(1998-2018)
عشرون عاما تمرّ هذه الأيّام على غياب الشاعر التونسي عامر بوترعة، الذي رحل ذات يوم نوفمبري من سنة 1998 بعد عقود من معاشرة الكلمة الشعرية
ودفع الحراك الإبداعي، انطلاقا من جهات الهامش البعيدة عن العاصمة ووسائل الإعلام، صانعا نجوميته وناحتا مكانته في مشهد شعري متنوع. فالشاعر أصيل جهة قفصة، وقد نشأ مع شعراء المناجم المعروفين وجايلهم، ولكنه استقر في مدينة سيدي بوزيد واستطاع أن يكون فيها ظاهرة شعرية بامتياز، وأن يتقمص صوت ربوعها وأهاليها تاركا للعديدين ذاكرة شاسعة عن حياته الشعرية، وقد استطاع تخليد اسمه وكتابة قصيدته الخالدة التي تحمله إلى الجمهور وتكفيه ليعيش في الذاكرة العامة. ولعلنا هنا نتوقف عند هذه الظاهرة، فالكثير من الشعراء يدخلون التاريخ بقصيدة واحدة، رغم أهمية أعمالهم الأخرى، ولعل نجاح الشاعر لا يكمن في كتابة عشرات الدواوين، بل في القصيدة الواحدة التي تقفز إلى القلوب ولعل غياب هذه القصيدة المفتاح جعل العديد من الشعراء كمن يحرث في البحر، تلفظهم الذاكرة وتنساهم. فمثلما تعد إرادة الحياة القصيدة التي خلدت الشابي و«أنشودة المطر» القصيدة التي خلدت السياب، فإن قصيدة «نعم أنا راع» خلدت عامر بوترعة وهي الأشهر في تجاربه ومجموعاته الشعرية المتعددة.
استطاع أن يترك القصيدة التي أحبها الناس وتناقلوها ومازال لها وقع رغم مرور السنوات. وتعتبر هذه القصيدة تاريخية لما أثارته من ضجيج وربما لطبيعة حكايتها ومناسبة كتابتها.
استطاع عامر بوترعة أن يترك القصيدة التي أحبها الناس وتناقلوها ومازال لها وقع رغم مرور السنوات. وتعتبر هذه القصيدة تاريخية لما أثارته من ضجيج وربما لطبيعة حكايتها ومناسبة كتابتها. لقد مارس فيها الشاعر دور صوت القبيلة منتفضا للاحتجاج على ضيم جهوي ويمكن اعتبارها من أهم القصائد التي كتبت احتجاج الهامش على المركز… وقد كتبت احتجاجا على منشطة تلفزيونية شهيرة زارت ربوعه لإجراء منوعة تنشيطية، ووصفت أهالي تلك الربوع ساخرة بأنهم رعاة. فكان رده مزلزلا معتزا بهذه المهنة البدوية ومؤكدا أصالتها وتمسكه بها:
لأنّ أبي كان راعيوأمّي رعت وأخي عاش راعييشرّفني أن أظلّ مدى العمر راعي»
وتتحول هذه القصيدة إلى افتخار بالقيم البدوية التي يملكها البدو والرعاة : «فزوري ولو مرّة قريتي رافقي … مرّة من رعى لتدري بأنّ الرّعاة عظام وقد حوّلوا الأرض للخير آنستي مرتعا وأنّ الشّياه إذا ما ثغت وأطفالنا يرقبون الرّجوع وآباؤنا يرفعون الدّعا نحسّ بأنّ الحياة نضال»
والحقيقة أن احتفاء الشاعر بصوت الهامش البدوي سمة من سمات تجربته الشعرية فهو يحتفي بصورة البادية وانكساراتها ويوظف معاجمها وحياتها في إنتاج الصور الشعرية مسبغا على قصائده طابعا بدويا وجنوبيا:
ورجعت يا أمّي إلى تلك البيادر سائلا في الأربعين عن بعض آثار لكفّك في المناجل عن بعض آثارلوجهك في السّنابل فوجدت أجفان السّنابل في انتظار حائر
ويتطرق إلى حياة البادية ومعاناتها وتقاليدها وهو ما نستدل عليه بهذا المقطع من«فقرة من رسالة لا تنتهي» : «أبا أيوب هل مازلتم تتربّعون على حصير الشّعر ثمّ تلامسون بأفقه نجماوهل مازلتم عند المخاض تغمسون الرّفش في حبر التّراب
اللقاء الأخير مع المتنبي:
لم يخرج بوترعة من ذاكرة تلك الربوع… مازال يذكر في مجالسها ومقاهيها ومازال بعضهم يفتخرون بأنّهم جالسوه وعاشوا لحظات إبداعه متحدثين عن «زمن عامر بوترعة» الذي استطاع أن يضع بصماته على المشهد الشعري بالجهة في تلك الفترة حتى صمت ذات أمسية شعرية.
كان مشهدا محزنا والشّاعر يسكت عن الكلام أمام جمهوره ويعجز عن القراءةفي إحدى دورات مهرجان مرآة الوسط حينما صعد وقد دبّ المرض في جسده ليقرأ. ولم يكن أحد يدري أنّه لن يكمل القراءة وإنّها الأمسية الأخيرة لهذا الشّاعر، ولم يكن أحد يدري مصادفة عنوان القصيدة لقد كان عنوانها «آخر لقاء لي بأبي الطيّب المتنبّي» وكانت آخر لقاء لعامر بوترعة بالشّعر والشّعراء…
« كان اللّقاء أخيرا كنت مضطربا وكان ينهار عبر الصّمت مكتئباسألته ودموعي في منابتها غيث برغم انفجار الرّعد ما أنسكبما بالك المتنبّي … أنّي قلق الخيل واللّيل والبيداء من ركبا
احتفاظ الذاكرة الشعبية بعامر بوترعة يقابله نوع من اللامبالاة على المستوى الرسمي. فلم نر محاولة جادة لجمع تراثه وأعماله العديدة وحمايتها من التلف والضياع.
ويضيف عامر بوترعة في هذه القصيدة :
ما بالك المتنبّي لست تنصت ليهل ذلك اللّهب المزروع فيك خبافقام والصّمت لم يبرح ملامحهومدّ لي يده السّمراء منسحبا وقال جئت لألقي بعض أمنيتي في أن أرى في دروب العزّة العربا «
يومها ألقى الشّاعر بيتين من هذه القصيدةثمّ صمت وتمتم وتأسّف عن وصوله إلى هذه المرحلة التي أصبح فيها عاجزا عن القراءة والإلقاء لأنّ المرض الخبيث أصاب حنجرته ووثب مدير الملتقى الإعلامي محمود الحرشاني من مقعده ليكمل قراءة القصيدة ..غادر الشّاعر ركح الشّعراء ومضى ليصارع المرض حتى وافته المنية وجاء أجله ذات يوم خريفي كئيب.
نسيان ولا مبالاة:
لكن احتفاظ الذاكرة الشعبية بعامر بوترعة يقابله نوع من اللامبالاة على المستوى الرسمي. فلم نر محاولة جادة لجمع تراثه وأعماله العديدة وحمايتها من التلف والضياع. وحتى الملتقى الشعري المغاربي الذي يعود إلى سنوات في مدينة سيدي بوزيد ويحمل اسمه ارتبك بعد الثورة وفقد دورية انتظامه وصار ينتظم بشكل محدود وإمكانيات ضعيفة. وقد يكون هذا الأمر لعدم معرفة القائمين الجدد على المشهد الثقافي بأهمية قامة الرجل الشعرية. ورغم هذا الإهمال نستطيع القول إن قصيدة «نعم أنا راع» ستظل في الذاكرة وستخترق كل نسيان…
٭ كاتب تونسي