يكشف الدكتور محسن بوعزيزي الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدّوحة، وأمين عام الجمعية العربيّة لعلم الاجتماع سابقاً في هذه المقابلة أن ما يحدثُ في عصرنا الراهن، يُعلنُ هويّة مستقبل العالم بدءا من هذه الجائحة، فالكلفة النفسيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة قد تكون باهظة. ويضيف أن العالم سيواجه بعد هذه الهزّة التي أوقفت كلّ تدفّقه، وقطَعت جلّ شرايينه الاقتصاديّة، حقيقة هشاشته، وإمكانية تعطّل الحياة البشرية في أي لحظة، حيث أنه بعد مجتمع الجائحة قد لا تعود الحياة كما كانت عليه قبله، وستوضع أسئلة جديدة عن مستقبلنا الهشّ، وكيفية توقّعه، وسيزداد اقتصاد الخوف قوّة وتحكّماً في الأسواق. لكنه يعتبر أن الجائحة تكشف عن وجود مؤشّرات على عودة الأسرة كبنية اجتماعيّة، وعلى عودة الحميمي والخاص، ومعها يتكثّف مفهوم السّكن بالمعنى الرّوحي للكلمة. ويرى عالم الاجتماع أن العالم العربي لم يكن مهيّئاً لمواجهة الكوارث، ولم تكن لديه تقاليد مؤسّسية لمثل هذه الظّرفيات، وهو ما يعكس تراجع الثّقة بالدّولة لأنّها لم تكن قادرة على حماية مواطنيها، فقد كانت على درجة من الوهن إلى الحدّ الذي شعر المواطن أن ليس له دولة، خاصة إذا كان مقيما خارجها.
الدكتور بوعزيزي يستنتج أن هذه الجائحة ستأخذ المجتمعات العربيّة، إلى أزمة مشابهة (1929) ولعلّها أخطر، خاصة تلك التي تشهد حروباً أو حراكاً أو ثورة، حيث سنشهد رحلة وعرة جراء سنوات من الفوضى وعطالة بعض المؤسسّات المنتجة، وإكمال غلق ما تبقى منها خلال فترة الجائحة.
وفي ما يأتي نص الحوار:
* بداية كيف تقيّمون سياسات الدّول، تحديدًا العربيّة في التعامل مع الجائحة؟
**العالم العربي لم يكن مهيّئا لمواجهة الكوارث، ولم تكن لديه تقاليد مؤسّسية لمثل هذه الظّرفيات، ثمّ إنّ مختلف أقطاره تواجه اليوم أزمة بنيوية غير مسبوقة، في ظرفيّة تبدو مواتية لإعادة إنتاج الهيمنة لمن أمتلك عناصرها، وتوزيع خريطة العالم على نحو مختلف. لقد أتت الجائحة على ما تبقى من عناصر التماسك في الكثير من المجتمعات العربيّة، وفضحت مواطن الخلل والوهن فيها، وأهمّها السلوك العشوائي والقدري وغير المعقلن إزاء الجائحة، ممّا يجعلها مفرداً تأثيرها الجمع، لتكون سبباً في جوائح أخرى اجتماعيّة واقتصاديّة، وحتّى أخلاقيّة. تنقصنا بنية مؤسّسيّة للتعامل مع العارض، ومع غير المتوقّع من مخاطر وهزّات. أمّا الدّول القويّة فيبدو أنّ الجائحة كانت بمثابة الاختبار لإعادة إنتاج الهيمنة وتوزيع القوّة عبر الحروب العسكريّة والاقتصاديّة. ثمّ إنّ السؤال لمواجهة الجائحة كان اقتصاديّاً وسياسيّاً ولم يكن إنسانيّاً، طغت فيه تجارة الدّواء لتعوّض إلى حين تجارة الأسلحة. من سيصل إلى اللّقاح قبل غيره ليستثمر في صحّة الإنسان، ويجعله عنصراً من عناصر التّحكم في الأسواق؟ لذلك أقول إنّ قيمة الإنسان كانت الأكثر هشاشة وغياباً. المفارقة هنا أنّ الدّول الاشتراكيّة التي تقوى فيها نزعة التحكّم والانضباط وحتّى الاستبداد، كانت أكثر نجاحاً في مواجهة الفيروس، أمّا الدّول الغربيّة ذات النزعة اللّيبراليّة، وبسبب تهميش القطاع العام، وهيمنة منطق السّوق والرّبح، فلم تكن مهيّأة لحماية مواطنيها.
* البعض يعتبر أن الأوبئة الكبيرة تخلّف تغيّرات هائلة في ثقافات وسلوكيات المجتمعات وتنتج معاني جديدة. فهل لها فعلاً هذه القدرة على الفعل فينا أم أنّها مجرّد لحظة عابرة؟ وكيف تفهم التهافت على التّعقيم؟
** ليس التّغيير الثقافي والاجتماعي في الوباء بمستبعد، فلنا في التّاريخ شواهد على فعله، فقد يقلب الأحوال فتتبدّل بالجملة، كما هو الشأن لذلك الوباء الذي حلّ في المئة الثّامنة للهجري، وشهده ابن خلدون، أي منذ ما يزيد عن السّتة قرون، ومن جرّائه انقلبت أحوال المغرب، وتبدّلت بالجملة بفعل طاعون جارف ذهب بأهل الجيل وطوى محاسن العمران. وبعد ابن خلدون بخمسة قرون تقريباً، يظهر وباء، الكوليرا، ويسمّى في الحجاز “الرّيح الأصفر”. فمُنعت الخُلْطة، أي التباعد الاجتماعي بمفهوم اليوم، واستعملت لفظة “التحفّظ” التي قد يرادفها “الحجر” لمن عاد من صفر أو أصابه الوباء.
لذلك قد لا نكون إزاء لحظة عابرة، بل سنشهد لحظات من الطوارئ الدائمة طيلة العشرية القادمة، لأنّ أسباب الجائحة لا تزال قائمة ولعلّها في بداياتها، ومنها انتهاك الطّبيعة ومعها الإنسان. لذلك أفترض أن تأثيرها سيكون عميقاً.
هناك معنى آخر أظهرته الجائحة هو تراجع الثّقة بالدّولة لأنّها لم تكن قادرة على حماية مواطنيها، فقد كانت على درجة من الوهن إلى الحدّ الذي شعر المواطن أن ليس له دولة، خاصة إذا كان مقيما خارجها. والمشكلة مرّدها في ثقافة السّوق التي انتهجتها الدّولة، فلا تعير اهتماماً إلاّ إلى الرّبح، هذه الثّقافة تبيّن أنّها حقّقت بعض المكاسب، ولكنّها تكاد تُلغي ما هو أساسي في الحياة، كالهواء النقيّ، وأجهزة التنفّس، ومواد الغذاء الأوّليّة. السّوق دفع باتجاه صناعة الموت، ممثّلة في أرقى أسلحة الدّمار الشّامل، فلم يجد حيّزاً كافياً لصناعة الحياة. الأسلحة النوويّة، الأقمار الصّناعيّة، الأسلحة البيولوجيّة، غزو الفضاء، كلّ هذه الصّناعة المتقدّمة، أصبحت أجهزة التنفّس والمواد الأوّليّة للغذاء أهمّ منها وأكثر ضرورة في هذه الفترة. وهنا بالذّات تكمن الهشاشة الإنسانيّة والأخلاقيّة، حين يُتداول الحديث عن مناعة القطيع، بما في ذلك من إمكانيّة التّضحية بالضّعاف من الجيل الأكبر سنّاً أو المرضى، أو الفقراء، عوض العناية الخاصّة بهذه الفئات الهشّة. وهذا هو السّقوط الأخلاقي الذي فضحته الجائحة.
* هل التباعد الاجتماعي حالة مؤقّتة؟ أم أنه قد يترسخ فيتحول إلى تباعد إنساني واجتماعي وثقافي وطبقي؟
** التباعد الصّحّي يخلق الآن تباعداً اجتماعيّاً وطبقيّاً. فالأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يزدادون فقراً، ومن كان متوسّط الحالة في السّلميّة الاجتماعيّة، نزل إلى ما دون تصنيفه قبل الجائحة. خريطة الفقراء تتوسّع وتزداد الطّبقة الوسطى ضيقاً لتنهار معها، في بعض البلدان على الأقل، الإدارة التي تمثّل عصب المجتمع وعموده الفقري، لأنّ الطبقة المتوسّطة هي التي كانت تحافظ على تماسك الإدارة. وفي بداية انتشار الجائحة بدا القرب موتاً والتباعد حياة، وإذا العدوى قاب قوسين أو أدنى. لذلك انسحبت البشريّة وراء الأبواب المغلقة لعدّة أشهر، انسحابا يُنذر بتغيّر عميق نتصوّره ونُدركه ولا نراه. ولم يبق منهم خارجاً إلاّ الجيش والأمن وأعوان الصّحة، ومن لا مأوى لهم إلاّ الشّوارع من المشرّدين والجياع والأطفال الذين لا سند لهم. فما فرضته ظرفيّة الجائحة من “تباعد اجتماعي” ويُراد به التباعد الصّحيّ تجنّباً للعدوى، ينزع إلى إحداث تصدّع اجتماعيّ، وأفهم التصدّع من زاوية ما ينجم عنه من شقوق في النّسيج الاجتماعيّ، وفي الأنساق الرّمزيّة. لقد حدث شيء ما خلال هذه الفترة، سيكون له ما بعده، خاصّة أنّ الجائحة الوبائيّة تأتي، على الأقل في تونس، وفي بعض المجتمعات العربيّة، إثر ثورة مثّلت رجّة أولى في الثّقافة والمجتمع، تلاها هذا التصدّع الذي يبدو وقعه أشدّ، إذ قد يهزّ بنية رخوة مهيأة للتغيّر بأثر الفراشة. الأمر سيكون مختلفاً وقعه على المجتمعات التي لم تشهد الثّورة، هذه المجتمعات ستكون أقلّ استعداداً للتغيّر لأنّ بناها الاجتماعيّة والتاريخيّة والثّقافيّة لا تزال صلبة. أمّا مجتمعات الثّورة فإمكانيّة القطيعة فيها باتت أيسر، فبينها وبين القطيعة قشرة رقيقة من الواقع. للثوّرة فعلها وللجائحة آثارها، الأولى تعود على ذاتها تفكّكها، إلى هذا الحدّ أو ذاك، أمّا الثّانية فستستأصل ما تبقّي، وتأتي على المنطقة الرّماديّة فتمحوها، منطقة البين – بين، لأنّها تُصيب كلّ شيء، الحياة والموت والاقتصاد والسّلطة والقيم، ولعلّها ليست رحيمة إلاّ بالبيئة، على الأقل مع هذه الجائحة. فالجائحة تحيل إلى التأثير الجذري الذي يطال كلّ شيء، وآثارها العميقة رهينة مدّتها. وفي الاستعمال الاجتماعي تُستخدم لتحيل إلى الآفة العظيمة التي لا تُبقي ولا تذر.
* هل كان تأثير الجائحة على البنية الاجتماعية عميقاً إلى درجة أننا سنتوقع منه حدوث تحوّلات مفصلية في النظم الاجتماعية؟
**لا ندري على وجه الدقّة عمق تأثير هذه الجائحة، ولكن هناك مؤشّرات على عودة الأسرة كبنية اجتماعيّة، وعلى عودة الحميمي والخاص، ومعها يتكثّف مفهوم السّكن بالمعنى الرّوحي للكلمة. الحياة المنزليّة بما فيها من معاني القرابة تقوى: نومٌ وحلم وقراءة وكتابة وحب، على الأقل في الأشهر الأولى للجائحة حين ازداد الهلع وبلغ تفشي الوباء ذروته في بعض البلدان. فالجائحة تدفع باتجاه ربط الإنسان بمحيطه الطبيعي والاجتماعي في سياق من الانسجام، وضبط للحدود يضمن استمرارية الكون وتوازنه. وإذا ما كان الخطر اليوم بيولوجياً، فقد يكون في الغد القريب اتصالياً وإعلاميّاً تنهار فيه المنظومة المعلوماتيّة، وربّما يأتي من الذّكاء الاصطناعي، وقد يكون من الطبيعة التي أضحت ترسل إشارات منذرة بكارثة قادمة إن لم ينته الإنسان من تدميره للنّظام البيئي استجابة لجشعه ونرجسيته. ممّا يدفع باتجاه مراجعة المنظومة القيميّة العالميّة، فلقد تبيّن هشاشتها، بمقدار هشاشة الحياة التي يمكن أن نفقدها في كلّ لحظة بطريقة غير متوقّعة. سيكون الإنسان، وليس الفرد أو الفاعل الاجتماعي، بعد هذه الصّدمة التي أغلقت مدن العالم ومطاراته ومسالكه التّجاريّة، وفرضت على البشر المكوث في بيوتهم، محور سؤال المستقبل، مستقبليات إنسانيّة وفلسفيّة وبيئيّة تقوم على رؤية للبشر بوصفهم عوامل تغيير سليمة لطيفة وعادلة ترتقي بوعي وتتحمّل مسؤوليّة الحفاظ على التوازن البيئي، بين البشر والأرض والكون.
* هناك من يعيش حالة هلع مستمرّة بسبب الأنباء المتداولة عن الجائحة. ما توصيف خبراء علم الاجتماع لهذه السلوكيات؟
**شيء طبيعي أنّنا نخاف على أنفسنا، لأنّنا نحب أن نحيا في أمان، غير أنّ المشكلة في التخويف. الخوف طبيعي والتّخويف ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ واقتصاديّ. يخوّفوننا من الجائحة لتحقيق مكاسب سياسيّة، ومنها الخضوع والكفّ عن المطالبة بالحقوق، ولتحقيق مكاسب اقتصاديّة وتجاريّة فنستهلك أكثر مواد التعقيم والتّطهير والتّكميم. والتّكميم هنا منظور إليه بالمعنيين المادي والرّمزي. ولنشعر أنّنا دائماً في خطر، وفي حاجة إلى سلطة تحمينا حتّى إذا كانت غاشمة، ممّا يعني أنّ الجائحة تخلق السّلطة والهيمنة وتجدّد الحاجة إليها. وعلى وجه العموم يبدو لي أنّ الذّعر أصاب الجميع، بل لعلّ الفقراء كانوا أقلّ ذعراً، واقترب البعض إلى فكرة الموت بعد أن عايشوها عن قرب، ممّا جعلهم يتشبّثون أكثر بالحياة. ولقد تبيّن أنّ في الجوائح والأوبئة المعدية لا يجد الميّت فرصة ليتمسّك بتلابيب الحيّ، فيموت لوحده دون طقوس الوداع المألوفة لدى البعض منّا.
الخوف والتخويف في كلّ مكان، فهو يتسرّب في كلّ شبر من بيوتنا ومدننا: من الشّوارع المظلمة، ومن شاشات التلفزيون، ومن غرف نومنا، ومن مطابخنا، ومن أماكن عملنا، ومن قطارات المترو التي نركبها ذهاباً وإيّاباً، ومن النّاس الذين نقابلهم، ومن أولئك الذين عجزنا عن ملاحظة وجودهم، ومن أطعمة أكلناها، ومن أشياء لمسناها، ومن الطّبيعة القادرة على تدمير بيوتنا وأماكن عملنا، وعلى التهديد بتدمير أجسادنا، أو من أناس غيرنا، حيث تنتشر كلّ لحظة الأعمال الوحشيّة الإرهابيّة، وجرائم العنف، والطّعام السّام، والهواء الملوّث والماء الملوّث.
* هل هناك وعي كاف بخطورة الفيروس؟
** أعاين اليوم في تونس وفي المجتمعات العربيّة التي زرتها مؤخّراً، نوعاً من الصّعوبة في قبول شرط التّباعد، ممّا أدّى إلى نوع من التخلّي شبه الكامل عن أسباب الوقاية من العدوى. عادت المصافحة كما كانت، وإذا أبديت رغبة في تجنّبها عُدّ ذلك احتقاراً وترفّعاً منك عن غيرك. ثقافة التحيّة عندنا معياراً لمتانة الرّوابط ومكثّفة بأنسجة رمزيّة يصعب التخلّي عنها بسرعة. هناك مصافحة بالأنف بما في ذلك من قرب وأنفة، وهناك مصافحة بالتقبيل بالبوس مراراً، تصل في بعض المناطق الستّ علامة على متانة الرّوابط. هذه الحميمية في التحيّة تغيب لدى الإنسان الغربي الذي يبدو متقشّفاً فيها.
* في رأيكم كيف ستبدو المجتمعات بعد كورونا؟ وهل من مفاهيم جديدة ممكنة معرفيّاً؟
**لعلّ ما يحدثُ، يُعلنُ هويّة مستقبل العالم، بدءا من هذه الجائحة، التي كشفت، وتكشف أنّ أسئلة المستقبل، في جانب منها، سترتبط بما يحدثُ الآن، فالكلفة النفسيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة قد تكون باهظة. نعتقد أن “الأيكولوجيا” الاجتماعيّة ستكون سؤالاً ملحّاً لأنّها تثير علاقة الإنسان بالبيئة، وخاصّة الإنسان الاقتصادي والصّناعي الذي يعمل، بالقصد أو بدونه، على تدبير الحياة الطّبيعيّة. وسيظلّ هاجس التعقيم قائماً، وهذا على سبيل الحدس، طيلة العشريّة الجارية، لأنّها عشرية جوائح متعاقبة طبيعيّة ومناخيّة واقتصادية وحربيّة. لن يهدأ العالم قبل أن تتّضح خريطة القوّة ونستقرّ على توزيع جديد للهيمنة. والأقوياء لا يتسابقون من أجل حياة الإنسان وسلامته الصّحيّة، بل من أجل التحكّم والسيطرة. الشّغل الشّاغل اليوم من سيكون السّبّاق في اكتشاف اللّقاح، وهذا السّباق يذكّر بالتّنافس خلال الحرب العالميّة الثّانيّة على من سيصل قبل غيره إلى إنتاج القنبلة النوويّة. المشهد تقريبا هو نفسه لأنّ العالم في مخاض، جرّاء بروز قوى جديدة تطالب باستحقاقات القوّة. وأين نحن في هذا السّباق من فكرة التّضامن من أجل حماية الإنسان؟
وبعد مجتمع الجائحة قد لا تعود الحياة كما كانت عليه قبله، ستوضع أسئلة جديدة عن مستقبلنا الهشّ، وكيفية توقّعه، وسيزداد اقتصاد الخوف قوّة وتحكّماً في الأسواق. وقد لاحظنا مقدار تهافته على مجرّد سائل مطهّر، الذي ما إن يتوفّر حتّى ينفد من الأسواق، إذ يُخطف خطفاً من قبل البعض، بدون التّفكير في الآخرين، فما يوجّه سلوكهم هو شعار: “لا تحسب حساباً إلاّ لشؤونك” ممّا يدعم فرضية تقوية النزعة الفردية حتّى في مجتمعاتنا العربيّة.
وقد تحدث هذه الجائحة تصوّرات جديدة للحياة، وقد تخلق معرفة مختلفة تقطع مع السائدة، خاصة تلك التي تقوم على الكمّي الإحصائي، فتُنهي الكثير من “البراديغمات” الموجودة، والتي تعود في أغلبها إلى القرن التّاسع عشر، كالوظيفية والبنيويّة والحداثة، تعلّقاً بما بعد الحداثة التي تقوم على الهشاشة وعدم البقين والاحتمالي. وأوّل الأسئلة كيفية التعايش مع الخطر المحدق بنا، والذي قد يكون فيما نرتديه من ثياب، وفيما يصلنا من رذاذ الآخرين: فأجساد الآخرين قد تكون فخّاً للموت. ونعتقد، على المستوى المعرفي أنّ مفهوم العولمة سينتهي لتسود مفاهيم أخرى من قبيل الهش والمتقلقل، وغير المؤكّد، والملتبس.
سيكون على العالم بعد هذه الهزّة التي أوقفت كلّ تدفّقه، وقطَعت جلّ شرايينه الاقتصاديّة، أن يواجه حقيقة هشاشته، وإمكانية تعطّل الحياة البشرية في لحظة. وليس هذا ببعيد، إذ يكفي أن تعجز المختبرات العلميّة المتطوّرة عن إيجاد لقاح لهذا الفيروس المندفع نحو رئة الإنسان لخنقه لتنتهي أسطورة العالم المفتوح. سيعرف العالم حدود إمكاناته، ليبدأ مواجهة الحقائق الموجعة، بعد هذه الصّفعة المدهشة. إنّه فيروس جاء ليستفزّ أخلاق العالم القويّ، فيتساءل عن منظومته القيميّة. ويُدين، ضمناً، قيم الأقوياء حين أساؤوا للطّبيعة، وهتكوا سحرها على نحو لا معياري. قد يعود، إذاً، سؤال الأخلاق بعد أن نُزع السّحر عنه، ولو إلى حين، جرّاء تخويف الأفراد على حياتهم من قبل “خبراء” تدبير الموت والحياة.
* هل هناك أولويات ترى أنّه لا بدّ على الجميع أن يهتمّ بها؟
** أعتقد أنّ المطلب الأساسي هو العدالة الاجتماعيّة لمقاومة الجائحة، فلقد شاهدنا من يموت جوعا، ومن لا يجد قوت يومه بسبب هذه الجائحة، وهناك من فقد موطن رزقه، ومن لم يستطع أن يشتري كمّامة أو مواد تعقيم، وهناك من لا يلقي موتا كريما لأنّ الفيروس كان سبب موته. المطلب الثاني الملحّ هو ردّ الاعتبار لقيمة الإنسان التي يكاد يهمّشها منطق السّوق. والمطلب الثالث أخلاقيّ وعاطفيّ، يدفعنا إلى أن نمنح وزنا للأخلاقي ونوقظ المشاعر، ونكثّف معنى التضامن الكوني عوض الصّراع. ثمّ أوّلا وأخيرا أن نضع حق الحياة في سلّم أولويات البشريّة عامّة. فمن أبسط حقوقنا أن نحيى وأن نتنفّس هواء نقيا صافيا بلا فيروسات وبلا تلوّث قاتل.
* ماذا عن أسئلة المستقبل في العلاقة بالجائحة وكيف السبيل إلى تجاوز التحدّيات المستجدّة، خاصة بالنسبة للدول العربيّة؟
** سنرى آثار الجائحة بعد سنوات، فما يقع اليوم ليس سوى مؤشّرات للمستقبل. أيّامنا القادمة تتشكل ملامحها الصّعبة اليوم. مع أنّ بعض المجتمعات مهدّدة منذ الآن بالانهيار إلى حين. ففرضيتي، وانطلاقا من مؤشّرات اليوم، تدافع عن فكرة مفادها أنّ مجتمعات الثّورة ستشهد انهيارات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة، انهيارات ستكون ناجمة عن ارتفاع بالغ في معدّلات البطالة، وترتبط بتقهقر فعلي في مستوى الإنتاج، أكبر بما لا يُقاس بأيّ وقت سابق. سؤال المستقبل يأخذنا إلى الماضي أيضاً لنتذكّر، بحثاً عن العبرة، ما حدث من كساد كبير إثر أزمة 1929. وظنّي أنّ هذه الجائحة ستأخذ المجتمعات العربيّة، إلى أزمة مشابهة، ولعلّها أخطر، خاصة تلك التي تشهد حروباً أو حراكاً أو ثورة، سنشهد رحلة وعرة جراء سنوات من الفوضى وعطالة بعض المؤسسّات المنتجة، وإكمال غلق ما تبقى منها خلال فترة الجائحة. ستحدث البطالة المتفاقمة التي ستقارب ربع السّكان في بعض المجتمعات، قلقاً وتوتّراً اجتماعياً كبيراً، يُضاف إليها انهيار الكثير من المؤسّسات الحيويّة، وستكون مشكلة الدّيون عائقاً كبيراً أمام أيّ محاولة تنمويّة. الحلّ في رأيي، وبعيدا عن طوباوية فكرة التضامن الإنساني، هو البحث عن تكتّلات عربيّة جديدة، تعيد التوازن لخريطة القوّة. والحل الأهم هو أن تخلق هذه المجتمعات “تاريخانيتها” على معنى قدرتها على الفعل في ذاتها.
وبكلّ الصّور علينا أن نتهيأ لما هو أخطر، فقد خلطت الجائحة كلّ هذه الأوراق لتفرض منطقها ومفاجآتها. ولا أظنّ أنّها ستنتهي قريبا، بل إنّ العشرية القادمة قد تكون عشرية جوائح وهزّات وفيروسات كنتيجة طبيعيّة لاستباحة الأرض وانتهاك الأقوياء لشروط الحياة الآمنة. الطبيعة تدافع عن نفسها لتستعيد توازنها أمام هذا التخريب اللاّمعياري لنظامها.