عاصفة فوق الأردن: تهديد ترامب بتهجير سكان غزة يمثل خطرا وجوديا على المنطقة وعلى واشنطن الاستماع لحليف تاريخي لها

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن – “القدس العربي”:

نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا أعده كيرتس أر ريان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية أبالاتشيان. وهو مؤلف كتاب “الأردن والانتفاضات العربية: بقاء النظام وتأثير السياسة خارج نطاق الدولة”. وقال فيه إن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضعت الشرق الأوسط أمام مزيد من الأزمات مع أنه يعيشها منذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

فبعد أسابيع من توليه منصبه، حاول ترامب إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يو أس إيد) وتجميد المساعدات الخارجية لكل الدول المستفيدة منها باستثناء إسرائيل ومصر. وفي اجتماع عقده ترامب في شباط/فبراير مع الملك عبد الله الثاني وولي عهده الأمير حسين، طرح ترامب خطته “لتطهير” غزة، وتسليم القطاع للولايات المتحدة، و”إعادة توطين” جميع سكان غزة في الدول العربية المجاورة.

رفض العاهل الأردني بدعم من مصر وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اقتراح ترامب رفضا قاطعا

وقد رفض العاهل الأردني وبدعم من مصر وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اقتراح ترامب رفضا قاطعا متحديا تأكيدات ترامب في كانون الثاني/ يناير بأن الأردن “سيفعل ذلك” لأن الولايات المتحدة “تفعل الكثير لهم”.

ويعلق البرفسور كيرتس على الأزمة الحالية بأنها قد تكون وجودية، فمع أن الأردن استطاع خلال تاريخه التغلب على مشاكل داخلية وخارجية واستقبل موجات من اللاجئين، نظرا لعدم استقرار جيرانه، كما وتجاوز أزمات اقتصادية حادة، إلا أن الوضع اليوم مختلف.

ويعتبر الأردن حليفا قويا للولايات المتحدة، إلا أن المعارضة السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ردت على خطة ترامب لإعادة التوطين بإجماع نادر وغاضب، حيث نددوا بأي ترحيل قسري للفلسطينيين إلى الأردن. إلا أن علاقة الأردن بالولايات المتحدة زادت تعقيدا. وتواجه عمان الآن مهمة مستحيلة في مواجهة واشنطن، حتى مع استمرار اعتمادها عليها.

ويقول كيرتس إن الحكومة الأردنية تميل في العادة لتلبية أماني الولايات المتحدة، حتى عندما لا تحظى بشعبية الرأي العام الأردني. وعلى خلاف جيرانها العرب، فقد وقعت اتفاقية سلام شاملة مع إسرائيل. لكن غضب الأردنيين المشترك يجعل أي جهد تبذله إدارة ترامب لإجبار البلاد على قبول لاجئي غزة بداية غير موفقة.

ومن هنا يجب على الولايات المتحدة أن تستمع لنداءات حليفها الوفي والعاطفية وتجنيب الأردن والفلسطينيين والمنطقة بشكل عام، كارثة.

ويذكر كيرتس أن رؤساء الولايات المتحدة وملوك الأردن حافظوا، من الناحية التاريخية، على علاقات دافئة. فقد استمرت العلاقة التي بدأت مع أول لقاء بين الملك حسين في عام 1951 والرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور وحتى الملك عبد الله الثاني.

يجب على الولايات المتحدة أن تستمع لنداءات حليفها الوفي والعاطفية وتجنيب الأردن والفلسطينيين والمنطقة بشكل عام، كارثة

وساهم هذا التحالف الثنائي الذي دام قرابة الـ 70 عاما بتعزيز سمعة الأردن الدولية ومكانته المرموقة كدولة معتدلة في منطقة مضطربة.

 ففي عام 2008، وصف مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق، المملكة بأنها جزء من “المركز العربي”. وفي عام 2001، وافق الأردن على أول اتفاقية تجارة حرة تعقدها بين الولايات المتحدة ودولة عربية.

 كما ويعد من أكبر المتلقين للمساعدات الخارجية الأمريكية. وبالإضافة إلى علاقاته مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، فقد حافظ على معاهدة سلام كاملة ورسمية مع إسرائيل منذ عام 1994. كما يتمتع الأردن والولايات المتحدة بتاريخ طويل من التعاون في الشؤون العسكرية والأمنية.

وفي عام 2014، عندما بدأ التحالف بقيادة الولايات المتحدة عملياته العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، استضاف الأردن قوات أمريكية وكان بمثابة قاعدة عمليات متقدمة وفعلية.

واستمرت العلاقة الثابتة بدون انقطاع تقريبا، إلا وبشكل جزئي أثناء فترة رئاسة ترامب الأولى. ففي عام 2018، قرر ترامب متجاوزا رغبة الأردن، خفض تمويله لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، أونروا، الوكالة التابعة للأمم المتحدة التي تقدم المساعدات للاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والأردن نفسه.

 ورغم استمرار المساعدات الرسمية الأمريكية للأردن وتعاونها معه دون انقطاع، إلا أن العديد من المسؤولين الأردنيين شعروا بأن إدارة ترامب لم تعد تعطي الأولوية للمملكة، بل تحولت إلى تحالف فعلي مع إسرائيل والسعودية والإمارات، في إطار سعيها لتحقيق هدفها الرئيسي في المنطقة، وهو اتفاقيات إبراهيم.

إلا أن فوز جو بايدن بانتخابات الرئاسة في عام 2020، بدا وكأنه استعادة من الأردن لمكانته كحليف تقليدي للولايات المتحدة. ففي عام 2022، وقعت واشنطن وعمان مذكرة تفاهم وعدت بتقديم 1.45 مليار دولار كمساعدات أمريكية للمملكة على مدى سبع سنوات.

ولكن في أعقاب 7 تشرين الأول/أكتوبر، ومع وقوف منطقة الشرق الأوسط على حافة حرب إقليمية، علقت إدارة بايدن تمويل أونروا لمدة عام.

ومن هنا تمثل عودة ترامب إلى الرئاسة تحديا جديدا للعلاقات الأمريكية – الأردنية، مما حير العديد من المسؤولين الأردنيين الذين توقعوا من واشنطن أن تظهر حساسية أكبر تجاه مصالح عمان الإقليمية ونقاط ضعفها الداخلية.

ويرى الكاتب أن العائلة الهاشمية الحاكمة في الأردن تعاملت مع التعاون العسكري والاقتصادي مع الولايات المتحدة باعتباره أمرا حيويا للأمن القومي. إلا أن إدانة الأردن الشديدة لحرب إسرائيل على غزة مثلت خروجا عن الخطاب الأردني المتحفظ والمعتاد، فقد استمرت المملكة بشجب القصف الإسرائيلي ووصفته بالمفرط وسلطت الضوء على الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين ودعت باستمرار إلى وقف فوري لإطلاق النار.

في اجتماع قمة عربي طارئ عقد بالقاهرة في تشرين الأول 2023، أدان الملك عبد الله الثاني القصف الإسرائيلي لغزة، واصفا إياه بأنه “انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي” و”جريمة حرب”

 وفي اجتماع قمة عربي طارئ عقد بالقاهرة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، أدان الملك عبد الله الثاني القصف، واصفا إياه بأنه “انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي” و”جريمة حرب”.

ومع ذلك، ظلت تحركات الحكومة الأردنية متوافقة مع التزاماتها تجاه الولايات المتحدة. فعندما أطلقت إيران وابلا من الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل في نيسان/أبريل 2024، ساعد الأردن في إسقاطها. وجادل المسؤولون الحكوميون، في مواجهة ردود فعل محلية غاضبة، بأن الأمر يتعلق بأمن وسيادة البلاد، حيث أكد الملك عبد الله الثاني وبوضوح أن “الأردن لن يكون ساحة معركة لأي طرف”.

 لكن علاقة الأردن بالولايات المتحدة أصبحت مركز انتقادات شديدة داخل الأردن. وطالما اعتقد الكثيرون في حركات المعارضة الأردنية أن علاقات المملكة بواشنطن تقوض سيادة الأردن وأمنه وتجعله عرضة للضغوط الخارجية.

وقد أعادت حرب غزة تعبئة حركات المعارضة. ورغم إدانات الحكومة الأردنية لإسرائيل، واصل المتظاهرون الضغط عليها لتغيير سياساتها جذريا. وطالبوا بإلغاء معاهدة السلام وإنهاء صفقة الغاز المثيرة للجدل مع إسرائيل، وطرد القوات الأمريكية وغيرها من القوات الأجنبية من المملكة، وقطع أي إمدادات تصل إلى إسرائيل عبر الأراضي الأردنية طالما استمرت الحرب.

وأدى إسقاط الصواريخ الإيرانية، بداية 2024 لغضب شعبي وزاد الضغط على الحكومة بعد ذلك. وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيلول/سبتمبر، حصل المرشحون عن الأحزاب المؤيدة للنظام والمحافظون ومن الوسط على معظم مقاعد البرلمان الـ 138، لكن جبهة العمل الإسلامي حققت نتائج جيدة وحصلت على 30 مقعدا، وأمنت بالتالي صوتا لها بالبرلمان الجديد. ومع علو أصوات المعارضة في البرلمان وخروج المعارضة النشطة، إسلامية وعلمانية للشارع، ستواجه الدولة مقاومة حقيقية لسياستها الخارجية.

 ولكن حتى لو اختلفت قوى المعارضة مع الدولة في جملة من القضايا السياسية، فقد تبلور إجماع واضح ضد التهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة، وربما الضفة الغربية أيضا. وقد أثبتت قرارات السياسة الخارجية لترامب في ولايته الثانية، صحة موقف النقاد. فقد كان الأردن من بين الدول التي علقت إدارة ترامب المساعدات الخارجية لها، ومع الدفع باتجاه تهجير مليوني فلسطيني من غزة إلى مصر والأردن، زاد غضب الشارع وكذا الحكومة رفضا لهذا المقترح.

وقبل أيام قليلة من تنصيب ترامب في كانون الثاني/يناير 2025، تم التوافق على اتفاق وقف إطلاق نار هش بين إسرائيل وحماس، مما أوقف القصف مؤقتا وسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. ولكن الإدارة قامت فورا، وبدلا من استغلال هذا الوقف لإحلال الهدوء في المنطقة، بوقف جميع المساعدات الخارجية لمدة 90 يوما وقطعت تمويل أونروا وحاولت إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، يو أس إيد بالكامل.

أثر تجميد المساعدات كان كارثيا على الأردن تحديدا، فلا توجد دولة في الشرق الأوسط، تعتمد على دعم وكالة يو أس إيد وأونروا مثله

ويقول كيرتس إن أثر تجميد المساعدات كان كارثيا على الأردن تحديدا، فلا توجد دولة في الشرق الأوسط، تعتمد على دعم وكالة يو أس إيد وأونروا مثله. ومن المتوقع أن ينهي وقف يو أس إيد لإنهاء مئات مشاريع التنمية والمساعدة في الأردن والتي تدعم خدمات الصحة العامة والتعليم وتوفر المياه وتدعم الحكم المحلي والأعمال التجارية الصغيرة والمدارس. وسيشل إلغاء الوكالة عمل شبكة من المنظمات غير الحكومية ومؤسسات الدولة المرتبطة بالدعم الأمريكي وتشغل آلاف الأردنيين.

وقد فاقم حديث ترامب عن “تهجير” الفلسطينيين إلى الأردن ومصر من الرفض الشامل، الشعبي والرسمي باعتباره تطهيرا عرقيا. ووجد الأردن دعما من دول المنطقة، السعودية والإمارات وقطر. واجتمعت الدول العربية في آذار/مارس بالقاهرة وقدمت خطة بديلة عن مقترح ترامب. إلا أن الإدارة الأمريكية رفضت الخطة، على الأقل في الوقت الحالي.

وأحدث التقلب الأمريكي إرباكا للقيادة الأردنية التي طالما دعمت حل الدولتين، بما يتماشى مع موقف الولايات المتحدة المستمر منذ عقود بشأن الصراع، فقط لتجد هذا الحل يتقوض من خلال خطة ترامب، والتي إذا تم تنفيذها، ستجعل فعليا إسرائيل وغزة والضفة الغربية دولة واحدة بدون فلسطينيين.

وربما اعتقد ترامب أنه قادر على إجبار حليفه الأردن للموافقة على مقترحه، لكن الظروف في الأردن تجعل مشاركة الحكومة في مثل هذا المخطط مستحيلة. فعلى الرغم من ضعف اقتصاده ونقص الموارد الطبيعية، فقد استقبل الأردن موجات من اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948 فصاعدا، واستقبل العراقيين الفارين من حروب الخليج، وبعد عام 2011، اللاجئين السوريين الفارين من الحرب الأهلية. ولا تمتلك المملكة القدرة الاقتصادية على قبول ملايين اللاجئين الفلسطينيين.

كما أن أي وصول للاجئين من شأنه أن يخل بما يعتبره العديد من الأردنيين توازنا ديموغرافيا هشا بين الأردنيين الفلسطينيين، الذين تعود جذورهم إلى غرب نهر الأردن، وسكان الضفة الشرقية، الذين تعود جذورهم إلى شرق نهر الأردن.

وينظر المتشددون الأصليون، الذين يشغل بعضهم مقاعد برلمانية أو يشغلون مناصب رئيسية في أجهزة المخابرات والأمن الأردنية، بعين الريبة إلى أي خطة يمكن أن تغير الوضع الديموغرافي الراهن. وتثير فكرة الترحيل، حتى بالنسبة للأردنيين الكثر الرافضين للرؤية المحلية القومية، قلقهم وتذكرهم بما يثيره اليمين الإسرائيلي المتطرف عن “البديل الأردني”، وحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن. وقد اعتبر المسؤولون الأردنيون، على مستوى السلطة التنفيذية والتشريعية، هذا الحديث خطأ أحمر، وأن فلسطين هي للفلسطينيين.

 وبالمحصلة لن ينجح التلويح بالجزرة وتقديم محفزات للأردن إلى تغيير هذا الموقف. وسواء كان ترامب يتحدث عن التهجير كوسيلة ضغط من أجل دفع الدول الفاعلة في الشرق الأوسط لتقديم تنازلات، أو مجرد الحديث والتهديد بإعادة توطين سكان غزة، فهو يزعزع استقرار حليف رئيسي ويبعده ويزيد الضغط على الدولة لتغيير سياساتها وربما النأي بنفسها عن الولايات المتحدة – وهو أمر لا يرغب المسؤولون الأردنيون في فعله.

ويعتقد كيرتس أن الموقف الموحد، الرسمي والشعبي ضد خطة ترامب، يجب أن يدفع الولايات المتحدة لإعادة النظر لخطة غزة وتجميد المساعدات للأردن. وهذا النوع من الإجماع يكاد يكون نادرا في السياسة الأردنية، ويعكس الطبيعة الوجودية للأزمة. وربما عرقلت مقترحات إدارة ترامب الأردن اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وستمتد تداعياتها إلى المنطقة، بما في ذلك إسرائيل. مع ذلك، لم يفت الأوان بعد على الولايات المتحدة لاستعادة التزاماتها السابقة بالمساعدات، والأهم من ذلك، التوقف عن دعواتها لطرد الفلسطينيين من غزة بالجملة. وفي النهاية يجب على الولايات المتحدة أن تنصت إلى حليفها. وبناء على العلاقة التاريخية الوثيقة، بين البلدين، يستحق الأردن أن تسمع واشنطن صوته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية