إبراهيم الحجري
تشيد فاطمة بوزيان عالمها القصصي تأسيسا علي المناورة السردية التي تريد خلق الجديد من داخل المتعارف عليه، أقصد بذلك أن الشكل القصصي عندها لا ينفصل عن البني الحكائية والدلالية، وأن قيمة النص القصصي بقدر ما تتحدد من منظور شكلي فهي أيضا تتعزز من منظور دلالي. فالسيولة الحكائية التي تملأ القالب القصصي أيا كان شكل بنائه لا بد أن تشيد علي خلفية معينة يسر بها أو يجهر بها، وهي وإن كانت تهوسها قضية تجديد الصوت وإثرائه بما يتيحه التطور اليومي في المنظومة الإنسانية المتنوعة، وبما يستجد في عالم الأشكال والأجناس والفكر والتاريخ والحضارة والتكنولوجيا، فهي أيضا تريد أن تحفظ للقصة بوصفها جنسا أدبيا متميزا وجهها المشرق الذي بدأ ـ للأسف ـ يضمحل في زحمة خرائط التجريب وفوضي التخريب التي أضحت موضة الكتبة الجدد. فمع أن بوزيان تساير تطور الموضوعة الاجتماعية والحضارية للكائن الآدمي المعاصر، وتستحضر الأسئلة التي تقض مضجع الذات ومعها العالم الذي يحفها من بعيد أو قريب، فإنها تراهن علي أن تطوع الشكل القصصي وتوسع آفاقه ليكون قادرا علي استضمار العناصر الجديدة التي لن تفقده هويته السردية، إنها تصر علي أن تحكي وتسرد وتصف وتسترجع وتتأمل في الآن نفسه، وتحس مع إقحام اللمسات المتجددة للقاصة أن عالم القصة ينتعش، وتتدفق حيويته، وتنفتح آفاقه علي الشرفات التي تمده بالدينامية والحيوية.
وإذا كانت فاطمة تؤسس نمط كتابتها القصصية، فيما مضي، علي جلال الحكي، وقضية الجنسانية، فإنها في مجموعة هذه ليلتي تستحدث موضوعات جديدة أضحت من المألوف الإنساني واليومي المكرور الذي لا بد أن يطرق يوما ما أبواب الذات، يتــــعلق الأمر بعالم الإنترنت الذي اكتسح البيوت مثلما اكتــــــــسح الأشخاص من قبل، وهو إن أصبحت له هذه الحظوة في العالم المعاش فإنه من غير اللائق أن يظل بعيدا عن القصة التي تشارك الكائن الإنساني في جل مراحل حياته، وتتابع مطامحه وإخفاقاته بما يجعلها الجنس الأقرب والألصق بالإنسان وهو في زحمة الحصارات اليومية.
تتضمن المجموعة القصصية إشارات عديدة حول الواقع والناس والمتخيل المغربي، بأسلوب حركي يستند إلي لغة الحاسوب في بناء هيكل القصة، وتتميز القصة غالبا بطول النفس، الذي يتكسر غالبا بواسطة عناوين أو مقاطع فرعية، لكن مع هذا، تبقي القصة موحدة الدلالة، منسجمة الرؤية. وتتخلل البناء أيضا رتوشات ولمحات هامة تفيد بأن الكاتبة تجنح إلي إغناء النص بإشارات تجريبــــية حيث تتــــعدد اللغة، وتتباين بتباين الشخصيات، حيث ترافق اللغة الفصحي لغات أخري كالإسبانية والدارجة والفرنسية، إنها لغة بوليفونية هجينة بتعبير باختيني قديم، فالكاتبة تستثمر احتكاكها اليومي بهذه المفارقات اللغوية كي تقدم للقارئ عالما ديناميا حيا له قدرة كبيرة علي التعبير عن دينامية أخري يحفل بها الواقع، وهي بذلك لا تستنسخ هذا الواقع وإنما توظف عناصره بشكل إيجابي لتثبيت البني الدلالية، ويعزز هذا التوظيف بحضور التناص بأشكاله المتعددة: حضور فكرة، حضور نص، حضور مفهوم… إذ نجد استدعاء مقاطع شعرية للوركا وصالح حربي، وأحداث حرب فرانكو، وأحداث الطفولة… هذا علي مستوي المضمون، أما علي المستوي الشكلي فيحضر شكل الرسالة العادية والرســالة الإلكتـــرونية والمكالمة الهاتفية، وتنشغل الكتابة أيضا بالذات وعوالمها، بالبوح الذي يشد هذه الذات إلي محيطها، بالقسوة التي يحفل بها العالم، بالأرض ومخازيها الاجتماعية والاقتصادية، بالهامش الفضائي الذي تنتمي إليه الكاتبة، بالجذور التاريخية التي تغلف هذا الفضاء، بالوجدان الجمعي المضطرب… غير أن التعامل مع لغة الانترنيت يفرض طرح السؤال المركزي: كيف نتعامل مع الانترنيت سرديا؟ هل مجرد استعمال القاص لجهاز الحاسوب والانترنيت في الرقن والتوسيخ والإرسال والنشر يجعل القاص مندرجا ضمن خانة العولميين أم أن الأمر يتعلق بإدخال لغة الحاسوب وإشاراته وآفاقه في بنية النص القصصي وتوسيع آفاقه أكثر لاستيعاب ترسانة الإشارات الحاسوبية والإعلامية المتطورة التي استحدثتها أجهزة التواصل الحديثة؟
؟ أعتقد شخصيا أن العملية الأولي لن تدخل العمليات الحاسوبية ضمن اهتمام القاص أبدا لأنها تظل مجرد وسيلة برانية، لكن بالطريقة الثانية يمكن للقاص أن يثري عمله ويغنيه، لأن هذه العمليات والمفاهيم تصبح داخلة في صلب العمل ويمكن أن نتلمسها عن قرب. هذا ما حاولته بوزيان من خلال مجموعتها هذه ليلتي حيث تدخل مفاهيم الحاسوب والانترنيت أفق النص القصصي وتتغذي من جوه العام لتصبح لها معان أخري: إميل، رسالة، تسجيل الدخول، بحث، تحميل، تسجيل الخروج… إن بوزيان من خلال عملها القصصي هذا تسعي إلي توسيع اهتمام النص؛ ليس بالشكل الجديد فحسب، بل أيضا تروم خلق مصالحة نصية مع اهتمامات الكائن البشري الجديدة، وذلك بتحويلها إلي قضايا وتيمات أساسية، بعدما ظلت خارج اهتمام النص القصصي المخروطي الذي اتخذه الجيل الجديد قبلة، والذي باتت معه استيهامات الفرد وهواجسه موضوعا مبأرا مع نصوص جديدة كثيرة.
فاطمة بوزيان تحكي وتصر علي الحكي نكاية بزمن النص الرديء الذي بات يحلق علي خيمة القصة وبيتها الجديد، فراحت تنبش في الذات عن سؤال الآخر والجمعي، مثلما باتت تسأل الواقع والمتخيل عن أسئلة جديدة تقض مضجع الروح، ومثلما دأبت علي اكتشاف أشكال سردية جديدة تفتح آفاق الدلالة وتستوعبها.
ناقد من المغربـ فاطمة بوزيان، هذه ليلتي، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الدار البيضاء.