عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.. الثورات العربية.. ومقتل بن لادن

حجم الخط
0

فراس قصاص في الحادي عشر من ايلول/سبتمبر من عام 2001 وبعد الانفجارات التي اصابت برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وما رافق ذلك من ضحايا وخسائر بشرية ومادية باهظة، اخذت ملامح عصر دولي جديد ترتسم بالافق، مستندة بالاساس وإلى الاعمق الى تفاعل التناقض بين صور الذات والاخر في الفضاء السياسي والثقافي الدولي بين طرفين رئيسيين، بين الغربي وسياساته التالية على قيمه ومصالحه من جهة، والمسلم العربي ومحيطه السياسي الصعب المحدد وفقا لثقافته وتدخل الخارج في شؤونه ونظرته للعالم من جهة أخرى.

في مستوى الاحداثيات الناشئ لعالم ما بعد الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، بدأ الاستقطاب يشتعل بين حدين اثنين، حد يمثله طرف أمريكي وبدرجة أقل أوروبي، قوي وغني ومتفوق، يرى في نفسه مثالا على الوجود الديمقراطي المسالم المتحضر المؤمن بقيم عليا خيرة، ينتهي التاريخ عنده ويكتمل معه نموذج الإنسان الأخير (كما يقول فوكوياما ومن قبله الفيلسوف الألماني هيغل) ممثلا بالشخصية الغربية، وحد آخر ضعيف وفقير ومتأخر يمثله طرف ثان عربي ومسلم لا يرى في العالم الغربي إلا مستعمرا داعما لعدوه، معتديا استعلائيا استكمل رفاهه وتفوقه بتواطؤ مع حكام مستبدين وفاسدين، لكنه في نظر الآخر الغربي والأمريكي على وجه الخصوص لا يحتل سوى موقع البربري العنيف العائق الغارق في تخلف قدري ذي سمة جينيالوجية وفقا لبعضه المتطرف، هذا العالم المتشكل من معقدات تالية على سلوكيات محكومة بتلك المتخيلات كلف العالم مئات الالاف من الضحايا ومئات المليارات من الدولارات التي كانت كفيلة ربما بان تمحو الفقر والجوع محوا عن وجه العالم.

غير أن الخط البياني لعالم الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، العالم الذي عصف به العنف بوصفه فلسفة للحلول وفلسفة للتغيير وفلسفة للاحتجاج ودمغه بدمغته، لم يتجه صوب النهاية كما كان متوقعا له بعد وصول إدارة أوباما إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، فالتغيير الذي اتخذه أوباما شعارا في حملته الانتخابية لم يستطع في حالة الحرب الأمريكية على الإرهاب من التحقق إلا على مستوى الرمز واللغة، أكثر منه في الواقع المادي على الأرض، حتى الإغلاق الذي وعد به الرئيس أوباما لسجن غوانتنامو سيء الصيت على المستوى الدولي لم يزل مفتوحا حتى الآن وبات إغلاقه متعذرا أكثر فأكثر، إضافة إلى استمرار الوجود العسكري الأمريكي وازدياد كثافته في أفغانستان مترافقا بارتفاع وتيرة العمليات العسكرية الأمريكية التي استمرت في إلحاق الأذى بحياة المدنيين في أفغانستان وحتى باكستان المجاورة. لكن النجاح الذي حققته الثورات السلمية التي أطلقها الشباب العربي في إسقاط حكام مستبدين ومتعفنين وفاسدين، وفي امتدادها إلى معظم أنحاء المنطقة العربية، خلق عامل التغيير الحقيقي لعالم الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، إذ استطاع أن يحدث تعديلا كبيرا وربما جذريا في وعي معظم الأطراف المنخرطة والمتأثرة بتلك الحقبة. لقد وضعت تلك الثورات هذه الأطراف أمام أسئلة وإشارات استفهام كثيرة وصلت حد وعيها السابق على هذه الثورات بكليته، مدى صحته ومطابقته وصلاحيته للواقع ومقدرته على إعطاء الحلول المناسبة. إن العربي المسلم الذي أفقدته لحظة الثورات السلمية ثقته بالعنف وسيلة للتغيير والاحتجاج، أدرك واثقا أن النزعة السلمية في أي علاقة تفاعل أو خصام أو حتى صراع مع آخر هي أكثر فاعلية بما لا يقاس من العنف الذي لا يمكن ضبط إيقاعه ولا التحكم بنتائجه، لقد حققت له الثورة السلمية ما عجزت عن تحقيقه أطراف وجهات تنتمي إلى مجتمعه، استخدمت العنف لسنوات طويلة ودخلت في دورة منه لا نهاية لها، لقد أصاب هذا التغيير العميق بعد نجاح الثورات العربية السلمية ضد الأنظمة المستبدة أصحاب النظرة الجهادية العنيفة بمقتل أمام مجتمعاتهم وسحب منهم أهم ورقة كانت تمنحهم كما لا بأس به من القبول والتعاطف والمساندة من محيطهم ومنبتهم.

أما الآخر الغربي، فقد هزت الثورات السلمية الشعبية العربية تصوره هو أيضا عن الشخصية العربية والمسلمة المحدد وفقا لتداعيات أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، بدأت صورة العربي ومعه الإسلام تتبدل بشكل كبير، وشرع العالم كله يرى إنسان المنطقة العربية والإسلامية على هيئة جديدة تماما، تفككت لمصلحتها الصورة النموذجية السابقة، هيئة لم يستطع العقل الغربي طوال تاريخه ربما، أن يرسمها للمنطقة ولا لإنسانها العربي المسلم، حيث ظهر لأول مرة، بعد إطاحته بالأنظمة الفاسدة والمستبدة بشكل سلمي، في نظر العالم، ديمقراطيا مسالما، مثابرا وناهضا وواعدا، مبدعا وخلاقا، استطاع أن يوظف التقنية الغربية المتقدمة في ثورته، في مجالات لم تخطر على بال مخترعيها، وأن يغير من خلالها واقعه ومستقبله، حياته وإحداثيات وجوده، هزم باستخدام الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والهاتف المحمول، قمعا عاريا، إفقارا وتهميشا، تضييقا وفسادا، ما لا يحتمله عقله ولا تطيقه روحه، ونجح في أن يكون مركزا لاهتمام البشرية وإعجابها، كما لم يحدث أبدا في التاريخ الحديث.

إن التغيير الكبير الطارئ الذي حدث في مخيال كل من الغرب بخصوص الشخصية العربية والإسلامية من جهة، وفي الطــــرف الإسلامي العربي بخصوص الأدوات الناجعة في التخلص من واقع الفقـــر والقمع والتبعية والاختلاف مع الغرب من جهة أخرى، كفيل في ضرب أهم الأسس التي نهض عليها عالم الحادي عشر سبتمبر إذا وظف بشكل مناسب، فهل سيستثــــمر ذلك التغيير في إزالة أسباب الصراع والتناقض بين كلا الطرفين العربي الإسلامي والغربي؟ ليسهم في انفتاح الولايات المتحدة ومعها أوروبا على دعم مصــالح الشعوب العربية والإسلامية ومساعدتها على تحقيق الديمقراطية وتخليصها من الاحتلال الواقع لجزء من أراضيها، أم ستجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فيستعاد ما كان يحتضر من مستدعيات العنف في الجهة الإسلامية والغربية، وتبدأ دورة عنف جديدة؟

يبدو جليا أن مقدمة الإجابة على الأسئلة السابقة لم تتأخر طويلا بعد الإعلان عن مقتل زعيم تنظيم ‘القاعدة’ أسامة بن لادن على يد القوات الأمريكية، فالأمر على الرغم من اعتبار البعض، أنه إنهاء حقيقي لمفاعيل وتداعيات الحادي عشر سبتمبر، إنما يزيد من عوامل امتناع القطع مع عالم الحادي عشر سبتمبر وفقا لما تذهب إليه هذه المقالة، ويؤسس وفقا لما تنحاز إليه من منظورات، لدورة عنف جديدة، خصوصا في ما لو نجح تنظيم ‘القاعدة’، في الثأر لمقتل زعيمه بطريقة مروعة تشبه أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة، أو الهجمات التي تعرضت لها مدينتا لندن ومدريد في الأعوام السابقة وخلفت عشرات الضحايا، ستذوي حينها الآثار الايجابية للثورات العربية السلمية في وعي الأطراف الفاعلة في حقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وستشتد جذوة الصراع العنفي الذي قد يكلف العالم المزيد من الضحايا، بالإضافة إلى هدر المليارات من المقدرات التي يمكن استخدامها في أغراض تخدم الوجود الإنساني في هذا العالم. ‘ ناشط سوري ـ برلين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية