القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «لست أحد الذين لديهم نظرة متشائمة في أنه لا توجد طريقة أخرى لحل هذه المأساة إلا بهزيمة مطلقة لجانب واحد بالدم والنار. وعلى الجانب الآخر لا أشارك أصحاب النظرة الميلودرامية التي ترى أن الجانبين سيتعانقان طالما وجدت التركيبة السحرية الجيوسياسية. أفضل ما يمكن أن تتوقعه هو مراحل بطيئة لتفاهم وقبول نفسي مصحوب باستيقاظ بطيء ومؤلم للحقيقة، تتخلله مراحل مريرة من أحلام متبددة، وشكوك متبادلة. فالجروح الإنسانية تلتئم وتنتج ندوباً دائمة». (عاموس عوز)

المغضوب عليه
يعتبر عاموس عوز (4 مايو/أيار 1939 ــ 28 ديسمبر/كانون الأول 2018) أحد أشهر الأدباء الإسرائيليين وأكثرهم تأثيراً وجدلاً نظراً لمواقفه من القضية الفلسطينية، ووجهة النظر التي طالما نادى بها في المؤتمرات والمحافل الدولية، ما أثار غضب الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. ولد عوز في القدس لأبوين هاجرا من أوكرانيا إلى إسرائيل عام 1934، وكانا محسوبين على الحركة التصحيحية الصهيونية، التابعة لتيار جابوتينسكي، أحد أكثر التيارات الصهيونية عنصرية في بدايات قيام إسرائيل. درس عوز الفلسفة والأدب العبري في الجامعة العبرية في القدس. لم ينشر شيئاً حتى سن الثانية والعشرين، فجاءت مجموعته القصصية الأولى «بلاد ابن آوى» عام 1965. وروايته الأولى «ربما في مكان آخر» عام 1966. بدأ عوز نشاطه الاجتماعي في ستينيات القرن الفائت، حينها انضم إلى مجموعة (مين هيسود) الاشتراكية الديمقراطية، التي عرفت بمعارضتها لطقوس عبادة الشخصية الخاصة بدافيد بن غوريون. انضم بعد حرب 1967 لمنظمات ومجموعات تنادي إلى السلام وترفض الحرب. كان من الداعمين البارزين لحركة (السلام الآن) بعد إقامتها. دعم في البداية حزب العمال، ثم حزب (ميرتس) اليساري، وكان من المبادرين إلى (وثيقة جنيف) الصادرة عام 2003 ونادت بحل الدولتين. ودائماً ما تعرّض عوز للانتقاد داخل إسرائيل، التي كانت أكثر حدة بعدما أرسل عوز إلى مروان البرغوثي في محبسه نسخة من روايته «قصة عن الحب والظلام» بالعربية، وكتب في الإهداء «آمل أن نلتقي قريبا في إطار السلام والحرية». حصل عوز على عدة جوائز، منها.. وسام الفنون والآداب الفرنسي 1984، جائزة فرانكفورت للسلام 1992، وسام الشرف الفرنسي 1997، جائزة أمير أستورياس للآداب 2007 كما رُشح لجائزة نوبل للسلام والآداب.
كان من الداعمين البارزين لحركة (السلام الآن) بعد إقامتها. دعم في البداية حزب العمال، ثم حزب (ميرتس) اليساري، وكان من المبادرين إلى (وثيقة جنيف) الصادرة عام 2003 ونادت بحل الدولتين.
موقف متعارض
اشترك عوز كجندي احتياط في وحدة دبابات بالجيش الإسرائيلي في حرب 1967على جبهة سيناء، وفي حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 في مرتفعات الجولان، ورغم ذلك ظل طوال عمره ينادي بالتسوية السلمية مع الفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية على الضفة وقطاع غزة، وهو ما يوحي بتعارض كبير يصل حد السخرية. فهو من ناحية يؤكد انتماؤه للصهيونية لاعتقاده الراسخ بأن دولة إسرائيل هي الوطن الحقيقي الوحيد لليهود، مقابل رؤيته للنزاع العربي الإسرائيلي على الأرض بأنه نزاع ليس بين حق وباطل، وإنما بين حق وحق. وفي مقابلة مع إيريك سيلفر المحرر الأدبي في جريدة «جيروزاليم بوست» في 18 مايو/أيار 1972، سأله إيريك بينما تريد أن تشارك الأرض مع العرب، لا تتبرأ من الأيديولوجية الصهيونية، ألا ترى في ذلك مثاراً للسخرية؟ فأجاب عوز، أرى كثيراً من السخرية في جزء من ذلك، إلا أنه سيكون تبسيطاً شديداً للأمور، فالصهيونية حركة متشعبة، تحوي اتجاهات مختلفة، وصراعات أيديولوجية داخلية. أنا صهيوني، ولكنني صهيوني حزين، أنا صهيوني أعتبر أن هناك ضرورة للعالمية، وأعتبر الوطنية مفهوماً عتيقاً ومدمراً. ولكن كوني أباً، لا أستطيع أن أخاطر شخصياً في أن أكون أول من يتنازل عن وطنه، فليحاول غيري ولو مرّة، وما يتبعه مثل الجيش والنظام الدفاعي. لن أكون الأول في العالم، ومن المؤكد لن أكون الأول في الشرق الأوسط، سأكون سعيداً إذا كنت الثاني أو ثالث من يفعل ذلك، لا أريد أن أكون من الرواد بعد الآن.
عن الحب والظلام
ورغم مؤلفات عوز المتعددة، إلا أن أشهر هذه الأعمال رواية «قصة عن الحب والظلام» التي أصدرها عام 2002 ــ ترجمها جميل غنايم للعربية في 2010، وصدرت عن دار الجمل ـ والرواية لم تستسلم للتصنيف المدرسي، بكونها حكاية عن سيرة عوز وتفاصيل حياته ــ عوز المغرم بالتفاصيل ــ لكنها أكثر شمولاً وانفتاحاً من كونها رواية سيرة ذاتية. فمتوالية الحكايات وخلفياتها ودلالتها تبتعد بها عن مجرّد توثيق لحياة شخص، فالأمر أقرب إلى تاريخ خيالي، رغم الاستناد إلى مواقف وتجارب شخصية، خاصة شخصية (الأم) المُنتحرة التي لم تفارق خيال عوز، سواء في هذه الرواية أو غيرها من أعمال أخرى له.
«لو كنت هناك بجوارها في تلك الغرفة المتجهة ناحية الفناء الخلفي.. في تلك الساعة، في الثامنة والنصف أو التاسعة إلا ربعاً في عشية يوم السبت، لكان من المؤكد أنني سأحاول بكل قوتي أن أشرح لها لماذا هذا ممنوع. وإذا لم أنجح في أن أشرح لها ذلك لفعلت أي شيء لكي أثير بداخلها الشفقة، لكي تشفق على ابنها وحيدها. كنت سأبكي وأستعطفها بدون أي خزي، وكنتُ سأعانق قدمها، وكنتُ سأضرب وأخربش نفسي حتى يسيل الدم كما رأيتها تفعل ذلك في لحظات اليأس». (قصة عن الحب والظلام)
الفيلم
في عام 2015 قامت نتالي بورتمان بكتابة سيناريو وإخراج فيلم «قصة عن الحب والظلام» مجسدة شخصية (الأم) وحالاتها المتوترة حتى لحظة انتحارها، ثم تنتهي الأحداث بوصول الابن الشاب وقتها إلى الكيبوتس، ليبدأ حياة جديدة بعيداً عن الأب وعالمه، وقد تعتبر حياة عوز واختياراته في ما بعد، ما هي إلا رد فعل على هذا الأب ومواقفه، خاصة موقفه من (الأم) التي لم تفارق مخيلة ابنها مطلقاً، وقد كرر شخصيتها أو ملامح منها في العديد من أعماله. تستعرض بورتمان في الفيلم قسوة حياة الأسرة المهاجرة، والعلاقات التي كانت قائمة بينهم وبين الأسر العربية ــ الميسورة بوجه خاص ــ كذلك يتوقف الفيلم عند لحظة قيام إسرائيل وعملية التصويت الدولي التي أنشأت هذا الكيان. عالم شاحب كئيب يكتب تفاصيله عوز بروح طفل ومخيلة رجل تجاوز الستين.
اشترك عوز كجندي احتياط في وحدة دبابات بالجيش الإسرائيلي في حرب 1967على جبهة سيناء، وفي حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 في مرتفعات الجولان.
المأزق
«ما الذي تتوقعه منهم؟ نحن من وجهة نظرهم غرباء هبطنا من الفضاء الخارجي واجتحنا أرضهم، ورويداً رويداً استولينا على أجزاء منها، وبينما نحن نعدهم بأننا جئنا إلى هنا حقيقة لكي نغدق عليهم كل خير، ولتحريرهم من التخلّف والجهل ومن عبء القمع الإقطاعي، بمكر ودهاء استولينا على أكثر وأكثر من أراضيهم. إذن، ماذا اعتقدت؟ أن يشكرونا على حسن صنيعنا؟ أن يخرجوا نحونا بالطبول والصنوج؟ أن يقدموا لنا بحفاوة بالغة مفاتيح الأرض كافة فقط لأن آباءنا سكنوا هنا ذات مرة؟ ما العجب إذن في حملهم السلاح ضدنا؟ والآن وعندما هزمناهم هزيمة ساحقة ومئات الآلاف منهم يعيشون من يومها في مخيمات اللاجئين، ماذا، أربما تعتقد أنهم سيشاركوننا فرحتنا ويتمنون لنا كل خير وتوفيق؟». (قصة عن الحب والظلام).
يحاول عوز تجسيد المأزق الذي يحياه فوق هذه الأرض المشتعلة، خاصة أن مواقفه السياسية لا تلقى الرضا دائما، فرغم انتمائه لتيار السلام في إسرائيل، إلا أنه مازال يواصل تعريف نفسه كصهيوني، ويصب غضبه وانتقاداته الحادة على اليسار غير الصهيوني في إسرائيل والذي في رأيه ينكر وجود إسرائيل، ورغم هذا، يحسب لعوز أنه عارض المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ اليوم الأول لقيامها. فمثلاً .. يرى أن الفارق بين سكان الكيبوتس والمستوطنين كالفارق بين الليل والنهار. فسكان الكيبوتس استقروا عن قصد في البرية المقفرة، حيث لا يوجد سكان آخرون، على عكس ما يقوم به المستوطنون. فهم يهدفون إلى سلب أراضي الفلسطينيين. فبالنسبة إلى عوز، المقدسون هم الناس، وليست الحروب أو الأماكن. «الملوك والنبلاء لا يشفقون على أحد، ونحن أيضاً لا نشفق كثيراً على الآخرين، فنحن لم نشفق على البنت العربية التي ماتت عند الحاجز في الطريق إلى المستشفى، لأنه وقف هناك على الحاجز جندي بلا قلب… وأنا لم أرَ صورة البنت التي ماتت والتي يجب أن تمزق عيناها نفوسنا جميعًا حتى لا ننام طوال الليل، لأنهم في جرائدنا لا يظهرون إلا صور ضحايانا، ولا يظهرون ولو لمرة واحدة صور ضحاياهم (قصة عن الحب والظلام). ويقول عوز بمناسبة مرور 70 عاما على قيام إسرائيل: «لا يمكننا أن نصبح أسرة سعيدة لأننا لسنا أسرة واحدة، لسنا سعداء ولسنا عائلة. نحن عائلتان تعيستان. علينا أن نقسم المنزل إلى شقتين صغيرتين متجاورتين… لا جدوى من تخيل أنه بعد 100 عام من سفك الدماء والغضب والصراع، سيقفز اليهود والعرب إلى سرير شهر العسل ويشرعون في الحب وليس الحرب».