الناصرة- “القدس العربي”: تروي عالمة اجتماع إسرائيلية كيف سيطر الخوف على إسرائيل وتحول لسلاح خطير يشيطّن الشعب الفلسطيني ويكرّس الصراع معه، فيما يقوم رئيس حكومته بنيامين نتنياهو باستغلاله للبقاء في سدة الحكم.
تقول المحاضرة في كلية علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس بروفيسور آفا إيلوز في تقرير مطول جدا نشرته “هآرتس” إن ميكافيلي في كتابه قال إن الحاكم عندما يكون مخيفا ومحبوبا فهو يجد الطريق الأفضل لإحكام سيطرته وإذا كان لابد أن يختار بين الأمرين فمضل أن يختار بالترهيب الذي يحميه ويصون النظام الاجتماعي العام.
وتقول “هآرتس” أيضا إنه مما لا شك فيه أن الحاسة التي يعرفها جيدا الحكام المستبدون هي الخوف وعليها يبنون حكمهم. وتوضح أن إسرائيل في مسيرتها القصيرة كانت متورطة بعشرة حروب ومعارك كبيرة وبعدد غير محدود من الهجمات البرية والجوية وهي من الدول القليلة جدا التي أدارت نزاعا مسلحا مع كل جاراتها وأقامت نزاعا متواصلا مع مجموعة سكانية متداخلة مع سكانها وشخصت 20% من مواطنيها كطابور خامس.
وترى “هآرتس” أن إسرائيل من الدول القليلة المبنية بشكل عميق على التمييز بين الصديق والعدو، وأن المحرقة غيرت للأبد الوعي اليهودي سواء داخل إسرائيل أو في الشتات وأن المذابح الأوروبية بحق اليهود منح اللاسامية معنى ميتافيزيقي تقريبا، بحيث بدت كراهية اليهود أبدية وشاملة وحتمية وجزء من نظام الكون.
وعلى خلفية ذلك نتجت الرواية المركزية التي تصيغ الوعي اليهودي المعاصر: العالم بدأ يكون معرفا وفق نواياه بتدمير اليهود وتصميمه على فعل ذلك.
وأوضحت “هآرتس” أن هذا المفهوم صاغ تدريجيا تعامل الصهاينة مع العرب ومع ذلك تشير أن زئيف جابوتنسكي مؤسس التيار الصهيوني التصحيحي لم يشمل عام 1923 مقاومة السكان العرب للصهيونية كمؤشر لاسامي بل مقاومة طبيعية لسكان أصليين يناهضون قوة استعمارية.
وتضيف “مع تعاظم الصراع العسكري وصياغة مفهوم اللاسامية كرواية مركزية لليهودية بدأت تأخذ مقاومة العرب للصهاينة كاستمرار للاسامية التاريخية. عبارة أنهم يرغبون بإلقائنا في البحر ينطوي على دمج بين وجود عداوة عربية مضادة للكولينيالية وبين القرية والشخصيات التي تميز اللا واعي اليهودي الذي تشكل في صورة صدمات اللاسامية.
وبات البقاء يقف في صلب تفكير القيادات الصهيونية. وتستذكر الباحثة الإسرائيلية مقتل روعي روتينبيرغ حارس إسرائيلي في كيبوتس “ناحل عوز” مقابل غزة عام 1956 والعبث بجثته وتقول إن قائد الجيش وقتها موشيه ديان قدم كلمة رثاء في ذكرى مقتله تحولت لاحقا لواحد من أكثر الخطابات المؤثرة بتاريخ إسرائيل: “إياكم أن ترموا القتلة بالتهم وهل نفاجئ بكراهيتهم القوية لنا .. ونحن جيل المستوطنين لا نستطيع غرس شجرة وبناء بيت دون المدفع والخوذة الفولاذية. لن يجد أبناؤنا حياة إذ لم نحفر ملاجئ ونبني جدرانا ودون بندقية رشاشة لن نستطيع شق شارع وحفر بئر ولذا فلا نفاجئن بسماع شتيمة المقيمين من حولنا وينتظرون النيل من دمنا كل لحظة..”.
وتعتبر “هآرتس” خطاب ديان مثالا لافتا لما بات إطار جوهري للنفس الإسرائيلية، وتقول إن ديان ثبتّ في مركز الوعي الإسرائيلي يهودا قتلوا في العالم وعبر التاريخ ومن أجلهم ينبغي على الأمة أن تتحرك فالعرب تحولوا لمجموعة كبيرة مليئة بالكراهية وما زالت تعكس تهديد الإبادة القديم”. كما تشير “هآرتس” إلى أن لغة موشيه ديان جعلت الجيش النازي الرهيب متساويا مع الفدائيين الفلسطينيين الذين لم يملكوا الوسائل عند مهاجمتهم المستوطنات اليهودية. وتضيف “هكذا تصبح الجدران والسواتر العالية وماكنات إطلاق النار أمرا حتميا وجزء حيوي من صراعات البقاء”.
وضمن عمليات الترهيب والشيطنة تقول الصحيفة إن مصطلح “العدو” الذي استخدمته الكاتبة العبرية عيديت زرطال كناية عن العرب قد شهد عملية تحويله لـ نازي رغم عدم وجود أي صلة لهم بمذابح اليهود في أوروبا. وتتابع “هآرتس” في تبيان مسيرة صناعة الخوف في إسرائيل: “عندما شرح مناحم بيغن لماذا أدار حرب لبنان الأولى عام 1982 قال إن الخيار البديل هو تكرار معسكر الموت في طرابلينكا ونحن قررنا ألا يحدث ذلك ثانية”.
وتستنتج “هآرتس” أن لبنان إذن تحول ليس فقط لهدف عسكري بل فرصة لتعديل تاريخ اليهود.
وتوضح “هآرتس” أن الصهيونية قد بدأت كمنظومة عصابات قاتلت في ثلاث جبهات: ضد الأصلانيين العرب، ضد سلطات الانتداب وضد مجموعات يهودية أخرى، منوهة إلى أن هذه الجبهات حولّت القتال لمركّب مركزي في الهوية الصهيونية المتشكلة.
وتتابع “هآرتس” في توصيف حالة إسرائيل وجوهرها: “تنتهي معظم الصراعات القومية بعد قيام الدولة فالجنود يسلمون بنادقهم لها وهي تكمل مسيرتها في بناء مجتمع مدني جديد. لم يحدث هذا المسار في الحالة الصهيونية: تحولت خدمات الأمن العسكرية وأجهزة المخابرات إلى روح وعموي فقري لأجهزة الدولة وصاغت السياسات العامة بل صاغت لغة الإسرائيليين وعقلية العسكرة حيث تستعد المؤسسات المدنية دوما لخيار الحرب، والحرب والبقاء هما أفق التفكير والتخطيط وتم فهم كل المشاكل كمسائل أمنية والانتصار هو دائما الهدف”.
وتقدم “هآرتس” مثالين يجسدان كيف صاغ “الأمن” نمط الحكم الإسرائيلي والثقافة الإسرائيلية بشكل عميق وطويل المدى وتقول إن الباحث الصحفي دكتور رونين بيرغمان استعرض في كتابه المثير (سارع لقتله) كيف تم دمج عمليات اغتيال في أجهزة الدولة منذ اللحظة الأولى. وتنوه “آفا إيلوز” لقول بيرغمان إن إسرائيل قتلت بواسطة الموساد أكثر من أي دولة غربية أخرى منذ الحرب العالمية الثانية، فقد تم اغتيال موظفين في الانتداب البريطاني، علماء ألمان، رجالات منظمة التحرير الفلسطينية وحماس وحزب الله وعلماء ذرة إيرانيين- كافتهم اغتيلوا بيد إسرائيل بشكل دائم واعتيادي. وتستنتج الصحيفة العبرية أن إسرائيل طوّرت مفهوما يزعم أنها ملزمة بالدفاع عن أمنها خارج حدودها بوسائل غير قانونية كالاغتيال.
أما المثال الثاني فهو الديموغرافيا التي يتم التعامل معها في دول العالم كمعطى اقتصادي فيما يتحول في إسرائيل لشأن أمني حيث صار “التهديد الديموغرافي” تعبيرا طبيعيا يفهمه الكل بسهولة: ينبغي أن يفوق عدد الأطفال اليهود عدد نظرائهم العرب. منوهة أن هذا مفهوم غير مريح ويذكّر بحركة الاستعلائية البيضاء وهي المجموعة الوحيدة التي بالنسبة لها تشكّل الديموغرافيا تهديدا أمنيا. وتؤكد أن دولة وثقافة تضع الأمن في المركز فإنها تحوّل الخوف لجزء من وعيها وتتابع “هآرتس”: “هكذا تمام تتصرف دولة عسكرية: تظاهر دائم بالقوة والعظمة وحالات الطوارئ والسلاح واللغة العسكرية واستعراضات عسكرية وطقوس استذكار لضحايا الصدامات وكل ذلك ينتج عرضا من الأمن والخوف معا وعندئذ يبدو الجيش كدواء حيوي ووحيد.
وتضيف “عندما يكون الخوف في صلب النفس الجماعية تتحول لغة الأمن للغة حتمية وطبيعية. مثل هذا التفكير يقسّم العالم بشكل فوري: “نحن وهم”- من هم معنا ومن هم ضدنا. لا يوجد منظار آخر ينظر عبره الإسرائيليون للسياسة الدولية. لذلك فإن قائدا يثير الاشمئزاز كدونالد ترامب يبدو كحليف وسط تجاهل لأفعاله المستفزة. كونه “صديقا” منحته حصانة بعيون الإسرائيليين رغم أنه الرئيس الأمريكي الأكثر انحطاطا أخلاقيا”.
وترى صحيفة “هآرتس” أن “الأمن” يقسّم العالم لأعداء وأصدقاء ولذا فإن شرعيته تتغذى من الخوف، منوهة إلى أن هذا نمط التفكير الأساسي الذي أدخل في عقول الجنود خاصة من يخدمون قريبا من الفلسطينيين. وردا على سؤال الصحيفة كيف نظرت للفلسطينيين يقول نائب مدير منظمة “يكسرون الصمت” نداف فايمن إن الجنود لم يدعونهم فلسطينيين بل عربا، وهؤلاء كينونة معادية وينبغي الخوف منها. وتابع “فعلا أنت تخاف من العرب فكل الوقت يقولون لنا إن الفلسطينيين مخربون ويربون أولادهم على القتل، حتى عندما تمر سيدة عربية حامل فهي بالنسبة لنا كانت تبدو عدوا وربا تخفي شيئا ما في بطنها وكذلك الطفل الذاهب لمدرسته فربما تكون حقيبته المدرسية عبوة ناسفة”.
وردا على سؤال آخر اعترف نداف أنه وصل من تل أبيب للجيش بهذه العقلية وأنه لم يتحدث يوما مع فلسطينيين الذين كانوا دوما أشرار وأعداء وفي المدرسة ينتجون وعيا هكذا ويحددون من هو العدو وفي الجيش علمونا أنه ليس هناك فلسطينيا بريئا أو متهما إنما هناك فلسطيني متداخل أو غير متداخل وعندما جئنا لنعتقلهم دعوناهم “مخربين” ولم ندعوهم يوما فلسطينيين وعندما نعتقلهم كنا نمنحهم أسماء مستعارة كي يبقون بعيدين عنا في الوعي وكأنهم من عالم آخر. اللغة تبعدك والواقع يقربك من كل الكراهية والغضب على الفلسطينيين الذين يريدون فقط قتلك”.
وتستنتج “هآرتس” من حديث نداف أن خوفه مكنّه من القيام بما يقوم به القناص: إطلاق الرصاص على العدو وتضيف “بدون الخوف يكون أكثر صعوبة تجاهل إنسانية الفلسطينيين ومخاوفهم. الخوف صار إذن وسيلة قتال”. وتتفق “هآرتس” مع جهات إسرائيلية أخرى تؤكد أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أدرك أن جوهر الروح الإسرائيلية هي الخوف ولذا استخدمه دون توقف وأحينا بشكل حقيقي ولكن في الغالب وظفه لخدمة غاياته الانتخابية لا لخدمة الأهداف العامة بعكس ما فعله دافيد بن غوريون.
بالنسبة لنتنياهو تقف إسرائيل دائما في مواجهة عدو يبحث عن “خراب الشعب اليهودي” بصرف النظر هو الرومان أو ألمانيا النازية. الخوف هو حليف نتنياهو السياسي الأقرب وهذا يفسر بقاءه في الحكم على التوالي منذ 2009 حيث أن استخدام الخوف هو جزء من استراتيجيته السياسية التقليدية. عندما وجه نتنياهو تهمة الخيانة لاسحق رابين عام 1995 بعد توقيع فقد عرف أنه ينتج مناخا مشبعا بالخوف حول اتفاق أوسلو. في خطابه أمام الكونغرس عام 2015 وفيه حمل على الاتفاق النووي مع إيران أعلن نتنياهو أن الأيام التي بقي فيها اليهود لا مبالين تجاه عدو قاتل قد ولت”.
وعلى غرار مراقبين آخرين تؤكد “هآرتس” أن نتنياهو بادر في كل مرة طرح اسم إيران لشيطنتها عبر إقرانها بالنازية ومن أجل التغلب على الفلسطينيين ذهب نتنياهو لحد استنساخ الفرية بأن مفتي القدس الراحل الحاح أمين الحسيني هو صاحب فكرة “الحل النهائي” التي تبناها النازيون”.
ومن هنا تستنتج “هآرتس” أن نتنياهو يلغي إمكانية التفاوض والحوار فورا بطرحه القضايا السياسية والدبلوماسية كتهديد بالإبادة وبدلا من هذه الإمكانية خلق معسكرين: معسكر يدافع عن بقاء إسرائيل والثاني يهدد مستقبلها فصوّر نوابا عربا في الكنيست ومنظمات حقوقية إسرائيلية كتهديد خطير وقام بما قام به قادة فاشيون عادة، مد خطا مباشرا بين أعداء الخارج وبين أعداء الداخل واعتبر اليسار الصهيوني وفلسطينيي الداخل عدوا مساويا لبقية الأعداء.
ولكن ليس نتنياهو فقط إذ تتنبه “هآرتس” إلى تبني كل اليمين الصهيوني فكرة تحويل الخوف لمضمون سياسي أساسي وكلما اصطدمت سياساته بالواقع الديموغرافي الفلسطيني يتعلق أكثر فأكثر بشعور الخوف. وتضيف “والآن وعندما تبرز أزمة الكورونا الخوف المتخيل والحقيقي أكثر فأكثر فإن هذا الخوف يتحول لأداة سياسية أكثر قوة فهو يتغلب على كل المشاعر والاعتبارات الأخرى. ولذا فإن من يزرع الأرض خوفا فهو يهيمن على الحلبة السياسية.
وتضيف “هآرتس” حول الحل: “نحتاج لنضوج مدني كي نتحرر من هذا الخوف ونكتشف الخدعة ونعرف كيف نميّز بين تهديد حقيقي وبين تهديد مفتعل. الجماعة التي تعيش في ظل صدمات تاريخية كبرى ومدربة نفسيا وعاطفيا على العيش مع الخوف لا تستطيع امتلاك نضوج مجتمع مدني ديموقراطي حقا بل تخضع للخوف دوما. بات الخوف مهيمنا لدرجة أن خصوم نتنياهو ملزمون بالتحدث بذات اللغة الأمنية الفظة وحتى بيني غانتس الذي طرح نفسه بديلا أخلاقيا لنتنياهو فاخر بأنه أعاد غزة للعصر الحجري خلال حرب “الجرف الصامد” عام 2014 وقتل خلالها 1364 فلسطينيا وترى “هآرتس” بذلك فقدانا للبوصلة الأخلاقية في الحلبة العامة”.
وتوضح أن الخوف الذي “يعزفه” نتنياهو مختلف عن خوف المدنيين من صواريخ غزة لأنه يستثمره لخدمة مآربه ويخلط فيه الحقائق بالأكاذيب ضمن قصصه حول “الإبادة والانتصار”.
ويورد معد التحقيق المنشور في “هآرتس” عددا من شهادات الإسرائيليين عن الحياة في ظل الخوف خاصة في مستوطنات محيطة بغزة وبعضهم حمّل إسرائيل أيضا مسؤولية إطلاق النار من غزة بعد بدء الاستيطان في القطاع في مطلع سبعينيات القرن الماضي. كما ينقل عن رئيس “الشاباك” السابق عامي أيلون قوله إن أحداث الماضي مندمجة بالحاضر لدى الإسرائيليين، معتبرا أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا يشعر مواطنوها بالثقة بأنها باقية في المستقبل القريب. زاعما أن التهديد الوجودي هو واقع معاش يوميا بالنسبة لإسرائيليين كثيرين ويضيف أيلون ” يشكل الخوف مركبا مركزيا في النفس الجماعية الإسرائيلية رغم أنها تتمتع بجهاز أمن الأقوى في العالم.
ويضيف “في واقع الخوف يفضل المواطنون دائما الأمن على الحقوق خاصة حقوق الأقلية التي تعتبر حتى اليوم عدوا. استخدمت المحاكم هذه السياسات بالحروب ذات نهايات معروفة من منطلق الفهم أنه يمكن “وضع الحقوق جانبا لصالح الأمن ولكن لا يوجد نهاية للحرب على الإرهاب ولذلك فإننا كل مرة نقضم من حقوقهم”.
من جهة أخرى يرى أيلون أن قائدا عقلانيا كان يفترض به أن يقول إن مجتمعا خائفا سينهار ولذا سيعمل من أجل إنتاج أمن. ويضيف “لكن في عصر الخوف لا تقوم باختيار قائد يعطينا جهازا تعليميا أفضل ومنظومة صحية وثقافية أفضل- نحن ننتخب قادة يعرفون أكثر كيف يقتلون أعداءنا قادة للضغط على المكبس الأحمر”.
وتنقل آفا إيلوز عن من يعرف بـ”عالم الدولة” كوري روبين قوله إن يميز بين الخوف الذي ينتج لحمة لدى الشعب كما في أوقات الحروب وبين خوف يستند على تشظي وعلى فقدان المساواة داخل المجتمع. منوها أن نتنياهو نجح في استخدام الخوف من النوع الأول من أجل إنتاج خوف من النوع الثاني: خوف من العرب يجر نحو خوف من اليساريين.
وضمن الاستخلاصات يقول إيلوز إن الخوف يتيح للحكام الحكم بواسطة نشر الخوف والفقدان النظام ويقول إنه كلما زادت الفوضى نتيجة إهمال الدولة للخدمات تزداد الحاجة بحاكم قوي قادر على تسكين الوجع والخوف ويضيف “السيطرة بواسطة الفوضى هي نتيجة مركزية للخوف كحاسة جماهيرية، خاصة أن الخوف يّحول لعدو إلى كينونة غير مدركة وإلى حيوان خطير يختبئ في الظلمة وبهذه الحالة يصبح ممارسة القتل والإزعاج والترهيب بحق من يعرّف كعدو وطالما يخدم الخوف اليمين السياسي الذي لا يتردد في إلغاء الحقوق والحريات بهدف السيطرة.
وينقل عن الخبير الدولي بـ”الإرهاب” بريان جنكينز قوله إن الديموقراطية لا تمنع استسلاما طوعيا أمام الاستبداد فالسكان الخائفون يطالبون بالحماية والخوف يمنعهم من الفهم أن العدو أيضا يخاف مثلهم وهو ينتج في داخله رعبا حيال الآخرين.
وتكشف في “هآرتس” أن استطلاعا واسعا جدا من 2010 قد كشف أن 54% من الإسرائيليين يخشون مهاجمتهم من قبل عربي في حياتهم اليومية مقابل 75% من الفلسطينيين قلقون من مهاجمتهم والاعتداء على ممتلكاتهم وهدم منازلهم من قبل السلطات الإسرائيلية.
وينوه ايلوز إلى أن كثير من الخائفين يحولون خوفهم لكراهية خاصة عندما يقوم قادتهم بتحوير الخوف لطاقة للتحريض والتقسيم وتبرير الاستعلائية العرقية والدينية وإن كان هناك من ينجح بالتغلب على خوفه.
وتنقل “هآرتس” عن سيدة من مستوطنة محيطة بغزة قولها إنها تحولت لمناصرة للفلسطينيين وتؤمن بالحوار معهم لإنقاذ المكان بدلا من مراكمة الملاجئ والجدران. وتتابع “تخيل أن أهالي غزة بلا حماية ولا أموال ولا طبيب يداوي جراحهم، ومع ذلك هم مبدعون بطريقة استثنائية، كما يتجلى في البالونات المفخخة وهي وسيلة بسيطة لكنها خطيرة وهم لا يملكون ما يخسرونه.
وتنتهي ايلوز بالقول “من كل الحواس السياسية فإن الخوف أخطرها لأنه يسلم منجزاتنا الثمينة كالحرية والديموقراطية لقادة غير جديرين فهو يقلص التفكير المركّب ويمحو الأخلاق ويشجع التظاهر بالأحقية. هؤلاء يحكمون بواسطة الخوف وليس صدفة أن القيصر الروماني الطاغية كاليغولا يذكر في التاريخ بقوله عن رعاياه: ليكرهوا كما يشاؤون طالما هم يخافون”.