عام الوباء في 2020: بداية مرحلة جديدة للإنسانية وثورة العلم الذي حشد قواه لإنقاذ العالم

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لماذا سيكون عام الوباء 2020 نقطة تحول في تاريخ العالم؟ الجواب السهل البسيط لأن ذاكرته لن تمحى أبدا، ففي عام 1920 أقام وارين هاردينغ حملته للانتخابات الرئاسية الأمريكية على فكرة العودة لـ “الحياة الطبيعية” وكانت مناشدة للأمريكيين كي ينسوا أهوال الحرب العالمية الأولى والحمى الإسبانية والتمسك باليقينيات والعهد الذهبي. وبدلا من تبني دعوة هاردينغ تحولت العشرينات الهادرة إلى خميرة للتقدم أماما والمخاطرة الاجتماعية والإبداعية في المجال الصناعي.
وكانت الحرب الكونية كما تقول مجلة “إيكونوميست” (19/12/2020) عاملا في عصر الجاز والحرية فيه وكذا كان للحمى الإسبانية التي قتلت أعدادا كبيرة من الأمريكيين وخلفت ناجين لديهم شهية للتمتع بالحياة.
وستكون العشرينيات من القرن الحادي والعشرين كذلك، فحجم المعاناة الواسع الذي تسبب به كوفيد-19 والمظالم والمخاطر التي كشف عنها الوباء والوعد بالإبداع يعني أن عام 2020 سيرتبط بتغير الحياة التي كنا نعرفها من قبل. وعادة ما يحدث الوباء مرة في كل قرن وكذا كوفيد الناجم عن فيروس كورونا المستجد الذي أصاب 70 مليونا وربما تجاوز العدد 500 مليون ممن لن يتم تشخيصهم أبدا. وتسبب بوفاة 1.6 مليون شخص بالإضافة لمئات الآلاف من الضحايا الذين لم يسجلوا. وهناك ملايين يعيشون في مرحلة ما بعد كوفيد من التعب والإجهاد والوهن وتراجع الناتج العالمي بنسبة 7 في المئة، وهي أكبر نسبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن تحت الرماد والمعاناة سيخرج حس أن الحياة لا تكتنز بل تعاش.

تغيرات مهمة

وترى المجلة أن من أهم التغيرات التي ستحدث هي طريقة تعامل البشرية مع اللحم المذبوح والذي يعتبر مكانا خصبا لنمو للفيروسات والبكتيريا التي تتطور إلى عوامل مرضية قاتلة للبشر، ذلك أن العالم يذبح كل عام 80 مليار حيوان. كما أن السماء الزرقاء الصافية أثناء الإغلاق كانت دليلا واضحا على سرعة تحرك الفيروس، فمثل كوفيد-19 فالتغيرات المناخية لا تهتم بإنكار الشعبويين وتترك أثرها على العالم وستكون مكلفة لو يتم التعامل معها مبكرا. كما وكشف الفيروس عن المظالم الكثيرة في العالم، فالأطفال خسروا فصولهم الدراسية وناموا جياعا وتراجعت أحلام المتخرجين من الجامعات وعانى الكبار من الوحدة في بيوت الرعاية وزاد العنف المنزلي. أما العمال المهاجرون فتركوا وحدهم أو أرسلوا لقراهم ونقلوا المرض معهم. وكانت المعاناة واضحة بناء على خطوط العرق، فوفاة الأمريكي من أصول إسبانية بكوفيد-19 أعلى بنسبة 12 في المئة من الأمريكيين البيض. وفي ساو باولو بالبرازيل فالسود في سن العشرين يموتون بنسبة الضعفين نتيجة للفيروس من البيض. وفي الوقت الذي تكيف فيه العالم مع الفيروس إلا أن الوضع ساء وزادت نسبة البطالة وتقدر الأمم المتحدة أن 200 مليون شخص سيعانون من الفقر المدقع. وستتفاقم مأساتهم مع الديكتاتوريين والطامحين ليكونوا مثلهم الذين يحاولون استغلال الفيروس وتوطيد سلطتهم. ولهذا السبب أدت حالات الوباء السابقة لاضطرابات. وفي الفترة ما بين 2011- 2018 درس صندوق النقد الدولي 133 دولة ووجد أن الاضطرابات حدثت بعد 14 شهرا من انتشار المرض ووصل ذروته بعد 24 شهرا. وكلما زاد الظلم الاجتماعي كلما اندلع العنف. وحذر الصندوق من حلقة مفرغة يزيد فيها الاحتجاج من المصاعب الحياتية التي تقود بدرورها لاحتجاجات جديدة. لكن كوفيد- 19 لم يؤد بعد إلى اضطرابات لأنه أدى لتغيير طرق العمل والحياة وزاد من التجارة الإلكترونية. وأدى إلى تغيرات في الصناعات التقليدية مثل الصحة والتعليم. ولعل أهم إنجاز أدى إليه الفيروس هي سرعة توصل العلم للبحث عن لقاح مضاد له. خذ مثلا ما قام به العلماء الصينيون من بناء تسلسل لجينوم سار- كوفيد-2 ومشاركتهم العالم نتائج بحثهم وبمدة لم تزد عن أسابيع. واللقاحات الجديدة التي تم التوصل إليها هي محطة واحدة من التقدم الذي حصل بسرعة الضوء وقدم إضاءات عن الفيروس ومن أين أتى ومن يصيب وكيف يقتل وكيف يعالج. وهو إنجاز مبهر حول ما يمكن للعلم إنجازه. وهو توبيخ لدعاة نظريات المؤامرة والمنكرين والديكتاتوريين والدول الديمقراطية التي تظاهرت بعدم العلم أو التلكؤ عن العمل.

سباق على القمة

وهنا تكمن أهمية اكتشاف لقاح ضد فيروس كورونا، فقد تسابقت الدول على التوصل لعقار ناجح لأن من ينتج العقار يسيطر على العالم. وكانت الصين قد جربت عقارات ومنها عقار “سينوفارم” كما وأعلنت روسيا عن عقار “سبونتك” الذي حذر الخبراء الصحيون من أنه لم يمر بمراحل التجربة الضرورية لإثبات فاعليته. وفي مؤتمره الصحافي الأخير أعلن فلاديمير بوتين أنه مستعد لأخذ العقار عندما يطلب منه. ولا تزال التجارب جارية على عقار “أسترازينكا- اوكسفورد”. وهناك إمكانية لتمريره. وتبنت بريطانيا كأول دولة في العالم العقار الذي أنتجته شركة “بيونتك- فايزر” وهو نفسه الذي بدأت أمريكا منذ الأسبوع الماضي باستخدامه بالإضافة للقاح شركة “موديرنا” وكلها لقاحات تتراوح درجة فاعليتها من 70 – 95 في المئة. وحظي حتى الآن لقاح بيونتك- فايزر وموديرنا بقبول عام من الدول، حيث سارعت دول العالم الغنية على طلب كميات كبيرة منه. وفي بعض الأحيان اشترت دول كميات كافية لحقن سكانها أكثر من مرة كما في حالة كندا. مما يترك الدول الفقيرة وغير القادرة على شرائه بدون لقاح. وهو ما أدى بعدد من الخبراء الصحيين الدعوة لمنح منظمة الصحة العالمية الحقوق الفكرية لبعض اللقاحات كي تنتجها وتوزعها على الدول الفقيرة.

غياب الثقة

ومع تنافس الدول الآن فيما يعرف بقومية اللقاح، إلا أنها بحاجة لبناء الثقة العامة به. ومن هنا يفهم مسارعة الساسة لأخذه في حفلات متلفزة لإقناع الرأي العام كما فعل مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي ورئيس الغالبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل ورئيسة الغالبية الديمقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي. وفي بعض الأحيان حاولت الحكومات التعمية على سياساتها المرتبكة من خلال الظهور بمظهر الرائد في توفير اللقاح كما في بريطانيا وللتغطية على معدلات الفقر والبطالة في مناطق البلاد المختلفة، كما جاء في تقرير لصحيفة “الغارديان” (6/12/2020). ويرى البعض أن توفير اللقاح ليس حلا للفيروس الذي لا يزال يحصد يوميا آلاف الأرواح بل ويجب مقاربة اللقاح مع فرض القيود على حركة المواطنين ومنعهم من التجمع واستمرار ارتداء القناع الطبي وممارسة التباعد الاجتماعي. وثار جدل في العواصم الغربية حول احتفالات الكريسماس وفرض الإغلاق حماية للكبار في العمر. وتردد رئيس الوزراء بوريس جونسون في فرض إغلاق بفترة الاحتفالات رغم قرارات دول أوروبية مثل ألمانيا وذات الجاهزية الطبية العالية والتي بنت أولا مراكز لتوفير اللقاح الإغلاق في فترة الكريسماس. وفي تقرير بموقع “ذا هيل” (18/12/2020) قال الخبير الصحي دين ولدمان إن اللقاح هو جزء من الحل لا الحل كله. وأضاف أن الهدف من اللقاح هو تحصين الأمريكيين وهذا غير ممكن بسبب فعالية اللقاح وهي 94 في المئة مما يعني أن نسبة 6 في المئة قد تصاب. أما السبب الثاني فلا يمكن تحقيق مناعة القطيع وتحصين الأمريكيين مئة بالمئة لأن هناك من الأمريكيين رافضين لفكرة التطعيم أصلا. ويرفض الخبير فكرة الإغلاق مع أنه يدعو لتوجه من ثلاث طرق يمنح فيه اللقاح للراغبين به ويتم وقف الإغلاقات وارتداء القناع والتباعد الاجتماعي ومنح المعرضين للخطر حجرا صحيا وتطعيما حتى يتم الوصول إلى مرحلة مناعة القطيع. ويظهر التشكك من اللقاح في الولايات المتحدة بسبب حملات التضليل وعملية معارضة التطعيم من الأصل. ولاحظ جيفري كلاغر في مجلة “تايم” (18/12/2002) أن الظاهرة جديدة، مشيرا إلى عام 1955 عندما قرعت أجراس الكنائس وخرجت الصحف بعناوين بارزة عن اكتشاف جوناس سولك لقاحا فعالا ضد شلل الأطفال. وبنفس الحماس وإن كان أقل تم استقبال لقاح الحصبة عام 1961 وفي عام 1980 احتفى الناس بلقاح الجدري. واليوم وجدت دراسة مسحية لمؤسسة قيصر فاميلي أن 70 في المئة من الأمريكيين سيأخذون اللقاح الجديد. وهناك نسبة أقل من نصف الأمريكيين ممن يطعمون بلقاحات الإنفلونزا. كما أن تطعيم الأطفال للأمراض المعدية هو بنسبة أقل من 95 في المئة. وجزء من التردد له علاقة بالتضليل أو فعالية اللقاح وهناك من يرى أن تطوير اللقاح كان سريعا ولم يمر بمراحله التجريبية الثلاث. ويرى كلاغر أن قوة اللقاحات هي في قدرتها على جعل الأمراض اختيارية ولن نعاني لو كنا متعقلين وقبلنا جائزة التطعيم. ولا أحد يلومنا عندما يهبط علينا الوباء لكن علينا لعب دور لكي نوقفه. وتحول رفض اللقاح كما أشارت مجلة “نيويوركر” (18/12/2020) إلى جدال حول أي موضوع سياسي، ولاحظت صحيفة “نيويورك تايمز”(16/12/2020) أن الرافضين لنتائج الانتخابات الرئاسية والمصدقين لروايات دونالد ترامب التي لا أساس عن “سرقة الانتخابات” وجدوا في معارضة اللقاح قضية جديدة لمواجهة سياسات الإدارة الجديدة. ومنكرو اللقاح في كل مكان وعلى رأسهم الرئيس البرازيلي جائير بولسونارو الذي قلل مثل ترامب وبقية القادة السياسيين من التيار الشعبوي من خطر فيروس كورونا لتتحول بلاده الدولة الثالثة بعد أمريكا والهند في عدد الإصابات. ومثل ترامب وإيمانويل ماكرون وجونسون فقد أصيب بولسونارو بالفيروس ولكن هذا لم يجعله مؤمنا بقدرة اللقاح على احتوائه، بل قال إن أخذ اللقاح يجعل الإنسان “متمسحا”.

لا عزاء للفقراء

وفي وقت يختار فيه أبناء الدول الغنية أو الصاعدة عدم أخذ اللقاح فالدول الفقيرة لا حيلة أمامها سواء رفض سكانها أم لا، ووسط مسارعة ولعل التباين واضح بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية، فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي عن بدء التطعيم لكوفيد-19 يوم السبت، لكن خمسة ملايين فلسطيني في الضفة وقطاع غزة سينتظرون بسبب الأوضاع المالية والحصار والقضايا اللوجيستية، كما تقول صحيفة “واشنطن بوست” (18/12/2020). وكشفت وثائق داخلية لمنظمة الصحة العالمية سربت الأسبوع الماضي عن مخاوف من عدم وصول اللقاح للدول الفقيرة إلا بحلول 2024. وقال مسؤول المنظمة في المناطق الفلسطينية جيرالد روكينغشوب “لا أحد آمن حتى يكون الجميع سالما”. ودعا إلى توفير الاحتياجات اللازمة للدول التي لا تستطيع شراء اللقاح في السوق العالمي. ولا يمكن للفلسطينيين شراء لقاح بيونتك- فايزر أو مودرينا لأن سعر الحقنة الواحدة منهما تصل إلى 20 دولارا و 35 دولارا على التوالي. ويناقش الناشطون أن على إسرائيل توسيع اللقاح لمناطق الفلسطينيين بصفة الواجب الأخلاقي وهو ما رفضه وزير الصحة يولي إدلستاين مع اعترافه أن من مصلحة إسرائيل توسيع اللقاح للمناطق المحيطة والتي ترسل عددا كبيرا من العمال. وقال “ليست مسؤوليتنا ولكن من مصلحتنا المساعدة فيما يتعلق بكورونا”. وتفتقد المناطق الفلسطينية مثل غزة للظروف المناسبة لتخزين اللقاح، خاصة أن الطاقة الكهربائية لا تصل إلا لست ساعات. ويعول الفلسطينيون في غزة والضفة على مجموعة من 92 دولة ذات الدخل المتدني والتي تحاول توفير اللقاحات بأسعار مقبولة وتطعيم 20 في المئة من سكان كل دولة، أي الأكثر حاجة. ويحظى تحالف غافي بدعم من منظمة الصحة العالمية ومؤسسة بيل وميلندا غيتس التي تقوم بمراجعة 14 لقاحا تحت التطوير. لكن وصول اللقاح إلى المناطق الفلسطينية قد ينتظر للربع الأول من العام المقبل. وأشارت الصحيفة في تقرير 15/12/2020 إلى نفس المعضلة التي تواجه العالم الفقير وكيف أن مجموعة “كوفاكس” التي رعتها منظمة الصحة العالمية ورفضت الولايات المتحدة الانضمام إليها تكافح للحصول على مالية كافية لتطوير اللقاحات وتوزيعها.

ثورة العلم

وأهم ما صنعه كوفيد-19 هو ثورة العلم والبحث في مجال الأوبئة. حيث قرر عدد كبير من العلماء حول العالم ترك اهتماماتهم الصغيرة والتركيز على تطوير عقار ضد الفيروس. وبحسب مجلة “أتلانتك” في مقال طويل لعدد السنة المقبلة، أعده إد يونغ فعدد الأوراق العلمية عن الفيروس زاد عن 74.000 ورقة بدرجة تفوقت على أي اهتمام بأمراض معدية مثل شلل الأطفال والكوليرا وإيبولا. وفي دراسة مسحية أجراها باحث في هارفارد لـ 2.500 باحث علمي في كندا والولايات المتحدة وأوروبا وجد أن 32 في المئة حولوا اهتمامهم لدراسة الفيروس. ومع تعجل العالم لهزيمة الفيروس ودخول باحثين لا علاقة لهم بالميدان فقد حدثت حالة من الارتباك والتشوش ومضيعة المال والجهود كما أشار تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” (16/12/2020) عن الأموال التي ضيعت وغياب الشفافية في منح العطاءات والمنتجات التي لم توف المتطلبات. وما يهم في رحلة العلم أنه تصدر للمعركة ضد الفيروس بفاعلية ونشاط وحيادية ورفض تسييس البحث العلمي أو تحويل النقاش حول هوية مخترعي لقاح بيونتك- فايزر من ذوي الأصول التركية، إلى نقاش حول الهجرة وإبداع المهاجرين، في وقت تواصل فيه الأنظمة الشعبوية استخدام الهجرة ومعاداة الإسلام كبطاقة للوصول إلى السلطة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية