د. لؤي منور الريماوي نحتاج اليوم إلى دقة علميّة ووضوح كبير عند الخوض في الشأن الأردني. فمعظم التعليقات والتحليلات التي نقرأها ونسمعها اليوم تفتقر إلى توضيح وتحديد دلالات الفاظها السياسية وإسقاطاتها العملية على أرض الواقع الأردني كما هو اليوم بعدما يُقارب العامين من الربيع الأردني. فهنالك الإفتراض المغلوط أن النظام الأردني اليوم هو نفس النظام الذي كان قبل عامين وأن العقليّة التي تسوده اليوم سواء أكانت سياسية أو أمنية هي نفس العقلية السابقة. هذه النظرة تتجاهل ديناميكية الأحداث في الأردن والتي هي بتسارع مستمر، خاصة وأنه خلافاً للنصائح النفاقية الأوليّة والتي إرتبطت مصالح ناصحيها مع الحقبة المُنصرمة، فإن رأس النظام يعي اليوم أن الفساد يشكل خطراً وجودياً وأنه بالرغم من البداية الخجولة لحسم هذا الملف فإن الأردن بأجهزته القضائية وإدعائه العام مصممون على إجتثاث هذه الظاهرة ومحاسبة الفاسدين بغض النظر عن موقع المتورطين دونما إنتقائية إنتصاراً لقيم الأردن العليا وإسترداداً للمال الأردني العام. ولا بُدّ من الاشارة هنا إلى أسباب تاريخية إستبقت الربيع العربي الأردني تآمرت جميعاً فيما بينها على ترسيخ حالة الضبابيّة في الطرح الســـــياسي الأردنــــي من خــــلال التكتم الشديد والتلاعب في دقة الوصف في تشخيص الأحداث والدوافع من أجل إرباك المواطــــن الأردني البسيط وتجريده من الرؤيا الواضحة. هذه تمت في ظل التـــفاهمــات غير المكتوبة من خلال المحاولات الحثيثة التي مارستها شلليات ومافيات الحكم من الأنساب والأصهار والمحاسيب من الذين آمنوا بالتسلق الإجتماعي الرخيص مذهباً في ظل محسوبية ممنهجة جيّرت لهم ولمنافقيهم المناصب الأردنية العُليا على حساب مصداقيّة النظام وسلامة معايير النزاهة الوطنية الأردنيّة. فبالرغم من التباكي المفُتعل على ‘مصلحة الشباب الأردني’ و’حقه الكامل في دورٍ رياديٍ وطنيّ’ كانت شلل الحكم هذه تمارس أقسى درجات اللصوصية بسرقة الفُرص من شباب الأردن المقتدر حيث حاربت وبكل شراسة الكفاءات الأردنيّة الشابة خوفاً من المنافسة الشريفة والتي كانت سوف تُعرّي قصورها والتي حمتها بهرجة الإعلام الرسمي الذي كان يُعتبر من إقطاعياتها الخاصة. فبالرغم من كل محاولات التمويه المُمنهج، فما جرى كان بكل بساطة سمسرة الأردن وقيمه الوطنيّة العليا ومصالحه الإقتصادية ورهنه لأهواء والمصالح الخاصة للمتسلقين الإجتماعيين من الكثير من رؤساء وزراء سابقين وحاليين ورؤساء سابقين لهيئات الرقابة المالية الأردنية وأسواق المال وغيرهم من كبار متنفذي القطاع العام والخاص. ماهو واضح كل الوضوح أنه بعد عامين من الربيع العربي الأردني فإن حنجرة وطنيّة أردنيّة واحدة من حراك الطفيلة أو معان أو الكرك أو ذبيّان أو إربد هي أكثر شرعية من كل مناصبهم السياسية والإقتصادية والرقابيّة التي سطوا عليها من غير خجل أو حياء وطني. فتلك المجموعات من مافيات الحكم من أنساب وأصهار ومحاسيب لم يكن يعنيها مطلقاً سُمعة النظام وحمايته من تُهم المحسوبيّة الممنهجة، ولم تهمها يوماً النتائج الخطيرة لفقدان المواطن الأردني الثقة بمنظومة النزاهة الوطنية وتدمير إعتزاز الشباب الأردني بعدالة نظامهم من خلال قبولها بإذلال الشباب الأردني الذي بات مسلوب القيم بعدما زرعوا فيه أن المحسوبية والفساد والتذبذب هي سنة الله في خلقه وأنها قدر الأردن والأردنيين، حيث كان جُلّ هم هذه الطبقات المتحكمة تسميم براءة الطرح الوطني الأردني غير مبالية بتأكيد مقولة أن ‘النظام ليس بأكثر من نظام تثبيت المكتسبات الفاسدة للنخب المتحكمة في ظل المحسوبيّة الممنهجية’. ولعل التطور الإيجابي الأهم والذي قلما يتم التركيز عليه بعد عامين من الربيع العربي الأردني هو تطوّر النظرة الأمنية في حماية المواطن الأردني وملاحقة المعتدين على القانون، خاصة في ظل الإنتخابات النيابية الأخيرة في مطاردة المتهمين حتى من قِبل من يحسبون أنفسهم على النظام والإعتقالات التي تمت ضمن القانون وبمنتهى الشفافية. ومن يُمعن النظر بتصرفات الأجهزة الأمنية الأردنية يلاحظ أنها وبكل إحترافيّة لم تتدخل في الإنتخابات وأنها الأقرب اليوم الى فكر الملك عبدالله الثاني الإصلاحي في تحقيق إصلاحات وتجديدات داخلية ترتقي اليوم الى مصاف الدول الأوروبية والمتقدمة، كما هو جليٌ من خلال إحترامها للقانون بعدم التفرقة بين ما يُسمى بمظاهرات ‘الولاء’ و’المعارضة’. فالهجمة الشرسة التي تعرضت لها هذه الأجهزة الأمنيّة الوطنيّة الأردنية في بعض وسائل الإعلام العربية من بعض أقطاب المعارضة الأردنية متهمة إياها بالتزوير والتدخل بالأنتخابات النيابيّة الأخيرة هي إتهامات مرفوضة جملةً وتفصيلاً حيث تجانبها الموضوعيّة والتجني التحزبي. سيبقى هناك بالتأكيد من يتحدث عن نظام الصوت الواحد وكأنه إبتكار ‘رجعي’ أردني ليُشكك بجدية الأردن الإصلاحية وأنه بدون إلغاء هذا النظام الإنتخابي لن تقوم قائمة ديموقراطيّة في الأردن. هذه تساؤلات مشروعة ولكنها لا تعني الكثير للغالبية العُظمى من الأردنيين الذين لا يريدون للمصلحة الوطنيّة الأردنيّة العُليا أن تكون رهناً للمصالح الحزبيّة الضيّقة في هذه الفترة الإنتقالية الحرجة والتي تشوبها التقلبات الجيوسياسية الحادة في الدول المحيطة. لا سيما أن الإنتخابات النيابية لن تكون الأولى ولا الأخيرة والمجال كله مفتوح لتعلم الدروس وتطوير النظام الإنتخابي الأردني ليُعبّر عن مصلحة الأردن الحقيقيّة. فمن تابع دوائر النقاش بعد إنتهاء الإنتخابات لاحظ أن إهتمام المرشحين ممن نجحوا أو ممن لم يحالفهم الحظ تركز في غالبيته على مصالحهم الإنتخابية والشخصية الضيّقة وإمتيازاتهم المستقبليّة دونما الخوض في الأساسيات الوطنيّة والضرورات الإصلاحيّة العاجلة والبرامج التفصيليّة لتحقيقها. فالإصلاح في الأردن بعد عامين من الربيع الأردني ليس حكراً على جبهة حزبيّة أو شخصيّة وطنيّة دون غيرها. بل هو إلتقاء جميع المخلصين من كل الدوائر الرسميّة والشعبيّة على ضرورة تعزيز الأردن وحماية كرامته الوطنيّة ورفع شأنه الإقتصادي من خلال إستقرارٍ داخليٍ يقوم على سيادة القانون وحماية المواطن البسيط من التطاول والتسلط والفساد والمحسوبيّة الممنهجة في ظل هوية وطنيّة أردنيّة جامعة.’ محاضر اردني زائر في جامعة كامبريدج والمحاضر السابق غير المتفرغ في القانون الدولي العام في مدرسة لندن للاقتصاد (LSE)qmdqpt