لم يكن متوقعا أن تحل قمم مكة الثلاث العاجلة التي دعا إليها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في 18 أيار (مايو) أزمة العلاقات الخليجية – الخليجية المتوترة منذ حزيران (يونيو) 2017. فهي كان يقصد منها أو أرادها السعوديون أن تكون منبرا “موحدا” لمواجهة الخطر الإيراني، خاصة بعد التصعيد الأمريكي والبوارج الحربية والمقاتلات والجنود الذين أرسلتهم الولايات المتحدة لمعالجة الخطر الإيراني في المنطقة، وبعد تلقي معلومات أمنية عن تحضيرات لضرب المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن. وتبع ذلك سلسلة من الأحداث التي كانت وراء الحشد السعودي للقادة الخليجيين والعرب والمسلمين في مكة المكرمة وفي الأيام الأخيرة من شهر رمضان، مثل إعطاب ناقلتي نفط سعوديتين في الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة وحملة الطائرات المسيرة التي أطلقها المتمردون الحوثيون في اليمن ضد المصالح النفطية على العمق السعودي. وعليه لم تكن أزمة قطر أو حتى اليمن على أجندة القمم الثلاث.
فرغم الدعوة المتأخرة التي وصلت إلى قطر (في 26 أيار (مايو)) لحضور القمة، إلا أن الدوحة حضرت ممثلة برئيس وزرائها عبد الله بن ناصر آل ثاني. وأصبحت عادة قطر إرسال ممثلين عن الأمير تميم بن حمد مشاهدة في معظم الدعوات التي تتلقاها من جيرانها الذين فرضوا عليها حصارا بريا وجويا وبحريا. واللافت في الأمر أن الموقف السعودي لم يتغير من الأزمة، وهو ما برز في تصريحات وزير خارجيتها إبراهيم العساف عندما قال إن الأزمة ستحل بعودة قطر إلى “الطريق الصحيح” وأن بلاده معنية بحل “جذور ومسببات الأزمة” المتعلقة باتهام قطر بدعم الجماعات المتطرفة والتقارب مع إيران. صحيح أن هبوط طائرة أميرية في مطار جدة يوم 27 أيار (مايو) يعد أكبر تطور منذ أن شنت السعودية وحليفتها الإمارات العربية والبحرين ومصر الحصار على قطر إلا أنه لا يؤشر لتغير في السياسة، ففتح الأجواء الجوية السعودية لدبلوماسيين قطريين لا يعني فك الحصار. وعلينا ألا نبالغ في القراءة بمشاركة قطر في القمم الثلاث كما هو الحال مع سلسلة من التطورات التي حدثت قبل مكة مثل تهنئة رئيس الوزراء البحريني أمير قطر بحلول شهر رمضان والذي سارعت مملكة البحرين لإبعاد نفسها عنه وأنه لا يمثل الموقف الرسمي، رغم أن المتصل هو رئيس الوزراء والذي يمثل فرعا تنفيذيا في الدولة. وكذا موافقة الإمارات على إطلاق سراح طاقم سفينة قطرية دخلت المياه البحرية الإماراتية وحضور السعوديين والإماراتيين مؤتمرا للحوار والتعاون الآسيوي عقد في الدوحة في الأول من أيار (مايو). ولا شك كما تقول “الغارديان” (29/5/2019) أن الولايات المتحدة تحاول الضغط على أطراف الأزمة في الخليج لدفن خلافاتهم تحضيرا للإعلان عن “صفقة القرن” التي دفنها على ما يبدو انهيار جهود بنيامين نتنياهو لتشكيل الحكومة الإسرائيلية والإعلان عن انتخابات جديدة بعد ثلاثة أشهر. وترى واشنطن أهمية مشاركة الدوحة في الخطة الأمريكية، خاصة أنها أكبر ممول للمشاريع في غزة. وقللت الصحيفة من إمكانية حل قريب للأزمة الخليجية خاصة أن وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني تحدث في ذكرى مرور عامين على الحصار، بـ “طعن الشعب القطري من خلال جريمة قرصنة مقصودة وفبركة وأكاذيب وبحصار غير عادل وغير مبرر ضد البلد والشعب”.
مجلس التعاون الخليجي
ويرى جورجيو كافيرو وخالد الجابر في مقال نشرة موقع “لوبلوغ” (29/5/2019) أن الحصار لا يزال قائما وحتى/ومتى رفع فلن تبحث قطر عن بادرة حسن نية من القيادة السعودية. فالحصار الذي ترافق مع حرب معلومات وحملات علاقات عامة، خاصة في الولايات المتحدة، خلق أجواء لا يمكن فيها للكتلة التي تقودها السعودية أو قطر التراجع عن مواقفها. فالحصار الاقتصادي والدبلوماسي دفع الإمارة الصغيرة للبحث عن أصدقاء جدد والتكيف مع واقع الحصار الشامل، وتطلعت إلى كل من إيران وتركيا والصين والهند والباكستان وعمان والكويت وروسيا والقوى الغربية لبناء علاقات قوية معها كي تتجنب الحصار. وبعد عامين من الحصار، يشعر القطريون بالفخر الوطني لأن قيادتهم لم تستسلم للضغط وأنهم استطاعوا الخروج من ظل السعودية والإمارات وتأكيد استقلاليتهم عنهما. ويسود في قطر شعور أنها ستكون في أفضل حال، على المدى البعيد بدون حلفائها السابقين في مجلس التعاون الخليجي والذين فشلوا في تحقيق أهدافهم بتحويل قطر لدولة تابعة والتخلي عن سيادتها.
أقارب أعداء
ويرى الكاتبان أن مشاركة قطر في قمة مكة كما هو الحال في القمة التي عقدت العام الماضي في السعودية وقبلها في الكويت، هي محاولة للتأكيد على دعم قطر لمجلس التعاون باعتبارها عضوا مؤسسا فيه وأنها لن تخرج منه رغم الأزمة الخليجية، وعلى أمل أن تعود المنظومة هذه إلى سابق عهدها. مع أن هذا الطموح لا يغير من الوقائع الحالية في الخليج، ذلك أن قطر باتت تنظر للسعودية كتهديد خطير لم يعد فيه المجلس العاجز قادرا على تقديم الحماية لدوله الست كما نص عهد ميثاقه عندما شكل في الثمانينات من القرن الماضي. فبدلا من النظر للسعودية والإمارات والبحرين كحلفاء ضد أي تهديد مشترك باتت قطر تنظر إلى الولايات المتحدة وتركيا كحليفين كبيرين للحفاظ على أمنها ضد التهديدات النابعة من دول الخليج نفسها. وفي هذا السياق لن تؤدي مشاركة الدوحة في اجتماعات مكة لمحو الشك وعدم الثقة بين الدوحة وغرمائها الذين يتعاملون معها كتهديد على أنظمتهم. وأدى الحصار الذي فرضته السعودية مع حلفائها على قطر إلى دينامية جديدة غيرت النظام الجيوسياسي في الجزيرة العربية وغذت عدم الاستقرار والاستقطاب في كل العالم الإسلامي، من المغرب إلى المشرق، ومن القرن الأفريقي إلى منطقة الساحل والصحراء. لكل هذا فالتصرفات التي قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد ضد قطر، تقف حجر عثرة أمام محاولات الملك سلمان بناء جبهة موحدة ضد التهديد الإيراني. وكما علق المحلل في معهد بروكينغز بروس ريدل فدعوة قطر هي محاولة لإظهار “وحدة متخلية” لا حقيقية لأن الوحدة الحقيقية تعني حل كل المشاكل العالقة وفك الحصار عن الدولة الجارة. وعادة ما يذكر الحصار كجزء من أعمال ولي العهد السعودي وسياسته الخارجية المتهورة، حيث يضاف إليها اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وحرب اليمن بالطبع التي حولتها الحملة السعودية إلى كارثة إنسانية وليبيا والسودان أخيرا.
العلاقة مع واشنطن
ومقابل هذا الوضع تعافت قطر من الصدمة الأولى للحصار وحرب المعلومات الزائفة التي شنها الرباعي وقرصنته على وكالة الأنباء القطرية. واستطاعت عبر حملة علاقات عامة مضادة استعادة موقعها في واشنطن، رغم محاولات أصدقاء السعودية والإمارات التشويش عليها وإقناع البيت الأبيض بالتخلي عنها ونقل أكبر قاعدة عسكرية أمريكية منها ومقرها “العديد”. وفي مقال نشره موقع “ذا أمريكان كونزيفتف” (20/5/2019) لمارك بيري، أكد فيه على أهمية قطر في الإستراتيجية الأمريكية لمحاربة الإرهاب التي مضى عليها 18 عاما، فهي مقر القيادة المركزية الأمريكية الفرقة الجوية الاستكشافية رقم 379، التي تعد الأهم في الخارج. وقال بيري إن الجيش الأمريكي يعتمد على قطر، وبدونها لكان على القيادة الأمريكية إنشاء مقر للتنصت في إيران، ونقل مقرات العمليات المتقدمة للقيادة المركزية، والعثور على قواعد عسكرية أخرى تستطيع شن عملياتها على كل من العراق وأفغانستان وسوريا. ويرى أن الحصار الذي فرض على قطر كان محاولة لتقويض صورة قطر في واشنطن، وبالتالي العلاقات الأمريكية القطرية، مشيرا إلى جارد كوشنر، زوج ابنة الرئيس دونالد ترامب وصديق محمد بن سلمان. وفاجأت هذه الخطوة الولايات المتحدة، وأجبرت وزير الخارجية في حينه ريكس تيلرسون لمضاعفة جهود الوساطة، ولم ينجح في وقت زادت فيه هذه الدول من جهود حملات التشويه لقطر في واشنطن. وكان على رأس هذه الجهود إقناع الولايات المتحدة لنقل القاعدة الأمريكية. وهي خطوة بدعم الصقور في واشنطن، بالإضافة إلى الجماعات المؤيدة لإسرائيل، التي لم تقف ساكتة في الحملة السعودية، ومن بينها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، التي قاد رئيسها جوناثان شانزر حملة فردية لإجبار الولايات المتحدة على التخلي عن القاعدة القطرية، وأخبر في تموز (يوليو) لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس أن لدى قطر (رؤية بديلة عن الواقع والأخلاق) وقدم مواقع بديلة عنها في كردستان، أو العراق، أو البحرين، أو الإمارات العربية المتحدة، أو الأردن. ويعلق بيري نقلا عن ضابط في القيادة المركزية بأن هذه المحاولات “مجرد أصوات مزعجة” مع أنها ظلت تصدر ضجيجها طوال العام الماضي والحالي.
ففي منتصف نيسان (أبريل) زار وفد قطري رفيع المستوى واشنطن للمشاركة في مؤتمر اقتصادي لتقييم الحملة المعادية لقاعدة العديد، ولم يكن اللقاء الاقتصادي سرا، لكن تقييم وضع قاعدة “العديد” كان كذلك، وأخبر مستشار بارز القيادة القطرية في حينه، قائلا: “لا تلوحوا بهذا” وأضاف أن “السعوديين يضغطون على الولايات المتحدة في موضوع العديد، والبيت الأبيض يستمع إليهم، وتعرف أن لديهم أصدقاء هنا مرحبا بهم في المكتب البيضاوي، وهذا أمر مثير للقلق”. ويستدرك بيري بأن القلق لم يكن في محله، ففي اللقاء التقييمي تم طمأنة القطريين أن الولايات المتحدة في العديد موجودة لتبقى. والسبب واضح، ففي كانون الثاني (يناير) 2108 وافقت قطر على توسيع منشآت القاعدة، وفي كانون الثاني (يناير) الماضي وقعت على اتفاقية لتحسين خدماتها في ميناء حمد لتستخدمه البحرية الأمريكية، وأكدت محادثات نيسان (أبريل) التزام الولايات المتحدة بقطر. ويشير الكاتب إلى أن الأمريكيين طمأنوا الوفد القطري بقولهم إنهم نظروا في العروض الأخرى، ولم يتطابق أي منها مع الالتزامات القطرية، وقال ضابط بارز: “قدم الإماراتيون عرضا، ومقارنة مع القطريين كان بائسا”. ويرى بيري أن التعاون العسكري الأمريكي – القطري زاد منذ بداية الحملة المضادة على الدوحة، مشيرا إلى قول رئيس المجلس القومي للعلاقات العربية الدكتور جون ديوك: “لا أعتقد أن العلاقات بين قطر والولايات المتحدة كانت أفضل مما هي عليه اليوم، وهذا يشمل التعاون العسكري”، وأضاف: “تقوم العلاقة الأمريكية مع قطر على الثقة، وأعلم أن هناك محاولات لدفع الولايات المتحدة للتخلي عن العديد، لكنها فشلت” وكذلك فشل التحالف الإماراتي السعودي في دفع قطر للاستسلام. وفي المحصلة يرى الكاتب نقلا عن مسؤولين وخبراء أن الحصار بدلا من تركيعه قطر جعلها تقترب أكثر من إيران للتحايل على القيود المفروضة عليها، ورحبت طهران بفرصة المساعدة. ويرى أن القطريين، لا السعوديين أو الإماراتيين، هم من أصبحوا أهم حلفاء أمريكا في الخليج. وهذا لا يعني توقف الحملات ضد قطر فلا يزال الرباعي وأصدقاؤه في واشنطن يقرعون طبول الحرب ضدها ويروجون لعلاقاتها بالجماعات المتطرفة في المنطقة ويطالبون نقل القيادة المركزية من قاعدة العديد.