عامان على ‘فرار’ بن علي.. تونس ومعركة الانتقال الديمقراطي

حجم الخط
0

نزار بولحية عشيّة الذكرى الثانية لهروب الرئيس السابق بن علي من البلاد عقب موجة احتجاجات غير مسبوقة وفيما كان التونسيون يرقبون بشيء من التوجّس والقلق مقدم سنة جديدة يتطلعون خلالها إلى استكمال كتابة دستورهم الجديد وإنهاء المرحلة الانتقالية بسلام، فاجأتهم وكالة الأنباء الرسمية بالحديث للمرة الأولى في تاريخ تونس المعاصر عن ‘مخاوف’ من عجز الدولة عن سداد أجور موظفيها لهذا الشهر بسبب نقص في السيولة بالخزينة العامة.ولم يكن التكذيب الرسمي لكتابة الدولة للماليّة ثم البيان التوضيحي للوزارة بكافيين لتهدئة الخواطر والنفوس وذلك بعد أن دبّ الملل والضيق إلى الكثير منها ولم يعد يشغلها سوى الحصول على لقمة عيش إزداد السعي إليها وعورة ومشقة.لقد خفت بريق النشوة التي أحسّها معظم التونسيين قبل عامين من الآن وهم يعاينون أركان نظام أطبق على أنفاسهم أكثر من عقدين من الزّمن تتداعى إلى الانهيار السريع. واصطدمت كل تلك الأحلام والآمال العريضة التي فتحها ‘الفرار’ بصخرة مطالبات اجتماعية بعضها متوقع لكن أكثرها طارئ، واتضح للجميع بأن الطموحات الكبيرة ليست قابلة للتحقق في مثل هذا الظرف الوجيز والدقيق.إنّ ما ميّز كامل هذه المرحلة هو أن اختفاء بن علي من واجهة المشهد العام حدث مع بقاء كامل ترسانته القانونية والإداريّة وجزءا مهما من منظومته الأمنيّة والقضائيّة بعيوبها وعلاّتها المعروفة وذلك دون أن تطالها يد الإصلاح الجذري والعميق.والمفارقة التي ينبغي التنبه إليها هنا هو أن حكومة ‘الترويكا’ التي أفرزتها انتخابات أكتوبر 2011 قد حافظت على نفس تلك التّرسانــة والمنظومة، وحتى المحاولات البسيطة والمحدودة التي أقدمت عليها قصد اختراقها لم تسلم من انتقادات ‘المعارضة’ ووصفها على أنّها عمليّات ‘تغوّل’ وزرع موالين للسلطات الجديدة داخل مفاصل الدولة.ومن الواضح أن الفريق الحاكم وهو عبارة عن خليط فريد من الإسلاميين والعلمانيين ليس في وضع يسمح له باتخاذ قرارات حاسمة وموحّدة في هذا الملف الحساس وذلك بفعل تردّده وخشيته من أن يستخدم أي موقف معلن من جانبه بـ ‘استغلال’ خبرات الماضي القريب وتوظيفها لإنجاح هذه المرحلة، ورقة اتهام له من قبل الخصوم بالنكوص عن مطالب الثورة باستئصال فلول النظام السابق.ولا تزال عودة ‘التجمعيين’ للساحة السياسية مثار جدل حاد خصوصا وأن مشروع قانون تحصين الثورة الذي يستهدف القضاء على مثل تلك الطموحات والذي تقدمت به خمس كتل داخل المجلس التأسيسي قد قابلته عدّة أطراف معارضة برفض قاطع بدعوى كونه قانونا إقصائيّا مخالفا لمبادئ الديمقراطية، بل أن البعض منها هدّد باللّجوء إلى القضاء الدولي في حال إقراره.ولعلّ ما يزيد الصورة تعقيدا هو الغموض الذي يحيط بمسألة العدالة الانتقالية إذ أن مشروع القانون الذي صادقت عليه الحكومة أواخر العام الماضي ما يزال قيد الدرس داخل المجلس التأسيسي وليس من المعروف حتى الآن ما إذا كان النواب سيصادقون عليه في ظل ما يعرفه هذا المجلس من تجاذبات ومناكفات سياسية حادة.وتثير مثل تلك التجاذبات والمناكفات والتي لا يقتصر وجودها على المجلس، قدرا من القلق، إذا أن شراسة المواجهة المفتوحة بين الحكومة ومعارضيها، والشكوك والهواجس المتبادلة بينهما لا تسمح بإكمال المرحلة الانتقاليّة بمنأى عن هزّات أمنيّة واجتماعيّة، لم يعد بالإمكان توقع توقيتاتها أو مجال ارتدادها. لقد تسببت نتائج الانتخابات الشفافة والنزيهة الأولى في تاريخ تونس والتي جرت قبل أزيد من عام من الآن في وصول الإسلاميين إلى سدّة الحكم، لكن هذا الوصول ظلّ محكوما بعاملين اثنين :الأوّل: أنّ الفوز في الانتخابات لم يسمح لهم سوى بمشاركة ‘منقوصة’ استنزفت جانبا من رصيدهم وصورتهم، ولم تمكنهم من امتلاك الأدوات الضروريّة اللازمة قصد القيام بالإصلاحات المطلوبة كما أن افتقادهم إلى خطة اتصالية على المستوى القريب والمتوسط أي متناسبة مع الوضع الانتقالي للبلاد جعلهم يخوضون معارك غير متوازنة تعوزهم فيها ‘الأسلحة’ الإعلامية التقليدية قبل النوعية.أما العامل الثاني فهو بقاء التصلّب الايديولوجي الذي حكم النظرة إليهم طيلة عهدي بورقيبة وبن علي على حاله أي دون أدنى مراجعات أو تقييمات تأخذ بعين الاعتبار وزنهم على الساحة والمتغيّرات الوطنيّة والإقليميّة في التعاطي معهم، وذلك لدى فئات واسعة من المعارضة الدستوريّة واليساريّة، وهو ما يجعل جهودهم وتحرّكاتهم تقابل بالإرباك والتشكيك المتواصل في النوايا والأفعال.وما يزيد الأمور تعقيدا هو وقوع تونس الآن فيما يشبه حالة الحصار الدولي غير المعلنة إذ أن عدة أطراف وقوى أوروبيّة وحتّى أمريكيّة لم تعد تشكّك في فرص نجاح مسار الانتقال الديمقراطي فحسب بل تعمل بأشكال ملتوية على إفشاله عبر الإخلال بوعودها والتزاماتها الأخلاقيّة تجاه البلاد خصوصا تلك التي تعهّدت بها خلال قمّة الثمانية الكبار.وإذا ما انضاف إلى ذلك البرود المتواصل في العلاقات مع الجار الجزائري وحالة عدم الاستقرار التي تعرفها ليبيا، فإنّ كلّ تلك العوامل وغيرها تجعل الصورة تبدو كئيبة ومعتمة إذا ما نظرنا إلى الكأس من نصفها الفارغ، ومثيرة لتفاؤل محدود بأيّام أفضل إذا ما كان محط أنظارنا هو نصفها الآخر الملآن.لكن الثابت في كلا الحالتين وبقطع النظر عن هذه الزاوية أو تلك أنّه لا مناص للتونسيين جميعا بمختلف تياراتهم واتجاهاتهم من تقديم مزيد من التضحيات في معركة الانتقال الديمقراطي التي بدأت مع ‘فرار’ بن علي وتستمر اليوم وغدا وبضراوة لا مثيل لها.’ كاتب صحافي من تونسqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية