تمتد المسيرة الفكرية والأكاديمية للأستاذ الدكتور محمود الذوادي على خمسة عقود عمل فيها كأستاذ جامعي أو زائر في اختصاصي علم النفس وعلم الاجتماع في عدد من الدول مثل كندا والجزائر والسعودية وماليزيا وسلطنة عمان، فضلا عن تونس وأمضى جزءا كبيرا منها في البحث والكتابة في ميدان العلوم الاجتماعية بشكل خاص، حيث صدر له ما يفوق عن الثلاثين كتابا بين خاص ومشترك وباللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، هذا فضلا عن مئات الدراسات والبحوث والمقالات المنشورة في مجلات محكمَّة وصحف. كما أشرف على عدة رسائل في الماجستير وأطروحات الدكتوراه والبحوث الجامعية الميدانية. وهو حاصل على عدد من الجوائز في الدراسات الجامعية والبحث خاصة بأمريكا مثل جائزتيْ فورد وفولبرايت. وأهم ما يعرف عنه هو ابتكاره لنظرية الرموز الثقافية أو البعد الثالث للإنسان، ومجموعة من المفاهيم النابعة من واقع المجتمعات المغاربية مثل التخلف الآخر، والازدواجية اللغوية الأمارة واللوامة والشخصية التونسية المستنفرة وغيرها. كما أنه مدافع شرس عن اللغة العربية التي يعتبرها اللغة الوطنية لتونس وباقي أقطار المغرب العربي. «القدس العربي» التقت به في مدينة الزهراء جنوب العاصمة التونسية للحديث حول واقع ومستقبل اللغة العربية في المنطقة المغاربية وقراءاته كعالم اجتماع لبعض المظاهر السياسية والاجتماعية كالانقلابات التي تحدث في أفريقيا أو قيام بعض الأفراد بحرق القرآن في بعض الدول الأوروبية.
وكان هذا الحوار:
○ أنت واحد من بين أكثر علماء الاجتماع التونسيين والعرب الذين كرسوا جل اهتمامهم لتشخيص واقع ومستقبل اللغة العربية في تونس ودول المغرب العربي بشكل خاص. لو نسألك عن سر اهتمامك المبالغ فيه بنظر البعض بتلك المسألة بالتحديد، هل هناك سبب ما وراء ذلك؟
• الإجابة تبدو لي بسيطة، ويمكن اختصارها في مستويين إثنين، الأول هو شغفي بالعلم. فعندما أرى ظاهرة تحتاج إلى فهم فاني أتوقف عندها وبالتالي فالجانب العلمي كان وراء هذا. لقد درستُ ودرَّستُ في مقاطعة كيبك بكندا ووجدت أن أهل تلك المقاطعة يعتزون باللغة الفرنسية كثيرا إلى درجة أنهم أصدروا قانونا سموه قانون 101 يمنع كتابة اللافتات في الشوارع وغيرها بلغة غير الفرنسية. لقد جاؤوا مثلا إلى إشارة المرور قف بالانكليزية فحذفوها وتركوا فقط المرادف الفرنسي لها. والمستوى الثاني هو أني درست جميع المواد باللغة العربية حتى نهاية الثانوية العامة أو البكالوريا (أسمي هذا اليوم الحجر اللغوي) فكانت لي نتيجة لذلك علاقة حميمة بتلك اللغة. وسأخبرك بشيء ربما ستتعجب منه. عندما كنت في أمريكا في السبعينات وكنت أرسل إلى أخي في قرية عوسجة في تونس رسالة كنت أكتب العنوان على الظرف باللغة العربية وأضع فقط إسم تونس بالانكليزية. فأنا في ذلك الوقت لم تكن لي نظريات في قضية اللغة بل وجدت نفسي تلقائيا استخدم لغتي وأكتب فقط اسم تونس بالإنكليزية حتى يفهم ساعي البريد إلى أي دولة تُبعث الرسالة. ولاحظت أن التونسيين الذين لم يدرسوا باللغة العربية حتى الثانوية العامة على الأقل، وهم الأغلبية، فإن علاقتهم باللغة العربية متذبذبة كما أنهم يفتقدون خاصة لما أسميه التعريب النفسي.
○ بعد تجربتك الطويلة في تشخيص حالات الانفصام في علاقة التونسي والمغاربي بلغته الأم أي العربية ما النتائج التي توصلت إليها؟ أين يكمن الخلل بنظرك؟
• عندما تدرّس بلغتين معا فأنت كتونسي وكمغربي وكجزائري تضع نفسك أمام نوع من التمزق. هناك كتاب نشر بالإنكليزية لرفائيل باتي، عنوانه «العقل العربي» يشير إلى أنه في المدارس التي تدرّس بلغتين في تونس فإن أعراض ذلك التمزق تظهر في بعض المعالم وهي شخصية منفصمة لأنها تملك ثقافتين وهي في الحقيقة لا تنجح في الانتماء لأي واحدة منهما بشكل كامل فهي تكره مثلا الاستعمار الفرنسي لكنها ترحب بلغته وثقافته وهذا ينعكس سلبا على تماسك الهوية العربية لخريجي هذا النظام التعليمي الثنائي اللغة، حيث حيث تفضل اللغة الفرنسية في تدريس المواد العلمية.
○ إذن فإن التعليم المزدوج أي بلسانين حسب رأيك هو ما يسبب ما تسميه باعاقة اللغة وارتباك الهوية. هل تعتقد أن الحكومات المغاربية هي المسؤولة عن الحالة التي وصلت إليها اللغة العربية في الشمال الأفريقي؟
• ان التكوين اللغوي للنخب في المجتمعات المغاربية يفضل عموما اللغة الفرنسية على العربية. ويعود ذلك لفقدان أو ضُعف ما أُسميه الحجر اللغوي في المدارس المغاربية. ويعني مفهوم الحجر اللغوي هو التدريس فقط باللغة العربية/الوطنية جميع مواد ومواضيع الدراسة في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية على الأقل. فالحكومات تقودها تلك النخب المغتربة لغويا التي لا يُنتظر منها التحمس والقيام بقرارات حاسمة لصالح اللغة العربية بسبب إعاقة الحجر اللغوي. وبالتالي فالحكومات والنخب المغاربية هي المسؤولة الكبرى عن وضع اللغة العربية غير السليم. وبهذا الصدد، يلاحظ في المجتمعات الأوروبية أن نظم تعليمها تعلّم تلاميذها اللغات الأجنبية لكنها لا تدرّسهم بها. أي أن تعلّم اللغات الأجنبية لا يعني ولا يُوجبُ التدريسَ بها في تلك المجتمعات. أما نظام التعليم في المجتمع التونسي، مثلا، فيعلّم التلاميذَ اللغة الفرنسية ويدرّسهم بها اليوم ابتداء من المرحلة الثانوية المواد العلمية مثل العلوم الطبيعية والرياضيات والفيزياء بدلا عن اللغة العربية/الوطنية. ومن ثم، نشأت عقلية تونسية جماعية مصابة بوسواس قهري يجعلها لا تكاد تفرق بين تعلّم اللغات الأجنبية والتدريس بها فأصبحت تنظر إلى تدريس المواد العلمية باللغة العربية على أنه عينُ التخلف بينما يؤكد البحث العلمي الموضوعي أن اللغات تتقدم وتبلغ أعلى قدراتها في التعبير الشفوي والكتابي عندما تُستُعمِل بالكامل في جميع الميادين والأشياء في الحديث والكتابة في مجتمعاتها. تلك هي المعادلة الحقيقية لتقدم اللغات التي تثبتها بقوة علوم اللغة واللسانيات. وترجع أزمة العربية في المجتمع التونسي إلى خطأ خير الدين باشا في قرار التدريس باللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية بدلا عن العربية جهلا علميا (أو عمدا) منه بالآثار السلبية على اللغة العربية وهوية خريجي هذه المدرسة وما شابهها بعد الاستقلال.
○ قلت مرة ان بورقيبة لم يكن وطنيا من الناحية اللغوية والثقافية لو تشرح لنا المقصود بذلك؟
• إذا كانت العربية هي اللغة الوطنية الوحيدة للبلاد التونسية كما يشهد على ذلك دستور البلاد، فبورقيبة لام الوزير محمد مزالي على سياسة التعريب وكان يستعمل الفرنسية بدلا عن اللغة العربية/الوطنية في خطبه وأحاديثه مع الرؤساء الأجانب الذين لا يفهمون الفرنسية. إذن، يصعب وصفه بأنه صاحب وطنية لغوية. يفيد التحليل أن بورقيبة والنخب التونسية ضعيفة الصداقة للعربية والإسلام إذ توجد علاقة قوية بين الاثنين. فقوة الانتماء إلى الإسلام تحفز الناس كثيرا على الرغبة في تعلّم اللغة العربية. يعود ذلك إلى طبيعة تصاحب الإسلام واللغة العربية في مسيرة انتشار الإسلام في ما يسمى اليوم العالم العربي. يرى عديد المفكرين أن سرعة تعريب لسان سكان الوطن العربي تمت بسبب دخول تلك الأقوام في الإسلام الذي عجّل أيضا في اندثار اللغات الأخرى. وهي ظاهرة لم تحدثها الغزواتُ السابقة للفتوحات الإسلامية. أي أن عامل الدين الجديد (الإسلام) حاسم في عملية الترحيب بلغة القرآن واحتضانها منذ قرون كلغة تواصل وكتابة وتأليف في شتى العلوم التي ازدهرت في الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس وفي المشرق والمغرب العربيين. هناك ما يشبه المعادلة في العلاقة بين الإسلام واللغة العربية: فالتمكُّن الصلب والراسخ في منظومة العقيدة الإسلامية وقوة الانتماء إليها هي مواصفات تحفز المسلمين على حب اللغة العربية والاعتزاز بها والدفاع عنها. وفي المقابل، فضُعف أو فقدان تلك المواصفات طالما يقود إلى علاقة ضعيفة مع اللغة العربية، كما تشهد على ذلك الحالة التونسية لدى الرئيس بورقيبة وكثير من النخب التونسية.
○ تشهد عدة دول أفريقية ما وصفها الرئيس الفرنسي بعدوى الانقلابات وترفع معظمها شعار معاداة الوجود الفرنسي في القارة. كيف تنظر كعالم اجتماع إلى ما يحصل في أفريقيا؟ وهل تعتقد ان ما يحدث هو مقدمة لتحرر الأفارقة من الهيمنة اللغوية للفرنسية على قارتهم؟
• بالنسبة للانقلابات في القارة الأفريقية، ينبغي القول إنها ذات منافع ومساوئ. يمكن الحديث عن ثلاثة أصناف من الانقلابات: انقلابات عسكرية على نظم مدنية وانقلاب العسكر على العسكر كما هو الحال في السودان وانقلاب مدني على حكم مدني كما هو الوضع في تونس. إذن، فتعدد أنواع الانقلابات في القارة السوداء يمثل ظاهرة. على المستوى السيئ، فهي لا تبشر بخير لمسيرة الديمقراطية في تلك المجتمعات. ومن ثم تقلّل من فكرة الأمل الكبير الذي يتحدث عنه الكثيرون بالنسبة للقارة.
أما بالنسبة لتحرر تلك المجتمعات من اللغة الفرنسية فالأمر ليس بهين إذ الفرنسية هي اللغة الرسمية في تلك البلدان وتعويضها بالإنكليزية أو بلغات محلية مسائل عويصة لا يمكن تحقيقها إلا بعد عقود إذا نجحت فعلا سياسات التحرر في البلدان الأفريقية.
○ تعددت حالات حرق المصحف في دول مثل السويد والدنمراك. ما قراءتك لقيام أفراد من أصول عربية يعيشون في تلك الدول بمثل تلك الأفعال؟
• ان سلوك حرق المصحف في تلك البلدان قام به مواطنون غربيون أو عرب استقروا فيها. يُفسر العدوان على المقدسات بعاملين رئيسيين: فقدان السلامة النفسية لدى المعتدي أو تربيته الثقافية نحو رفض الآخرين الذين يختلفون معه في العقيدة وفي الرأي وفي النظرة للأشياء. فبالنسبة لعلاقة الغربيين بالإسلام فهي علاقة عداء موروث ثقافي طويل العمر تجلى منذ الحروب الصليبية وازداد قوة مع هيمنة الغرب على العالم العربي الإسلامي في العصر الحديث. هناك عاملان ثقافيان رئيسيان يساعدان على إمكانية التقارب والتحاور بين الناس والمجتمعات، يعطي هذان العاملان تفوقا للعرب والمسلمين على الغربيين المسيحيين في الرغبة في الحوار:
1ـ اللغة تسهل فتح أبواب التقارب والتواصل بين الأفراد والمجموعات. فمعرفة لغة الآخر هي تأشيرة خضراء للدخول من البوابة الواسعة للاحتكاك به والتعرف عليه ومن ثم، يمكن القول بأن حوار الثقافات بين العالم العربي، من ناحية والعالم الغربي من ناحية أخرى، يتطلب في المقام الأول من الطرفين معرفة لغات بعضهما البعض. وهذا العامل اللغوي ضعيف الحضور والانتشار في المجتمعات الغربية على المستوى الشعبي وحتى النخبوي. وربما ينطبق هذا أكثر على المجتمع الأمريكي ليس بالنسبة لفقدانه لمعرفة لغات العالم العربي فحسب بل أيضا في ضُعف معرفته للغات الأجنبية بصفة عامة.
وعلى العكس من ذلك، فإن لنخب وشعوب العالم العربي معرفة واسعة ومتمكنة أحيانا بلغات المجتمعات الغربية المتقدمة وفي طليعتها اللغتان الإنكليزية والفرنسية.
إن هذا الواقع اللغوي يهيئ بالضرورة المجتمعات العربية ويعزز عندها هاجس التفتح والقدرة الفعلية على الحوار مع المجتمعات الغربية وخاصة الأكثر تقدما. أما المجتمعات الغربية المتقدمة فليس لها ما يحفزها على نطاق شعبي واسع على تعلم ولو لغة واحدة من لغات العالمين العربي والإسلامي الرئيسية (العربية والفارسية والتركية والأردية). إذ طالما يقتصر الأمر في أغلب الأحيان على تعلم بسيط لبعض لغات العالم العربي والإسلامي لعدد محدود جدا من الأفراد من العلماء والمستشرقين والدبلوماسيين ورجال الأعمال والاستخبارات.
2ـ الدين: إذا كان العرب يتفوقون على الغربيين في رغبتهم للتحاور معهم بسبب معرفتهم للغات الغربية، فإن عامل الدين يمثل هو الآخر قطبا جذابا يشجع ويدفع الأغلبية المسلمة في العالم العربي والإسلامي إلى التحاور والتواصل مع الغرب المسيحي.
إذ يؤمن المسلمون بأن المسيحيين هم من أهل الكتاب، وبالتالي فالمسلمون يؤمنون بعيسى نبيا ورسولا.
أما بالنسبة لموقف أغلبية المسيحيين الغربيين من الإسلام فهو موقف سلبي على العموم. إذ لا تعتقد الديانة المسيحية في نبوة رسول الإسلام. وتأتي الرسوم المسيئة لصورة الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم) في الدنمارك وفرنسا والفيلم العدائي للقرآن والإسلام في هولندا كشهادات على جهل وعداء كثير من الغربيين للإسلام. ولا يمكن، في المقابل، تصور وقوع مثل تلك الإساءات إلى الرسولين موسى وعيسى عليهما السلام في أرض الإسلام سواء في العالم العربي أو الإسلامي.
○ في الأخير نود ان نعرف تصورك لمستقبل اللغة العربية في دول المغرب العربي وهل أن اللغة الأمازيغية تشكل تهديدا وتحديا للعربية في الشمال الأفريقي؟
• مثلما ذكرتُ في السابق، فالمستقبل السليم للغة العربية في مجتمعات المغرب العربي يعتمد بقوة على حضور التدريس باللغة العربية فقط في مراحل التعليم قبل الجامعي على الأقل، أي تطبيق مفهوم الحجر اللغوي بالكامل. أما بالنسبة للغة الأمازيغية فهي لغة وطنية في الجزائر والمغرب نظرا للعدد الكبير للمتحدثين بها خلافا للعدد القليل جدا في تونس. فتعايش العربية مع الأمازيغية في المجتمعين المغربي والجزائري أمر وطني ينبغي حمايته بسن قوانين وسياسات لصالح كل منهما. فالأغلبية الساحقة للمواطنين الأمازيغ مسلمة ما يجعلها ترغب في تعلم العربية والحديث بها في هذين المجتمعين اللذين تحتل فيهما اللغة العربية المكانة الأولى في الحياة العامة وفي الميدان الكتابي على الخصوص. وبعبارة أخرى، فاللغتان سوف تزدهران باستعمالهما المكثف بدلا عن الفرنسية في المناطق المتحدثة بالأمازيغية والعربية في بقية القطر الجزائري.