نواكشوط- “القدس العربي”: معظم دول غرب إفريقيا وبخاصة موريتانيا والسنغال، يحتفلون، بحسب رؤيتهم لهلال محرم، ليلة الثلاثاء بعاشوراء ذلك اليوم الغريب في حياة شعوب كثيرة، وفيما يحتفل اليهود في العاشر محرم بنجاة موسى، وبينما يلطم الشيعة ويبكون ويقومون بالتطبير أسى وأسفا على الحسين شهيد كربلاء، يعيش الأفارقة عاشوراء خاصة يختلط فيه الدين بالتقاليد.
الليلة المقبلة، ليلة الثلاثاء ينتظم في جميع المدن والأحياء والقرى، المئات من الأطفال والمراهقين بوجوه مطلية بمسحوق أبيض، ويتوزعون إلى مجموعات تتجول وهي تنادي “تاجبون..تاجبون”، مع ضرب الدفوف والصراخ والتصفيق.
أما شعار عاشوراء إفريقيا فهو: “احتفلنا بك يا عاشوراء هذا العام، فاجعلنا يا عاشوراء، نحتفل بك العام المقبل”.
إنها ليلة عاشوراء الليلة الاستثنائية في معظم مجتمعات إفريقيا: ففيها طقوس لا تقام إلا لها؛ وللزنوج في موريتانيا والسنغال طقوسهم: يرشمون أولادهم بالنار فتوقد أمهم الفرن، وتعمل في أجسادهم السكين رشوما.
ومن طقوس عاشوراء التوسعة على العيال ويكون الوالد فيها أريحيا، وتعد الأم نوعا من الكسكس له نكهة خاصة لا يقام إلا في عاشوراء.
يقول موسى صار ميكانيكي سيارات في حي دار النعيم شرق العاصمة نواكشوط “لا أزال أجد نكهة كسكس عاشوراء الماضي ولا يزال طعمه يجري على لساني”.
ويضيف “تركت عملي اليوم لأن عاشوراء حقه عظيم وتعظيمه مناسبة لتمديد العمر وضمان المستقبل”.
وما إن يغيب الشفق حتى تبدأ جحافل “تاجبون” تقرع الطبول وتجوب الشوارع، وهم يرددون “تاجبون ألاي.. تاجبون ألاَي”، يطرقون أبواب المنازل، يحملون الأواني والأقداح وكل منزل يقدم هدية على مقداره من نقود أو طعام أو حلوى.

ومن طقوس عاشوراء إفريقيا، لبس النساء الزنجيات ملابس الرجال مع طلي وجوههن بمسحوق أبيض، ومن أهل “تاجبون” من يضع أقنعة مخيفة، ولحى وشوارب مستعارة.
تجمع حشود “تاجبون” الطعام وما جادت به الأيدي من المال وتمتلئ المدينة بالصراخ وقرع الطبول، وكأن القيامة قد قامت وكأن الواقعة قد وقعت.
بعد اختتام الجولات تبدأ الحسابات حيث يسلم كل واحد ما حصل عليه من مال وطعام ويتولى رئيس مجموعة عاشوراء توزيع ريع عاشوراء بين نشطاء المناسبة.
يقول ممدو صار وهو مؤذن مسجد في عرفات بالعاصمة نواكشوط وأحد المهتمين بتاجبون “من لم يشارك في هذه التظاهرات قد لا يعيش إلى محرم المقبل، أما من شارك فيها بنفسه أو بماله ومن ردد شعار (تاجبون.. تاجبون) فإن عمره سيمدد حتما حسب مأثوراتنا”.
ومن طقوس هذا اليوم الغريبة تقليم الأظافر ومسح رأس اليتيم وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة وصلوات أخرى.
ويحرص الموريتانيون في يوم عاشوراء على تفقد أمتعتهم ومخازن معاشهم ليعدوا من ذلك إكراميات وهدايا توزع على الجيران، وهذا التفقد تتولاه المسنات كالجدات، وهو تقليد يشير للتكافل ويؤمن للأسر المتفقدة امتداد الأعمار إلى محرم المقبل.
في منتصف الليل تهدأ التظاهرة ويعود كل واحد إلى ذويه، ويتجمع أفراد العائلات حول الوجبة الخاصة بعاشوراء وهي “وجبة الكسكس الأفريقي” مع مرق اللحم.
نعم.. هذه المناسبة كانت تمر كل عام على الموريتانيين من دون أن يشعر بها أحد ليس لعدم اهتمام الموريتانيين باستشهاد السيد الحسين السبط، وإنما لأن مذهب السنة هو السائد هنا.. فيوم عاشوراء يوم خاص بالفعل ويحتفى به لكن بطريقة تعبدية تجمع بين الصوم والصدقة وصلة الرحم.
ولعل الغائب الكبير عن إحياء عاشوراء هذا العام هو بكار بن بكار زعيم شيعة موريتانيا، الذي كان قبل تواريه عن المشهد، يحيي هو الآخر، بمأتم حسيني شيعي يكسوه السواد، ليلة عاشوراء في مقر حوزته الشيعية في العاصمة نواكشوط، تلك الحوزة التي اختفت مع اختفائه، لأسباب غير معروفة.
