الذي رأيناه أكثر من مرّة يصطحبه من الفاكهاني إلي حيث قواعد الفدائيين في الجنوب والشمال والبقاع .تنبّهت علي صوت رسمي، وأنا أعود لآخذ مكاني في المقهي الرصيفي الذي يمكّن الجالس فيه من رؤية أي عابر في الشوارع المتقاطعة حول جامعة (بيروت العربيّة): ـ اكتشفت لعبة العجوز وابنه. وجدتها، وجدتها ! الذي ينقّله إلي القواعد هو ابنه، إنهما أفاقان..ما رأيك في استنتاجي هذا؟!نقّلت نظراتي بين سيارة الجيب العسكريّة التي توارت، وملامح وجه رسمي المندهشة الساخرة، ووجدتني أنفجر بضحكة مجلجلة دون تعليق، منتظراً مفاجأةً جديدة من مفاجآت أبوحسن، ووصلة من عزفه علي أرغوله التي تمنح الحياة في (الفاكهاني) ألفةً وطرافةً…ستكون خسارة لو أن (أبوحسن) وجد ابنه واقتاده معه إلي دمشق الشام، ليعيده إلي الجامعة. من سيعزف لنا عندئذ، ومن يرقّص الدبيّكة الشباب، ومن يثير دهشة صديقي رسمي؟!تنويه: هذه واحدة من حزمة قصص عن عازفي الأرغول، الذين عرفت بعضهم مباشرة وطربت لعزفهم، وسعدت واستمتعت بالدبكات التي امتدت بفضلهم في ليال خلت، وهم ينحنون علي آراغيلهم، ويدورون في الساحات، ينفخون من صدور تدرّبت طويلاً علي النفس الطويل وتحويله إلي أنغام راقصة في ليالي الأعراس الصيفيّة القمريّة ـ خّاصةً في مخيمات (أريحا) ـ الحزينة المتفجعة عندما يكون واحدهم في حالة حزن وشعور بالوحدة، أو عندما يمضّه الحنين لمن رحلوا من أحبابه، أو تدهمه ذكريات أيام البلاد قبل نكبة الـ48…0