عامل النظافة الصـيني.. والـيمني!

حجم الخط
0

لفت نظري وأنا برفقة والدتي، في مستشفى ابن سيناء الخاص، الكائن بجولة عصر بأمانة العاصمة صنعاء، الذي قصدته للعلاج، إثر وعكة صحية ألمت بها.. أحد عمال النظافة الذي هو في العشرينات من عمره، تبدو من ملامحه ولكنته أنه صيني الجنسية، وزميلته الصينية الأخرى، التي تقوم بخدمة المرضى العاجزين غير القادرين على الحراك أو المشي حتى إلى المرحاض، عافاكم الله، عبر عربة صغيرة متحركة.

عامل النظافة ذلك الشاب الصيني، وحينما كنت في الدور الأول من المتشفى ذاته، انتظر خروج والدتي من غرفة التشخيص التلفزيوني، وإذا به لا يترك قارورة عصير فارغة إلا ورفعها من على الأرض، أو بقعة بلاط (سراميك) صغيرة ومتسخة، أو ملاذ آمن ومفضل للذباب حيث الجراثيم، إلا وقام بتنظيفها وكنس الغبار وقصاصات الورق العالقة بها، وغسلها بالمـاء والصابون. وبما بحوزته من أدوات تنظيف، من مِكنسة ملتصقة بـ مجِّحَفة في قطعة واحدة (حافظة متحركة صغيرة لجمع النفايات)، إضافة لماسحة غسيل البلاط، وبنشاط وهمة منقطعي النظير، وابتسامة عريضة لا تفارق وجهه، ويتنطط (يقفز) بسرعة مذهلة من مربع إلى آخر، ومن طارود كذلك أو باحةٍ إلى أخرى، الذي ذكرني بالممثل السينمائي الشهير ‘جيتلي’. وكذلك تفعل زميلته في قسم الخدمات، رغم كبر سنها، فهي تنتظر المريضة التي نقلتها للمرحاض، وهي تقبض بتلك العربة المتحركة، بابتسامة لا تتسلل إليها الملل، أو يسرقها التعب والإرهاق.. ومن ثم تحملها إلى المختبر لعمل التحاليل والفحوص، والعودة بها مجدداً إلى غرفة الطبيب، وأخيراً إلى الشارع أو بوابة المشفى، وهكذا مع مرضى آخرين.. نعود لنقول ان ذلك الصيني عامل النظافة وزميلته، ضربا أروع الأمثلة في الإخلاص وحب العمل.. وتقديم المساعدة لمن يحتاجونها من المرضى على أكمل وجه، ويجب على عمال النظافة اليمنيين الإقتداء بهما، ولا نبالغ إذا قلنا انهما يقدمان خدمات جليلة في ذلك المستشفى، لا تقل أهمية بكل المقاييس، عن ما يقدمه الأطباء ومساعدوهم في المستشفى ذاته، من خدمات علاجية واسعافية طبية عادية، وعاجلة أو طارئة في الوقت نفسه. بعكس عامل النظافة اليمني، الذي يتثاءب أثناء العمل والتنظيف، هذا إن لم يأت إليه متأخراً ساعة أو نصف ساعة على الأقل، ويدخل في هذا يعنيني وهذا لا يعنيني، ويتذمر ويكثر من الثرثرة.. كان يجب على ذلك الأب أن لا يسمح لطفله برمي تلك القارورة أو زجاجة العصير على الأرض، ولفافة البسكويت، وتلك المرأة ليست نظيفة فهي رمت بمنديلها على الأرض.. وحتى لا نظلم عامل النظافة اليمني، ويتهمنا بالتجني عليه، فهو يعمل براتب زهيد، ولا نعرف كم يتقاضى نظيره الصيني في مستشفى ابن سيناء على سبيل المثال لا الحصر؟ فعندنا في اليمن التمييز والتقدير والراتب المغري والمرتفع دائماً يفرض نفسه على العمالة الأجنبية، والعقول العلمية الأجنبية، دون اليمنية المحلية، التي لا تقل كفاءة عن غيرها.. ومن المعيب أن نستمر بهذه العقلية، حتى على مستوى عمال النظافة في المستشفيات اليمنية العامة والخاصة، الذي لا نقلل أبداً من شأنهم ودورهم في نظافة البلاد وإظهارها بصورة جميلة، في حين تقدر الكوادر اليمنية خارج البلاد، وتعطى كافة حقوقها وامتيازاتها، ولكن ذلك لا يعني أو ليس مبرراً لتكاسل عامل النظافة اليمني، والتقصير بواجباته الهامة في رفع المخلفات وما أكثرها في اليمن، وخصوصاً في شوارع وأحياء العاصمة صنعاء، ويجب أن لا ننسى أن نؤكد أن نظافة اليمن وبيئتها النظيفة، ليست مسؤولية عامل النظافة وحده، بقدر ما هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع اليمني بأسره، ونضم أصواتنا إلى أصوات عمال النظافة، في أمانة العاصمة، وبقية مدن اليمن، المطالبين بتثبيتهم ورفع مستحقاتهم المالية ورواتبهم، ونتمنى من أمين العاصمة صنعاء أن يسمعنا، ويبادر بتكريم المتفانين منهم في العمل هذا العام، وكل عام على الأقل فهم ليسوا أقل من غيرهم، ومن أجل بث روح التفاني وحب العمل في أوساطهم، ولو كنت في موقع قرار أو مسؤولية ولا أتمنى ذلك، لوضعت مقترحاً بتخصيص يوم كعيد لعامل النظافة اليمني والاحتفاء به سنوياً.. وختاماً نقول لشعبنا اليمني، إذا كانت الحكمة العربية الشهيرة تقول ‘ كونوا ملكيين أكثر من الملك ‘، فإنني أقول: كونوا أكثر نظافة من عامل النظافة نفسه، بوضعكم المخلفات في المكان المناسب.

محمد رشاد عبيد – اليمن [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية