إن استعمال الاسد للسلاح الكيميائي على مواطنيه في 21 آب/اغسطس لم يدع لواشنطن خيارا (للمرة الرابعة عشرة منذ كانت خطبة ‘الخط الاحمر’ لاوباما). وقد ذكّر ذلك اوباما، كما اعتقدنا، بأنه لم يرث الرئاسة فقط، بل ورث ايضا تركة امريكية، توجب عليه أن يعمل على مواجهة مستبدين يستعملون سلاحا مُحرما بحسب المواثيق الدولية. وقد فهم اوباما الذي فاز بجائزة نوبل للسلام كما اعتقدنا في سذاجة أن من أراد السلام فليستعد للحرب. لكن الامر عنده قد يكون عكس هذا وهو: من أراد الحرب فليستعد للسلام. إن 80 في المئة من الامريكيين بحسب استطلاع للرأي في الولايات المتحدة معنيون بأن يحصل الرئيس على موافقة من مجلس النواب قبل العملية. فماذا يكون اذا سلك مجلس النواب مسلك مجلس النواب البريطاني؟ وربما يكون هذا بالضبط ما يريده اوباما. يوجد ايضا استطلاع للرأي يقول إن 60 في المئة من الامريكيين يؤيدون الهجوم اذا وافق مجلس النواب. اذا قد يوجد هجوم آخر الامر. الى أين تدهورنا. إن دستور الولايات المتحدة في الحقيقة يُفوض الى مجلس النواب الخروج للحرب، بيد أن امريكا منذ كانت الحرب العالمية الثانية وهي ‘شرطية العالم’، عوّدتنا أن رئيس الولايات المتحدة يحتفظ لنفسه بصلاحية الحرب. لا اوباما يبدو أنه لم يأت ليغير العالم، فهو نتاج عالم متغير أصلا. بعد بضعة ايام سيشخص اوباما لحضور قمة الـ ‘جي 20’ في سانت بطرسبورغ. فهو يستطيع أن يمنح بوتين هدية رائعة من مجلس النواب مع ‘لا’ لهجوم على سورية، كما تطلب موسكو. بيد أنه يوجد وقت ولا يُحتاج أصلا الى اجتماع طارئ لمجلس النواب. ويمكن الانتظار حتى التاسع من أيلول/سبتمبر. إن بوتين هو المنتصر الأكبر حتى إشعار آخر. وقد أشار عضو مجلس النواب الديمقراطي شارلز رينغل من نيويورك أمس الى مبلغ احتمال أن تسير امريكا في طريق بريطانيا في التصويت، كما حدث في ليبيا بالضبط، في الحرب كما في ‘السلام’. لا يجب أن يكون مواطنو سورية فقط قلقين من خطبة اوباما، بل جون كيري ايضا. هل يقول مجلس النواب ‘لا’ بعد كل الكلام الجميل والمُلزم؟ فماذا سيفعل كيري؟ هل يستقيل؟ من حسن الحظ أنه توجد محادثات السلام بين اسرائيل والفلسطينيين التي توجب عليه البقاء. إن كيري، كما اعتقدنا، ألزم اوباما بالعمل. وليس هذا فظيعا لأن مجلس النواب يمكنه أن يُسقط هذا الالزام. يوجد في مجلس النواب مكان واسع لاولئك الذين يُجرون حسابا للرأي العام قبل كل شيء، فصدمة العراق في امريكا أقوى من صدمة السلاح الكيميائي. وستسير فرنسا التي تؤيد الهجوم ايضا بخلاف ما كانت عليه قبل عشر سنوات في العراق، على هذا الايقاع في البرلمان. فهناك ايضا تُنشر استطلاعات للرأي. إن 64 في المئة من الفرنسيين يعارضون الهجوم، ويريده فرانسوا هولاند. وسيقول له البرلمان هناك ايضا إنه لا يستطيع. ما أشد مأساوية هذا الامر كله: ينبغي أن نتذكر أن المعركة على الاسد هي المعركة على استعمال سلاح مُحرم ايضا. وفي عالم متغير، فان حق العالم – أو ربما واجبه المتنور أن يتدخل في دولة حينما تتم فيها جرائم موجهة على المدنيين، قد يصبح غير معمول به. يا له من درس في الصدق والاخلاق والنزاهة. لم يزد البرلمان البريطاني نفسه شرفا ايضا. وهذه بالضبط هي مأساة العالم. إن القرار البريطاني الى جانب ضعف الامم المتحدة، يُذكرنا بالعالم الذي نعيش فيه. فهو عالم يعبر عن فزع من صور اولاد قتلى، لكن معاذ الله أن يضر ذلك بالجعة أو الكرواسوه. ومن المهم أن نذكر أن الهجوم على الاسد يرسل رسائل ايضا الى طهران وبيونغ يانغ. وينبغي أن نفترض أنهم هناك يتابعون في اهتمام التصويت في مجلس النواب الامريكي. ومع هذا الايقاع سيضطرون الى أن يرسلوا الى المنتخبين مئات باقات الازهار. حتى إن كندا التي انضمت الى امريكا دائما في المعارك (الحرب العالمية الاولى والثانية والحرب الكورية وافغانستان والعراق) لا تسارع الى الحرب اليوم. تغير العالم ولم تعد الحروب موضة. فالعالم اليوم غير مستعد لقبول ضحايا مدنيين حتى لو كان الحديث عن جنود ايضا. ويعلم اوباما ايضا العالم الذي يعيش فيه. كانت في امريكا في الحقيقة سابقة جونسون في 1964، وهو الذي توجه الى مجلس النواب بمعلومة كاذبة كي يحصل على شيك مفتوح لعملية في فيتنام، لكن الامر مختلف جدا عند اوباما. فهو معني بعملية محدودة تكون ايضا بعد موافقة غير مضمونة أصلا من مجلس النواب. يستطيع بشار الاسد في هذه الاثناء أن يخرج من الملجأ تحت الارض. إن المواطنين السوريين هم الذين يجب أن يدخلوا الملاجئ حتى إشعار آخر.