عامان على اعتماد الدستور الجديد في الجزائر: تغيير حقيقي أم حبر على ورق؟

محمد سيدمو
حجم الخط
0

الجزائر ـ «القدس العربي»:  في مثل هذه الأيام قبل سنتين، كانت الحملة الانتخابية للاستفتاء على الدستور في الجزائر، مشتعلة بين فريقين، الأول مؤيد بقوة لمضمونه والثاني رافض له بشدة، بينما اعتبر فريق سياسي ثالث نفسه غير معني بهذا الاقتراع لأن طريقة إعداد الدستور لم تكن، حسبه، محل توافق. كان كل ذلك يجري وسط قلق سياسي بعد مرض الرئيس عبد المجيد تبون ونقله للعلاج في ألمانيا، وعزوف شعبي عن مواكبة الحدث، في ظل الأزمة الصحية التي صاحبت انتشار فيروس كورونا وعدم وجود شغف حتى عند المقتنعين بالاستفتاء بمناقشة مواد دستورية مجردة.

ورغم كل تلك الظروف، مرّ استفتاء الدستور الذي اختير له تاريخ رمزي في الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر (يوم انطلاق الثورة الجزائرية) بسلام من ناحية الشكل عموما، وحصل على أغلبية الأصوات التي تجعله من وجهة نظر القانون، الدستور الجديد للبلاد في الفترة التي تلت الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. لكن الإقبال الشعبي على الاستفتاء كان ضعيفا متجاوزا بقليل 20 في المئة فقط، وهي أضعف نسبة تسجل في انتخابات بالجزائر. كما أن كتلة المصوتين بلا، كانت أيضا هامة وكادت تبلغ 40 في المئة. وكل ذلك، دفع سياسيين في المعارضة للمطالبة بإلغاء نتائج الاستفتاء والعودة لحوار جديد حول دستور تسنده الأغلبية من الشعب ولا يتمتع فقط بشرعية قانونية شكلية. لكن هذه الأصوات لم تعرها السلطة اهتماما، وتم تبرير النسبة الضعيفة بطبيعة الاستفتاء الذي لا يثير في العادة اهتماما كبيرا فضلا عن الظروف الاستثنائية التي جرت فيه. وهكذا، صار للجزائر دستور جديد، هو الرابع منذ فتح التعددية السياسية في البلاد، بعد كل من دساتير 1989 و1996 و2016.
وقبل أن يصبح ساري المفعول، احيط الدستور بهالة كبيرة من قبل الموالين للسلطة، من حيث أنه سيؤسس حسبهم، لبداية عهد «الجزائر الجديدة» التي هي شعار الرئيس عبد المجيد تبون، وسينقل البلاد إلى نمط جديد من الحكم تغيب فيه الممارسات السابقة التي تكرس السلطة في يد شخص الرئيس وتهمش باقي الفواعل السياسية، كما سيضمن في الجانب الاقتصادي حرية الاستثمار وسيبقى مدافعا عن الطابع الاجتماعي للدولة. أما من جانب الحريات، فبشّر المدافعون عن النص، بعهد جديد تكرس فيه الحريات الفردية والجماعية ويسهل فيه تأسيس الأحزاب والجمعيات بمجرد التصريح. أما الرافضون للدستور، فمنهم من اعتبر أنه يشكل خطرا على الهوية الوطنية ومرجعيتها الإسلامية، وهم في الغالب الأحزاب ذات التوجه الإسلامي. ومنهم من خشي على العقيدة العسكرية للبلاد من التغير، بعد إقرار إمكانية السماح لجنود جزائريين بالقيام بعمليات خارج البلاد بموافقة البرلمان. وهناك من خاض في نقاش الهوية اللغوية بعد تكريس الأمازيغية للمرة الثانية، لغة رسمية وإدراجها في المواد الصماء التي لا تقبل التغيير مستقبلا.

البرلمان وتشكيل الحكومة

وكان أول اختبار للدستور الجديد، هو تنظيم الانتخابات التشريعية في 12 حزيران/يونيو2021 والتي أشرفت عليها السلطة الوطنية للانتخابات، وهي هيئة استحدثها الدستور الجديد للإشراف على الانتخابات كبديل للإدارة التي كانت تتهم في السابق بالتزوير. وقد حملت هذه الانتخابات التي قاطعها طيف واسع من المعارضة الديمقراطية، فعلا بعض التغيير في النتائج لكن مع الاحتفاظ بنفس هيكل الموالاة السابق، فتقلصت مقاعد جبهة التحرير الوطني لكنها بقيت القوة السياسية الأولى وصعدت حركة مجتمع السلم إلى المرتبة الثانية بينما تراجع التجمع الوطني الديمقراطي ثاني أحزاب الموالاة الرئيسية إلى المرتبة الثالثة في الترتيب، مع تسجيل صعود لافت لكتلة الأحرار (غير المتحزبين). ورغم تقلص الشكاوى من التزوير، إلا أن عدة أحزاب خاصة حركة مجتمع السلم التي اختارت المعارضة، اتهمت جهات في السلطة بالتلاعب بالنتائج وحرمانها من مقاعد مؤكدة.
وبعد أن استقر البرلمان الجديد، وُضع الدستور أمام امتحان آخر، يتعلق بمدى الالتزام بمنطق سيطرة الأغلبية البرلمانية على الحكومة، واحترام السلطة التشريعية واستقلاليتها وجعلها شريكا في صياغة القوانين لا غرفة تسجيل مثلما كانت تشكو في السابق. لكن أول حكومة مشكلة في ضوء الدستور الجديد ونتائج الانتخابات التي منحت للرئيس أغلبية رئاسية، لم تخرج عن التقليد السائد بالاعتماد على وزراء في أغلبهم تكنوقراط والاكتفاء بعدد قليل من الوزراء عددهم ثمانية يمثلون أحزاب الموالاة ولا يوجد بينهم من يتولى وزارة سيادية، بدون أن يثير ذلك احتجاجا كبيرا من قبل هذه الأحزاب التي رضيت بالأمر الواقع واكتفى بعضها بإبداء انتقاد ناعم. وتسبب عدم تحمل أحزاب الأغلبية مسؤولية تسيير الحكومة، في جعلها تعيش حالة من الازدواجية اليوم بعد سنتين من إقرار الدستور، فهي توجه انتقادات لاذعة للوزراء مثلما ظهر خلال عرض بيان السياسة العامة قبل أيام، لكنها في الوقت ذاته تساند بقاء الحكومة وتمنحها الثقة في البرلمان. وتجد أحزاب الأغلبية طريقة في التكيف مع هذا الوضع، عبر تحميل الوزراء مسؤولية الإخفاق في تطبيق برنامج الرئيس الذي تسانده.
أما علاقة الحكومة بالبرلمان، فكانت محل انتقاد واسع حتى من نواب الموالاة الذين خاطبوا الوزير الأول مؤخرا بحسرة، كونهم كما قال بعضهم ينتظرون الوزراء لأكثر من 10 أشهر أحيانا لمجرد الرد على سؤال كتابي أو شفوي. وتحدث بعضهم عن مشروع قانون الاستثمار الذي استغرقت الحكومة في تحضيره أكثر من سنة ثم لما طرحته على المجلس الشعبي الوطني طلبت عدم مناقشته من قبل النواب بداعي الاستعجال وحصلت على ما تريد بتمريره دون نقاش. هذه الدعاوى قابلها رد الوزير الأول الذي تحدث عن «وجود علاقة تكاملية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية» مشيرا إلى أنه «في مجال الرقابة البرلمانية تم طرح 1708 سؤالا كتابيا على أعضاء الحكومة من قبل نواب الغرفتين، وتقديم الرد على 392 سؤالا شفهيا، وتسهيل تنفيذ 23 بعثة استعلامية مؤقتة ولجنة تحقيق برلمانية، ومشاركة أعضاء الحكومة ومسؤولين آخرين في 47 جلسة استماع عقدت من قبل اللجان الدائمة للبرلمان».

جدل الهوية
وإرسال الجيش للخارج

ولم يثبت في الجوانب التي كانت محل تحفظ شديد من الأحزاب الإسلامية حول الهوية ومحاولة علمنة المجتمع، وجود توجه لدى السلطة نحو هذا الخيار. بل على العكس من ذلك، تحولت هذه الأحزاب إلى مساندة بعض قرارات الرئيس فيما يتعلق باعتماد اللغة الإنكليزية في التعليم الابتدائي والتقليل من هيمنة اللغة الفرنسية في الوزارات، كما باركت التوجه لجعل جامع الجزائر الأعظم مؤسسة تساهم في حماية المرجعية الدينية للبلاد وهويتها الإسلامية.
وكانت حركة مجتمع السلم مثلا وهي أهم الأحزاب التي دعت للتصويت بلا على الدستور، قد رأت بأن المشروع مصمم لضرب هوية الجزائريين، وذكرت أمثلة عن مواد تتحدث عن حياد المنظومة التربوية وحياد المسجد، واعتبرت ذلك مقدمة لعلمنة المدرسة والمسجد، «لأن ثمة فرقا بين عدم الاستغلال الحزبي للمدرسة والمسجد، وبين أن يكون حياديين في مسألة الهوية» وفق ما ذكر رئيسها عبد الرزاق مقري. واحتجت الحركة أيضا على مواد أخرى تتعلق بالأسرة وعلى رفض مقترح تجريم استعمال اللغات الأجنبية في المحررات الرسمية، وقالت إن ذلك يعكس وجود إرادة للإبقاء على هيمنة اللغة الفرنسية التي اعتبرتها عدو اللغة الرسمية العربية.
من جانب آخر، لم يظهر أي توجه يشي بتغيير في العقيدة العسكرية للبلاد، بعد إقرار المادة التي تسمح بإرسال قوات جزائرية في عمليات حفظ سلام تحت قبعة الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية حكومية تعد الجزائر عضوا فيها. وخلال السنتين الأخيرتين لم يتم اللجوء لهذه المادة التي تشترط موافقة ثلثي البرلمان، وبقي الجيش الجزائري ثابتا داخل حدوده. وما زاد في تأكيد هذا التوجه، الظرف الدولي الذي دفع بالجزائر إلى إبراز الحياد وإعادة تفعيل دور منظمة دول عدم الانحياز بعد تفجر الحرب في أوكرانيا.
وكان حزب العمال الذي تقوده لويزة حنون من أبرز من هاجموا اقتراح دسترة مشاركة قوات الجيش الوطني الشعبي في عمليات حفظ السلام، معتبرا أن ذلك يشكل قطيعة واضحة مع أهداف الثورة الجزائرية التي طبعت سياسة الدولة الجزائرية القائمة على عدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى. وحذر الحزب ذو التوجه اليساري، من أن المشاركة في مثل هذه العمليات هو فقدان كامل لسيادة القرار، وانخراط مباشر في الجرائم التي ترتكبها القوى العظمى في حق العديد من الشعوب. وذكر أن تدخل الجيش خارج التراب الوطني، قد يكون مدعاة لجلب الإرهاب الدولي لبلادنا من أجل الانتقام.

جدل الحقوق والحريات

ولعل القضية الحقوقية، تبقى من أكثر مسائل الجدل حول ما جاءت به مواد الدستور وبين الواقع على الأرض. ويقول المحامي والحقوقي عبد الرحمن صالح، في حديثه مع «القدس العربي» إنه من حيث المبدأ لم يتخلف أي دستور جزائري منذ 1963 عن تأسيس فكرة حماية الحقوق والحريات، بل صرنا نشهد على الأقل من الناحية النظرية تطورا في مجال صيانة هذه الحقوق كلما كان هناك تعديل دستوري أو إقرار لدستور جديد سواء باستحداث هيئات جديدة كالمجلس الدستوري ثم المحكمة الدستورية أو التوسع في مجال تحديد هذه الحريات والحقوق و حمايتها. وأبرز أن دستور 2020 خصص للحقوق والحريات فصلًا كاملا من الباب الثاني بـ 44 مادة، فقد حرص على ترقية حقوق المرأة وتعزيز المساواة بين الجنسين، وألغى القيود على تأسيس الجمعيات والأحزاب والصحف وكرس حق المواطن في الوصول للمعلومة وحماية معطياته الخاصة وحقه في الصحة والسكن والتعليم وحتى في المياه والبيئة النظيفة.
غير أن الإشكال حسب صالح، هو في «تعارض النص النظري مع التطبيق أو كما يقال حساب الحقل لا يطابق حساب البيدر». كما توجد حسبه حالات لاختلاف بين الدستور والقوانين المطبقة له لدرجة التعارض. وكمثال على ذلك، يقول إن «قانون المظاهرات العمومية الصادر سنة 2016 الذي ينظم شروط ممارسة حق التظاهر والتجمهر والتجمع ما زالت نصوصه تفرض الإذن المسبق للإدارة أو الترخيص بعقد الاجتماع سارية المفعول رغم أن الدستور الجديد ألغى هذا الشرط». ومن ناحية أخرى، يضيف، «نجد استمرار المتابعات القضائية ضد الصحافيين بالمخالفة للنص الدستوري الذي ألغى تجريم العمل الصحافي، أو استمرار ملاحقة الأشخاص بناء على ممارستهم حقوقهم الأساسية في التعبير والرأي، إضافة إلى تسجيل العديد من القضايا أمام مجلس الدولة والمحاكم الإدارية للمطالبة بحل أحزاب وجمعيات لا يمكن أن تصنف إلى أحزاب وجمعيات معارضة».
ويتطلب ردم الهوة بين النص والواقع في الميدان، حسب المحامي، إرادة سياسية قوية وديناميكية تشريعية على مستوى النصوص، بحيث «تكون هناك عقوبات قوية ضد مرتكبي هذه الانتهاكات سواء كانوا إدارات أو أفراد، فلحد الآن بشكل عام مع بعض الاستثناءات، لا يوجد تجريم للمخالفات التي ترتكب ضد ما يقرره ويأمر به الدستور».

رسم التوجه الاقتصادي

وفي الميدان الاقتصادي، أعقب اعتماد الدستور الجديد، تغيير وتعديل جملة من القوانين تماشيا مع التوجه الذي كرسه الدستور في تحرير المبادرة وتشجيع الاستثمار وضمان حرية التجارة والمقاولة.
ويقول الدكتور المختص في الاقتصاد رابح دارم في حديثه مع «القدس العربي» إن ما أبرز ما تم المصادقة عليه، قانون الصيرفة الإسلامية الذي يهدف حسبه إلى تقنين عمل البنوك الإسلامية ويحدد آليات نشاطها، ويسمح للبنوك التقليدية بفتح شبابيك ونوافذ إسلامية، وهي محاولة لاستقطاب جزء من الكتلة النقدية المتواجدة خارج الدائرة الرسمية.
وأضاف دارم أن الدور جاء بعدها على قانون الاستثمار الذي كان يشكّل عائقا هاما أمام المستثمرين سواء المحليين أو الأجانب، ففي اب/أغسطس الماضي، تمّ استصدار قانون الاستثمار الجديد الذي شمل جملة من الإجراءات التي تشجّع على استقطاب المستثمرين عموما والأجانب بالأخص عبر طمأنتهم وتوضيح آليات تحويلهم الأرباح للخارج التي كانت مشكلة عويصة بالنسبة لهم في السابق، بالإضافة إلى تأكيد إلغاء قاعدة 51/49 (إجبار المستثمر الأجنبي على إيجاد شريك جزائري تكون له الأغلبية) التي كانت سائدة من قبل وحصرها فقط في قطاعات استراتيجية.
ومن بين القوانين الأخرى الصادرة على ضوء الدستور الجديد، يشير المتحدث إلى قانون خاص بإنشاء الشركات الناشئة والحاضنات الموجّهة لدعم الشباب وتشجيع العمل المقاولاتي لديهم خاصة الطلبة حديثو التخرّج، وقانون آخر حول المقاول الذاتي.
ويرى دكتور الاقتصاد في تقييمه، أنه رغم كل هذه المساعي إلّا أنّ البيئة الاستثمارية في الجزائر تبقى غير محفّزة كثيرا خاصة في ظل منظومة بنكية مهترئة تحتاج إلى تطوير بالخصوص مسألة سوق الصرف الموازي، وهو ما يستدعي تعديل أو تغيير قانون النقد والقرض بما يسمح بالتخلص من السعر المزدوج للعملة (سعر رسمي وسعر موازي) ويسمح للبنوك بتبني استراتيجية جديدة مبنية على الرقمنة والمنتوجات البنكية الحديثة وتطوير السوق المالي خاصة البورصة التي تعتبر في سبات منذ إنشائها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية