عاطف عبد العزيز: «شيء من هذا الغبار»

حجم الخط
0

قبل هذه المجموعة كان الشاعر المصري عاطف عبد العزيز قد أصدر «ذاكرة الظل»، في سنة 1993؛ أعقبتها مجموعات «حيطان بيضاء»، «كائنات تتهيأ للنوم»، «مخيال الأمكنة»، «سياسة النسيان»، «الفجوة في شكلها الأخير»، «برهان على لاشيء»، «سيرة الحب»، «ما تنتظره لن يمرّ من هنا»، و»ترجمان الروائح». وفي شهادة له ضمن كتاب عماد فؤاد «ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ»، وهو المرجع الشامل الأفضل عن قصيدة النثر المصرية المعاصرة، يقول عبد العزيز إن هذه القصيدة «بدت كطوق نجاة للشعرية العربية، التي اقترنت بالمشروع القومي العربي المنهار الذي أفلس تماماً عبر إخفاقاته المتوالية»؛ خاصة وأنّ الشعر عنده «لا ينطلق من المواضعات أو المسلمات، لأنه يكتشف نفسه بنفسه، ويبتكر بنيته الإيقاعية في لحظة الكتابة ذاتها، وبالتالي فهو يخاصم منذ البداية كل نظام عروضي جاهز، وإنه بذلك يجسد الجوهر الصحيح لمصطلح القطيعة مع الماضي، تلك القطيعة التي تقترح أبنية جمالية جديدة فوق أنقاض أبنية فقدت قدرتها على استيعاب أشواق الإنسان».


هنا، من المجموعة، قصيدة «علبة من الصاج»:
لم يكن ثمّ ما يدعو أن أراجع هندامي،
خفتُ أن أحملق في المرآة،
فأسقط في بئرها المهجورة،
خفت أرى وجهي ثانيةَ، وهو مخلوط
بقشّ وملالة وسخام،
ثمّ إنّ النهار – هذا – محض نهار،
يشبه بشعاعاته الروتينية مذاق الماء،
في حلق جثة طافية.

أنتَ الآن يا صاحبي كما أنت،
بقعة لون تتفسخ – في عينيّ – خلف الزحام
وتلتئم،
ثمّ تعاود التفسخ في الزحام.
فيا جاري المحترم،
يا صاحب السيارة كثيرة الأعطال،
يا أخا يأسي!
صار عليّ أن أصيد حقيقتك بذهني المكدود
من كلّ هذا الركام،
بعدما ألقيتَ برضيعك من الشرفة،
وعدتَ هادئاً إلى الجريدة.

أنا هناك،
لا أفهمك تماماً، ولا تراني، أنت
في (هناك) آخر.
تجيئني صرختك من خلف الجنود،
مثل رسالة أكبر من بريدي،
مثل نفثة..
لا يتسع لها صدري الضعيف.

في علبة من الصاج الكالح،
سوف تأخذ طريقكَ إلى المشفى الحكومي،
الذي اختصوا به اصحاب الضمائر.
وأعود أنا بالخبز إلى العائلة،
أعود طافياً،
على موجة الضوء الذي تبذله الظهيرة بيننا
بلا حساب.
المتوسط، ميلانو 2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية