المالك مرابط في الكثير من عمليات سبر الآراء التي تستهدف المواطن، وفي أكثر من دولة أوروبية حول انشغالاته الأساسية، تجد أن البطالة والصحة ثم مكان العطلة السنوية تحتل الكثير من الاهتمامات، ولا تحتل المسألة الأمنية أو ما يسمى الإرهاب إلا درجة متدنية في سلم أولوياته، رغم كل الأحداث والسيناريوهات التي يتناولها الإعلام. في حين تجد خطابات السياسيين – خاصة حين يكونون في السلطة – مشبعة بالمسائل الأمنية. ويبدو أن هذا يجعلنا نستنتج ولو بصورة سطحية، أن وعي المواطن في أوروبا ارتقى بما يكفي لكي لا يخضع للابتزاز. ولعل التجربة الأمريكية مع بوش الابن وتراجع حرية الأمريكي المقدسة والنزيف الفظيع في الأموال والأرواح – الذي لايزال مستمرا- يجعل أي شخص يشكك في خطابات التهويل.
تطرأ عليك هذه الاستنتاجات والمفارقات بسهولة لو توقفت قليلا عند قناة فرانس 24، المباشر وما تبثه القناة أحيانا من خطابات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حيث يمكنك أن تسمع جملة:’إننا نعيش في عالم خطير’. وللحقيقة أنا لست شخصا مولعا بالخطابات؛ وربما هي الصدفة التي جعلت الأمر يتكرر، أي انه وبالمصادفة – والحق الحق أقول- سمعت نفس الجملة في خطاب أمام الكونغرس الأمريكي على ما أذكر. وهذا يجعل الأمر مثيرا للاهتمام حين تسمع رئيسا فرنسيا يقول للأمريكيين وللإنكليز وغيرهم أن العالم مكان خطير. فلو قال الرئيس الفنزويلي هذا الكلام لبدا معقولا، لأن بلاده تعرضت في أكثر من مناسبة لعدوانية المخابرات الأمريكية وأطيح به هو ذاته كرئيس منتخب بالتواطؤ مع طابور أوليغاركي داخلي. ونفس الشيء بالنسبة لإيران التي لا تزال تدافع عن استقلالية قرارها وسيادتها منذ الاطاحة بالشاه.. وقس على هذا مع الكثير من الدول ‘التي في طريق النمو’. أما أن يأتي الأمر وبهذا الإصرار من رئيس دولة ديمقراطية صناعية تمتلك أحد أفضل الجيوش ولديها ترسانة نووية وتمتلك حق النقض و.. و الخ. فهذا الأمر يدفع أي شخص للتساؤل عن المقصود من كلمة (خطير)، حتى وإن لم يهتد إلى التفسير الصحيح.
لقد وقع رئيس الوزراء البريطاني مع نظيره الفرنسي اتفاقا عسكريا استراتيجيا قالت عنه الصحافة بأنه اتفاق تاريخي. وربما لأنه جمع بين عجوزين عدوين قديمين- وهذا لا علاقة له بمسؤولي البلدين الشابين بالطبع- ومن الواضح حسب المحللين أن طبيعة الاتفاق وفحواه، تتجه لدعم المكانة والوجود العسكري العالمي لكلا البلدين. فالأمر يتعلق بحاملات طائرات وصواريخ وما إلى ذلك. فكلمة خطير هنا تبدو غير دقيقة نوعا ما لأن هذه التوجهات العملية البراغماتية تسعى للحفاظ على ماء الوجه أمام القوى الصاعدة. فآسيا اليوم من شرقها إلى غربها ـ باستثناء الدول العربية بالطبع- أصبحت تقترب من أن تكون مركز ثقل العالم وعلى أكثر من صعيد. وبالتالي يمكن أن نفهم ‘الخطورة’، على أنها تراجع المكانة الدولية، خاصةمع المطالب المتكررة باجراء إصلاحات داخل مجلس الأمن، فدخول الهند واليابان وألمانيا والبرازيل و’ربما ممثل للعرب’ إلى حيث يحتكر حق الفيتو قد يزيد من الأعباء على دول لديها روح منافسة كبيرة، مثل فرنسا والمملكة المتحدة. فالأزمة الاقتصادية والإنفاق العسكري الاستراتجي أمران لا يلتقيان أو لا يتحابان. وربما يكون هذا احد أسباب كلمة (خطير) أي انه يجب إقناع الناخب، في دولة ديمقراطية، بالتضحية بشيء من الرفاهية. فلا بأس بتأخير التقاعد عامين آخرين إذا كانت هناك أزمة أو ثغرة في صناديق التقاعد. ويبدو ‘منطقيا” انه لا يمكن الربط بين التقشف في قطاع والإنفاق في آخر إلا باستعمال خطاب (تهويلي). إن الشيء الأكيد هو أن الإنفاق الاستراتيجي لا يمكن أن يكون موجها ضد ما يسمى الإرهاب، فسواء جاء التهديد من بلاد سقراط أو من مملكة بلقيس أو من ‘تورا بورا’ فهو لا يحارب بحاملة طائرات إلا إذا تم اعتماد المنطق الأمريكي أو البوشي بالأحرى. وحتى مشروع قوات للتدخل السريع فرنسية – بريطانية التي لم يوضحها لنا المحللون بشكل جيد ولم يتناولها الإعلام بشكل مفصل، تبقى من دون معنى إلا إذا وضعت في سياق شبيه بالتعاون العسكري الموريتاني الفرنسي لمطاردة أشباح في الصحراء كانوا حريصين على أن لا تقع بضائعهم المهربة كـ(سجائر المارلبورو) في يد من أغار عليهم، خاصة أن جملة قوات للتدخل السريع تبدو للوهلة الأولى غير متناغمة مع القانون الدولي. فالفكرة ابتعدت عن الجيش الأوروبي وعن الحلف الأطلسي ولا تريد على ما يبدو أن ترتدي قبعة زرقاء، مما يوحي بأن الفكرة بحد ذاتها خطيرة وتستدعي من المهتمين البحث والسؤال عنها بشكل أكثر تفصيلا.
إن الشيء الأكيد هو أن المسؤولين في أكثر من دولة غربية يتحدثون بطريقة مختلفة حتى وإن استعملوا نفس عبارات مسؤول دولة من العالم المتخلف. فكلمات مثل: إرهاب، خطير، قانون، حقوق إنسان، لا تعني نفس الشيء. فهي تحيك استراتيجيات في مكان وتعكس الضعف والتخلف والبلادة في أماكن أخرى. وللإنصاف نقول ان منطق ساركوزي هو الأكثر واقعية، حتى إن كانت النغمة الأنجلوسكسونية فيه مرتفعة نوعا ما. فقد أكد في لقائه مع نظيره الانكليزي ديفيد كاميرون، أنه لا يمكن مواجهة مشاكل القرن الواحد والعشرين بحلول من القرن العشرين. وربما المقصود هو الغيرة الفرنسية المبالغ فيها حينما يتعلق الأمر بالسيادة واستقلالية القدرة والقرار والمنظومة الدفاعية. وإجراء تجارب نووية ‘مخبرية’ مشتركة يعد سابقة في العلاقات الفرنسية الانكليزية حتى إن كانت قفزة بعيدة عن الحلم الأوروبي.
ولعل هذا النوع من الواقعية الجديدة لمواجهة العالم الخطير درس مفيد للدول المتخلفة كي لا تعول كثيراعلى الأمم المتحدة التي أصبحت مثل الدكان القديم بسلع فاقدة الصلاحية وتعلوها طبقات كثيفة من الغبار. فعالم اليوم أصبح يتحدد بناء على خطورته وليس على مثاليات القرن الماضي المثقلة بشعارات السلم والسلام. وإذا كانت الدول الصناعية بإمكانها وضع استراتيجيات تراهن على التفوق التكنولوجي لمواجهة خطر مجهول وغير معرف بدقة. فالأحرى بالدول المتخلفة أن تراهن على عنصرها البشري لمواجهة كل أشكال النقص أو التحدي أو الخطورة.. وأن تؤكد صلاحية السلم والقانون كمفاهيم تليق بالإنسان حتى إن تم رفسها من طرف العالم المتحضر.’ كاتب جزائري