عاشوراء بين معينين

حجم الخط
0

حسني ابو المعالي

في ستينيات القرن الماضي كان قد تناهي الي سمعي، وأنا ما زلت صبيا، خبر مفاده بأن القنصلية البريطانية في كربلاء توزع الأكفان للمتطوعين في مواكب التطبير بشكل مجاني في ليلة العاشر من محرم، والتطبير، هو تقليد سنوي يمارس في اطار ذكري مقتل الامام الحسين، ويتمثل بضرب الرؤوس والأجساد بالآلات الحادة كالسيوف والسكاكين الي أن تسيل الدماء وذلك حبا بالامام الحسين، حسب ظنهم وتكفيرا لذنب اقترفه الأجداد الذين خذلوا الامام في حربه ضد الباطل، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما علاقة القنصلية البريطانية بالامام الحسين عليه السلام؟ وبصيغة أخري ما مدي عمق تعاطف الغرب مع المسلمين بشكل عام وبالشيعة بشكل خاص؟ لم يتسن لمداركي يومئذ أن تطرح تساؤلات كهذه أو أن تجيب عليها، ولكن الجواب تبلور وتجسد بمرور الزمن عبر اجترار مجتمعاتنا قيم التخلف علي حساب قيم التحضر وتشبثها بالظلام بدلا من النور وتكريسها للوضاعة بعيدا عن الرفعة والسمو، وهذا ما كانت تريده الادارة البريطانية من أجل أن تبعد المجتمعات الاسلامية عن مواكبة التطور الحضاري الذي تعيشه معظم الدول المتقدمة.

ان هذا الموروث الغريب في مظهره وفي محتواه لم تتبنه سوي فئة ضالة من المسلمين، أو بالأحري فئة لم تستوعب ماهية الاسلام فبالغت في حب الامام الحسين بطريقة مشوهة، لا يقبلها العقل ولا المنطق، لأن الاحتفاء بهذه الطريقة الدموية لا يمثل سوي مظهر من مظاهر التخلف والاستسلام، وهو ما يتنافي مع ما جاء به الامام من أفكار ثورية نبيلة فقد كان الحسين ع ثائرا وصامدا وليس مهزوما، لهذا لا بد من أن يجد المسلمون صيغا جديدة ـ للاحتفاء بعاشوراء ـ تليق بمقام الحسين عليه السلام، وبدائل تنسجم مع عظمة شخصية البطل المدافع عن الحق والانسان بعيدا عن المازوخية وجلد الذات.

يبدو ان طقوس عاشوراء في مظهرها الدرامي والدامي لها تاريخ طويل يمتد الي مئات السنين ولم يجرؤ أحد علي الوقوف عندها الا أحد أحفاد الحسين وهو زيد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي صرخ معترضا عليها حيث قال: المفرط في حبنا كالمفرط في بغضنا. ومن منطلق هذه العبارة الحكيمة التي قطعت الشك باليقين بأن أهل البيت لم يقبلوا هذه الطقوس ولن يتقبلوا الشعائر المبالغ فيها، لهذا فان الاحتفاء فخرا وبطريقة حضارية من أجل الحسين، عليه السلام، في ذكري استشهاده خير من الحزن عليه بطريقة بشعة، فالبكاء والحزن يلغيان عنه صفة الشجاعة، ويجعلاننا نتعامل مع الحدث التاريخي بالعاطفة بعيدا عن العقل، فالحسين عليه السلام لم يكن متخاذلا، و لم يقف يوما ذليلا أمام قوي الظلم في العهد الأموي وانما كان مقداما ونبيلا وثائرا ما يجعلنا نفخر بمواقفه كمسلمين ونعتز بها ونعلي من شأنها بما ينسجم ومقام الامام الحسين العظيم، لا أن نعتبره مسكينا يثير فينا الشفقة كما صورته ـ علي مدي مئات السنين ـ وما زالت تصوره المواكب الحسينية في العراق وبعض البلدان التي يوجد فيها الحضور الشيعي.

لا أحد ينكر الوضع المأساوي الذي ارتبط باستشهاد الامام الحسين وبعض من أفراد عائلته وأصحابه لكنه ضحي بنفسه من أجل مبادئ وقيم انسانية أخلاقية سامية بعد معركة باسلة أبلي فيها بلاء حسنا وأثبت شجاعة نادرة يستحق معها خلودا انسانيا نادرا، ولا بد اذن من أن نرقي بالاحتفاء بذكراه الي مستوي تلك المبادئ، بالكلمة المعبرة شعرا وخطابة وباللون لوحة وبالدراما مسرحية.

في سابقة فريدة ورائعة احتفلت وزارة الثقافة العراقية العام الماضي بذكري يوم الطف بطريقة مختلفة ولكنها عظيمة وذلك من خلال اقامة معرض تشكيلي شارك فيه أكثر من ثلاثين فنانا تشكيليا عراقيا واستلهموا من ذلك الحدث البطولي أجمل المعاني الانسانية في الايثار والتضحية والدفاع عن الحق وترجموها ألوانا وأشكالا فنية في لوحاتهم عبر أساليب مختلفة ومن أجل تكريس هذه البادرة لتصبح ظاهرة علي الصعيد الوطني لا بد من مناشدة بقية الوزارات بأن تحذو حذو وزارة الثقافة ليس فقط علي صعيد المعارض الفنية واللوحات وانما تجتهد أكثر لتأخذ بعدا أوسع علي العطاء في ممارسة النشاطات الفنية والفعاليات الثقافية لتشمل المسرح والشعر والخطابة وحتي الموسيقي في اطارها الروحاني الجميل، من أجل أن تكون بدائل موضوعية عن الممارسات ـ الدموية ـ التي تقشعر لها الأبدان وتشمئز منها النفوس، كالتطبير والزنجيل واللطمية.. الخ من مشاهد الدماء والسيوف و الأيفان التي تعودنا علي حب الدماء أكثر مما تدفعنا الي حب الامام، فالتعود علي الدم لا يجلب لنا سوي المزيد من الدماء وكيف لا ونحن نفتح أعيننا علي المشاهد الدموية سنوات منذ طفولتنا، ولهذا فان تلك الأساليب اذ تبعدنا عن مفهوم الحب الحقيقي الذي يتجسد عبر الأساليب الحضارية والتعامل الانساني الجميل مع الناس تكاد تنسينا أن الدين هو المعاملة.

لا بد من الاشارة بأن ليس كل ما يقام من شعائر في الذكري السنوية لعاشوراء ينضوي تحت مشاهد العنف والدماء فهناك فعاليات ووسائل متعددة ومختلفة اكثر انسانية وأجمل أسلوبا واقرب ذوقا للقبول، تلك التي يتظاهر فيها الطلبة و كذلك سدنة الروضة الحسينية و العباسية في موكب جميل ورائع، وهم يحملون الشموع في مشهد يبعث علي الخشوع ويكرس القيم الجمالية التي نحن بأمس الحاجة اليها فالله جميل ويحب الجمال.

وفي رأيي ان ما كان يحصل وما يزال من مشاهد دموية في ذكري الطف هو خطأ شائع، وقد يكون الخطأ الشائع في اللغة مقبولا ولكن الأخطاء الاجتماعية تكون غير مقبولة عندما تمتد جذورها في السلوك الانساني وتصبح عادة تضر بالعبادة، عند ذاك يدق ناقوس الخطر الاجتماعي ويكون السكوت عنها جريمة في حق تلك الشعوب فالحسين كان نموذجا فريدا لمدرسة رائعة في الحق وكان داعية الي الله ومصلحا علي طريقة الأنبياء، وعندما وضع أمام خيارين بين الموت والحياة اختار الموت الكريم علي الحياة الذليلة وخرج بوجه من يريد له الذل صارخا: والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل وان العيش مع الظالمين برما.

أتساءل: أنبكي رجلا تمتع بتلك الصفات وبرصيده تلك الأفكار والمواقف؟ أعتقد بأننا يجب أن نبكي أنفسنا في ظل تمزقنا وخلافاتنا ونبكي حالنا ووضعنا المتردي ونحن نقاتل بعضنا البعض كعراقيين ومسلمين نبكي بؤسنا وبؤس بعض قادتنا من المسلمين الذين تخاذلوا وتمسكوا بالهزيمة بدل الانتصار، قادة لا يفكرون سوي بمصالحهم وهم يحرضون شعوبهم علي حرب أهلية بين الأخوة عندما يفقدون امتيازاتهم السلطوية بدل محاولاتهم لمحاصرة الأزمة وامتصاصها بالطرق السلمية، ان مثل هذه التقاليد والعادات في اطار تلك المشاهد المروعة حقا، مع احترامي لمشاعر العامة من الناس، انما تكرس نوعا من الجهل والتخلف اللذين لا علاقة لهما بالاسلام، والغريب أيضا أن نجد معظم علماء الدين المسلمين لا رأي لهم في كل ما يجري في عاشوراء سلبا أو ايجابا، وكأن الموضوع لا يعنيهم ولا يمت لهم بصلة، ولهذا أهيب بكل الشرفاء والمخلصين من العراقيين الذين يهمهم أمر الوطن والاسلام بأن يحثوا أحباب الحسين ويرشدوهم عبر جميع وسائل الاعلام الي بديل أفضل يرقي الي مستوي حب الامام الحسين و ينسجم ومقامه ويتناسب وحجم التضحية الكبيرة التي قدمها مع أصحابه الميامين في سبيل الاسلام والمسلمين من جهة وبما يتلاءم مع الألفية الثالثة التي ندخلها من بابها الواسع ونحن في زمن الانفتاح علي العالم. فنان تشكيلي من العراق يقيم في الرباط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية