عاملات زراعيات في أغادير ضد أرباب عملهن

 سعيد المرابط
حجم الخط
2

الرباط-“القدس العربي”:”هذا العمل مليء بالعنف والاغتصاب، وكم مرة عملنا حادثة أثناء النقل، أو كدنا نقع في حادثة بسبب الأمطار أو قلة نوم السائق الذي يعمل في المخزن ويرسل لتوصيلنا، في شاحنة نقل صغيرة نكدس فيها نحن 25 شخصاً”. مشهد من حياة يومية، لمن لا ظهر لهن ولا سند، محكي بلسان عاملة زراعية في المغرب، لا تزال في ريعان شبابها.

ففي الظروف العادية، مكان عائشة ذات الربيع الثامن عشر هو حجرات الدراسة، في إحدى المؤسسات التعليمية بمدينة أغادير جنوب المغرب، أو في مدرجات الجامعة، وفي الظروف التي تعيشها، ابنة رجل لا مدخول له سوى بضعة دراهم معدودات، يجنيها بعد يومٍ طويل من بيع الخضر في السوق، فإن المكان الذي رمتها فيه الفاقة والفقر، كان حقول الزراعة، في القليعة (على بعد نحو 25 كيلومتراً عن أغادير) في ظروف لا إنسانية، وفق ما ترويه.

التحرش والاغتصاب

حملة حقوقية، ترفع الشكاوى المقدمة من عاملات زراعيات مغربيات ضد أصحاب عملهن في منطقة أغادير، حيث يعملن لجني الفواكه والخضراوات في ظروف شديدة التعاسة، وتكشف عن حالات خرق قانون التشغيل، من تحرش جنسي، وحالات اغتصاب.

وتتحدث عائشة عن أحداث أسوأ، بما في ذلك حالات التحرش الجنسي، وحسب قولها، فإن هذا النوع من الممارسات تم خلال العمل.

عائشة، في شهادتها لحملة “يودا” (بالأمازيغية كفى) تقوم بالتعريف “بمختلف مظاهر التمييز والعنف الجنسي المرابط بالعاملات الزراعيات”. تحكي عن معاناتها من هذا النوع من الاعتداء عليها جنسياً.

وتقول عائشة التي غادرت فصول الدراسة من القسم الثاني إعدادي، بسبب الفقر، “كان والدي على قدر الحال، وكانت لي متطلباتي، ملابس وغيرها، فاضطررت للخروج إلى العمل في المزارع”.

وبالإضافة إلى التعب والشقاء في العمل، الذي فرضه بؤس الحال، وقلة ذات اليد، يزداد طين العمل بالمَزارع بلةً “بسبب نظرة الناس الدونية للعاملات الزراعيات، اللواتي يُظن أنهن لم يجئن لهذا العمل إلا لأنهن مومسات” توضح عائشة.

هاته النسوة اللائي يعملن في مزارع تضخ في جيوب ملاكها ملايين الدراهم، من عرق عائشة ومن معها، يعانين فيها من “تحرش المراقب والسائق والمسؤول، وغير ذلك من الصعوبات”.

وبالإضافة إلى حالات التحرش، يتم إذلال العديد من النساء، وإلقاء اللوم عليهن من قبل بعض الأقارب والجيران في المغرب، كأنهن جناةٌ لا ضحايا.

ومع كل هذا وذلك “يمكن أن نُطرد في أي لحظة، من دون أن نحصل على مستحقاتنا، التي عادة ما تذهب أدراج تنكر المشغل أننا اشتغلنا عنده يوماً ما”.

كورونا معاناة مضاعفة

كورونا حيرة الإنسان الوجودية، الفيروس الذي قلب العالم رأساً على عقب، والجائحة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها بعد، لها قصص ومآسٍ لا تختزلها الأرقام الباردة لإحصائيات الضحايا، ولا التضامن الإنساني الذي يضرب وميضاً كالبرق هنا وهنا، بل لها ترانيم أخرى يعزفها سرد حكايا بؤس النسوة اللاتي يعرفن الأرض التي كنّ يزرعنها، كما يعرفن أن هاته الأرض ليست للجميع، وأن جبروت كورونا الذي وضع أنف أعتى الدول في الرغام، لا يزال أخف وطأة من الجبروت الذي يستنزله الإنسان ظلماً بالإنسان، على الأقل بالنسبة لهن.

ففي بدايات شهر آذار/مارس، ظهرت أول حالة إصابة في المغرب، بالفيروس التاجي “كوفيد-19” والتي رافقتها حالة من الفزع والرعب بين العاملات الزراعيات، اللائي قررن التوقف عن العمل “خوفاً من العدوى وانتقالها بين العمال” حسب ما تقول عائشة.

ذهبت عائشة ورفيقاتها في العمل إلى المسؤول في المزرعة الفلاحية “كي يعطينا أجرة ما عملناه في أيام ماضية، كي نذهب لمنازلنا ونطلق الحجر الصحي” ولكن ذلك تحطم على صخرة الرفض، لتتضاعف المعاناة.

فما كان منه، وفق ما ترويه الشابة، سوى أن أجابهن بالرفض التام “لن تحصلوا على الأجرة حتى تفوت أزمة كورونا، ومن لا يعجبه هذا فليذهب إلى حال سبيله”.

وتختم عائشة، ترانيم حكاية البؤس الدامية، بصوتها المعبق بالحزن، الحسرة والانكسار “الله وحده يعلم حالنا، فأفضلنا حظاً، تعمل من أجل أبنائها، فالأغلبية مطلقات وأرامل”.

الخوف من الإصابة بالعدوى، أو نقلها إلى أهاليهم وأبنائهم، أرغمت النسوة “العاملات الزراعيات” على البقاء في منازلهن، رغم أنه لا دخل لهن ولا مورد آخر، وتقول أسماء، 25 سنة “نجد صعوبة في الحجر، فقد جلسنا عن العمل، ولكن لا ندري من أين نأتي بالمصروف”.

ما خفي أعظم

النساء العاملات الزراعيات، واللواتي يعتبر السواد الأعظم منهن غير متعلمات، لم يكن ما روينه من تحرش واغتصاب أثناء العمل هو الصورة الكاملة لمأساة تقع تحت مرأى ومسمع الجميع، فما خفي كان أعظم.

وحسب ما كشفته لجريدة “القدس العربي”، بشرى الشتواني، المنسقة الوطنية لـ”نساء شابات من أجل الديمقراطية” فإن هناك “عاملات زراعيات غير معنيات بالحجر الصحي، بسبب الطلب المتزايد للمنتوج الفلاحي من الخارج على أرباب الضيعات اللاتي يشتغلن بها”.

وأكدت الشتواني على أن أرباب الضيعات الفلاحية، بعد تلقيهم لطلبات كثيرة “أصبحوا يستقدمون عاملات أخريات، لسد الخصاص في اليد العاملة، وزيادة الإنتاج بما يضاهي الطلب” مشددة على “غياب شروط العمل الصحية، كالازدحام في سيارات النقل، دون الحفاظ على مسافات الأمان، ودون كمامات وقفازات طبية”.

هذه الظروف، وحسب الناشطة الشتواني، دفعت بالعاملات إلى التوقف عن العمل خوفاً على سلامتهن، ليكتشف أن أغلبهن “غير مسجلات بالضمان الاجتماعي، بعد سنوات من العمل في الضيع” أما المسجلات فقد رفض أرباب العمل “تسجيلهن في الدعم الذي تقدمه الدولة للمتضررين، بدعوى أن العمل لم يتوقف”، فيما رفضوا أداء أجرة العاملات الموسميات، حتى يبقين في العمل رغماً عنهن”.

وجدت النسوة، أنفسهن في دوامة لا تنتهي، “الجهل بطريقة التسجيل في مساعدات الدولة، المسجلات في الضمان الاجتماعي، لا حق لهن في المساعدات الموجهة للمهن غير المهيكلة، والمشغل لا يريد التصريح بأنهن جلسن عن العمل”، تقول منسقة “نساء شابات من أجل الديمقراطية”.

القطاع الفلاحي، الذي يمثل بين “14 و24 بالمئة من الواردات الإجمالية للمغرب”، وفق الموقع الرسمي لوزارة الفلاحة المغربية، يعمل له “حوالي 4 ملايين عامل وعاملة” فيما العدد الإجمالي لعمال القطاع الخاص في المغرب، المصرح بهم لدى “الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي” 3 ملايين و200 ألف، وفق الأرقام الرسمية لـ”المندوبية السامية للتخطيط”.

وتؤكد الإحصائيات النقابية، غير الرسمية، أن عدد المسجلين لدى “الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي” لا يتجاوز نسبة 6 في المئة.

وفي ما يخص التعويضات التي تكلفت بها الدولة، من صندوق تدبير جائحة “كوفيد-19″ كشف سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية، أن عدد المستفيدين من المسجلين بـ”الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي” بلغ “716 ألفاً و255 أجيراً” مضيفاً أن “92 ألفاً و795 حالة لا تزال قيد الدراسة”.

أما قضية عائشة ورفيقات بؤسها، فهي تكشف أن كورونا وحده ليس ما يقتل أو يصيب الإنسان، فلكل قطاع “كوروناته” فقد تغلبت العقلية الرأسمالية على الشق الإنساني لدى مشغل عائشة ومن معها، فانقسمت العاملات بين أمرين أحلاهما مرٌ، بين من ما زلن يعملن “قسراً” للحصول على ما يقيهن غوائل الفقر، وبين من اخترن “النجاة بأنفسهن وذويهن” مفضلات “الجوع على نقل العدوى لفلذات أكبادهن” ينتظرن فرجاً قد يأتي وقد لا يأتي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية