‘عاشق الروح’: رائعة سينمائية عن عبد الوهاب

حجم الخط
0

المام بالتفاصيل مع ابتعاد عن معاركه الفنيةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: عشرات الأفلام التسجيلية تناولت حياة الموسيقار محمد عبدالوهاب بخلاف ما ورد متضمناً في سياق الأفلام الروائية والمسلسلات، خاصة ما جاء منها متصلاً بحياة المشاهير وقمم الغناء. سواء أم كلثوم أو عبدالحليم حافظ أو بليغ حمدي وغيرهم، ولكن رغم هذا التعدد تظل هناك تجربة فارقة، ليست الأخيرة ولكنها الأهم تمثلت في الفيلم التسجيلي ‘عاشق الروح’، للسيناريست والمخرجة الكبيرة سميحة الغنيمي، وهو الأكثر شهرة في ما تم تصويره سينمائياً عن موسيقار الأجيال، حيث تتبع فيه الغنيمي حياة الفنان الكبير منذ نشأته الأولى في حي باب الشعرية بالقاهرة بعد إلقاء الضوء على محل ميلاده ومسقط رأسه مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية. بيد أنها تركز بالأساس في بداية السيرة الذاتية على المحطة الرئيسية وتأخذنا بالكاميرا الى زخم الحياة بالحي العتيق لنتابع تفاصيل الطقوس الدينية والاجتماعية التي أحاطت بعبدالوهاب طفلا وصبياً وكيف ارتبط بالجو الديني الشائع حينئذ وتأثر بحلقات الذكر في مسجد سيدي الشعراني، لتتسق ثقافته المعرفية بما تربى عليه في منزل والده الشيخ الأزهري المعمم، الرجل الذي حاز مكانة مرموقة بين أهله وجيرانه، رغم انه لم يكمل تعليمه النظامي بالجامع الأزهر ولم يحصل على شهادة العالمية كما كان يحلم ولكنه ظل متمسكاً بثقافته الدينية محافظا على صلواته وفرائضه مما زاده احتراما وتوقيرا في نظر سكان الحي، ترك الأب أثره في نفس الطفل الفنان فتربى على نفس الطبيعة واكتسب ذات الصفات، الخجل والانضباط والروح التواقة الى العُلا فموهبته الفطرية أخذت في التنامي ووضح فيها الميل الى الموسيقى والغناء والشعر، لذا جد في البحث عن متنفس لموهبته فالتحق بمعهد الموسيقى العربية المعروف وقتها بمعهد فؤاد الأول، وكان لا يزال حديث السن فاكتشفه أمير الشعراء أحمد شوقي في واحدة من حفلات المعهد السنوية وأخذه ليقيم معه في القصر ويعيد تربيته على قواعد الإتيكيت والأبهة، وقد حقق في ذلك تقدماً ملحوظاً فصار الفتى وجيهاً من وجهاء المجتمع الراقي، وتلك هي المرحلة التي مهدت لها المخرجة سميحة الغنيمي قبل الدخول في العمق لتهيئة المشاهد لما سيأتي لاحقا من صور وأحداث تضع البطل في بؤرة الاهتمام، فبجانب الصعود الرأسي في رحلة الفنان الثرية نرى اتساعا أفقيا في البانوراما الحياتية له ونكتشف مناطق جديدة من خلال علاقته بزوجته السيدة نهلة القدسي، وهي تروي بعضاً من مآثره وخصوصيته الفنية والأسرية فنتعرف على أولويات حياته فنجد الفن على رأسها لا تضارعه عند عبدالوهاب أشياء أخرى غير فنه وصحته فهو شديد الاعتداد بهما، يخشى على نفسه من المرض كما يخشى على فنه منه فهو لا يريد أن يوقف مسيرته الفنية لحظة واحدة تماماً مثل النهر يجري في قنواته متدفقا عذبا يروي ظمأ الإنسان وتكتسي بفضله الحياة باللون الأخضر، هكذا كان صاحب أنشودة ‘النهر الخالد’ يشبه الى حد كبير ألحانه وموسيقاه، وقد وضح ذلك في الكثير من أعماله ‘كالجندول’ على سبيل المثال وغيرها من المقطوعات ذات الطابع الرومانسي الإنساني، ويشير فيلم ‘عاشق الروح’ المستوحى عنوانه من أشهر موسيقاه الى تنوع النغم والمقامات والأصوات فلم يكن محمد عبدالوهاب ثابتا عند القالب الكلاسيكي القديم مثل عبده الحامولي وسلامة حجازي وصفر علي وكامل الخلعي وبقية الرعيل الأول، وإنما تجاوز كل هؤلاء وحرص على التحديث وربط الموسيقى الشرقية بالموسيقى العالمية واتصل فنه بالنوابغ في هذا المجال، فتأثر بموتسارت وبتهوفن وباخ ورصد الجديد في احتياج الشباب لموسيقى متطورة وواكب كل مرحلة فلم يشغله شيء عن البحث ولم تصرفه السينما ببريقها وضجيجها عن هوايته الأصلية كموسيقي وعازف، علماً بأنه نجح فيها نجاحاً مدوياً وشارك في صناعتها بدخوله حلبة الانتاج، ولكن اللعبة لم تستغرقه تماما ولم تستهوه الأرقام وحسابات المكسب والخسارة، وظل وفياً باراً بفنه الأساسي منقباً عن المعدن النفيس في الألحان، اشتمل الفيلم التسجيلي الذي حرصت صاحبته على أن يكون جامعاً مانعاً لكل ما يتعلق بشخصية الفنان الكبير على العديد من الجوانب الإنسانية، لا سيما تلك العلاقة الحميمة التي ربطت بينه وبين ابنه د. محمد عبدالوهاب واتسمت بصداقة فريدة من نوعها قلما تتوافر بين الأب والابن، ولكن رغم حرص المخرجة على الإلمام بكل التفاصيل إلا انها لم تتعرض لا من قريب أو بعيد لمعارك عبدالوهاب الفنية ولم تورد حتى مجرد إشارة لذلك، غير أن الرائعة السينمائية التسجيلية لم تتضمن شهادة واحدة لأي من الفنانين أو النجوم، موسيقيين أو مطربين أو مؤرخين، وربما يرجع هذا الى كون سميحة الغنيمي كانت تعي وهي تكتب فيلمها أنها بصدد رسم تابلوه فني تشكيلي عن فنان ترى أنه أكبر من كل الشهادات التاريخية والفنية، فلم تشأ أن تشوه اللوحة بخطوط إضافية زائدة عن الحاجة من شأنها أن تفسد على الجمهور متعته، وقد يكون لها كل الحق، فما احتشد به الفيلم كان بالفعل غنياًَ عن أية إضافات أخرى، خاصة مع وجود عناصر المتعة والإشباع الجمالي المتمثلة في الصورة الناقلة لرائحة الزمن القديم وعبق الماضي والتاريخ والموسيقى التصويرية المصاحبة للنقلات والتقطيعات الاحترافية الدقيقة لفن المونتاج، الذي اكتملت متعته بالإضافة الموحية واستخدام الأبعاد لإعطاء أحاسيس مختلفة تتناسب مع الحالة الفنية والزمنية وتعمق الشعور بأهمية الشخصية وتمنحها بهاءها وهيبتها لتتطابق الصورة مع الأصل، عبدالوهاب وصورته وظلاله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية