عام الوفرة: ارتفاع أسعار النفط يرفع مالية دول الخليج بنسبة 60 في المئة فوق السعر التوازني

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

خلال أشهر قليلة انتقلت مالية الدول العربية المصدرة للنفط من حال إلى حال. وبعد أن كان هناك قلق بشأن حدود استمرار التعافي الاقتصادي واستقرار الأسعار، تبدو ناقلات الدول المصدرة للنفط مندفعه حاليا بقوة رياح مواتية إلى عام وفرة اقتصادية، تستقر فيه مالية الحكومات باطمئنان داخل منطقة الفائض بدلا من العجز، حيث أن متوسط سعر سلة نفوط أوبك يبلغ حاليا حوالي 88 دولارا للبرميل في مقابل سعر توازني يبلغ حوالي 55 دولارا، أي بزيادة 33 دولارا فوق السعر المطلوب لتحقيق توازن الميزانيات، وبنسبة تتجاوز 60 في المئة فوق السعر التوازني. ارتفاع أسعار السوق فوق السعر التوازني يمكن أن يزيد عن مستواه الحالي خلال الأشهر المقبلة، بافتراض استمرار قوة التعافي الاقتصادي على المستوى العالمي. وتقدر بعض بيوت تجارة النفط العالمية أن الأسعار يمكن إلى ترتفع فوق معدل 100 دولار للبرميل بسهولة، بل إنها يمكن أن تصل إلى 300 دولار للبرميل إذا عجزت الزيادة في الإنتاج عن مقابلة الزيادة في الطلب، أو في حال اضطراب الإمدادات العالمية، بسبب الموقف في الخليج او على الحدود الروسية- الأوكرانية.

تقلبات السوق

يتوقع دارين وودز الرئيس التنفيذي لشركة اكسون موبيل العالمية أن تشهد سوق النفط في العام الحالي ثلاثة اتجاهات متباينة؛ الأول هو ارتفاع الأسعار بسبب قوة التعافي الاقتصادي، والثاني هو تقلبات الأسعار بسبب القلق وعدم اليقين الناتج عن انتشار المتحور الجديد «أوميكرون» من فيروس كورونا، والتوتر بسبب الأزمة الاوكرانية وإيران، والثالث هو تباطؤ الزيادة في الأسعار أو تراجعها مع زيادة الإنتاج بمعدلات تفوق الزيادة في الطلب العالمي. ورغم أن هذه الصورة التي رسمها دارين وودز هي الأقرب إلى الواقع على ضوء المحركات الراهنة التي تحكم حركة السوق واتجاهات الأسعار، فإن توقعات الهيئات النفطية وبيوت تجارة النفط الكبرى ومؤسسات التمويل ترجح ارتفاع المستوى العام للأسعار، لكن مع قدر كبير من الاعتدال في الزيادة بعد انتهاء فصل الشتاء. لكن هذه التقديرات جميعا لا تأخذ في اعتبارها تأثير العوامل الجيوسياسية التي يمكن أن تسبب في قدر كبير من التقلبات الحادة، خصوصا في كمية واتجاه الإمدادات.
وكالة الطاقة الدولية تقدر أن معدلات السحب من المخزون النفطية التجاري في العام 2021 بلغ 1.4 مليون برميل يوميا، وهو ما كان أحد أسباب ارتفاع أسعار النفط. وجاء السحب من المخزون على خلفية عدم زيادة الإمدادات العالمية بالقدر الذي يقابل الزيادة في الطلب على النفط. وتقدر الوكالة أن الإمدادات العالمية في عام 2022 ستستمر في الزيادة، لكن الاستهلاك العالمي سيتباطأ، وهو ما سيسمح بزيادة المخزونات التجارية في العالم، والضغط على الأسعار إلى أسفل. وتشير تلك التوقعات إلى أن الإمدادات العالمية ستزيد في العام الحالي بحوالي 5.5 مليون برميل يوميا، تسهم فيها الولايات المتحدة وروسيا ودول أوبك التي ستوفر فيما بينها حوالي 84 في المئة من الزيادة في الإمدادات العالمية هذا العام (4.6 م.ب.ي). وطبقا للتقرير الشهري الأخير كانون الثاني/يناير 2022 الصادر عن الوكالة فإن الزيادة في الطلب العالمي على النفط ستكون في حدود 3.6 مليون برميل يوميا فقط، مدفوعة أساسا بزيادة الاستهلاك في كل من الولايات المتحدة والصين اللتين تستحوذان فيما بينهما على حوالي 40 في المئة من الزيادة العالمية في الطلب. كما تقدر الوكالة أن المخزونات التجارية من النفط ستزيد بحوالي نصف مليون برميل يوميا وهو ما سيترك في السوق فائضا بحوالي نصف مليون برميل يوميا يضغط على الأسعار إلى أسفل. وباستخدام أسعار خام القياس البريطاني برنت، تتوقع الوكالة أن ينخفض متوسط الأسعار من 79 دولارا للبرميل في الربع الأول من عام 2022 إلى 71 دولارا للبرميل في الربع الأخير من العام.

تأثير العوامل الجيوستراتيجية

على الرغم من أن منظمة أوبك تقدر أن الطلب العالمي على النفط هذا العام سيتجاوز 100 مليون برميل يوميا ليصل إلى 100.8 مليون برميل للمرة الأولى من عام 2019، فإن مجموعة «أوبك+» ما تزال حتى الآن ملتزمة بعدم زيادة الإنتاج فوق المعدلات المتفق عليها والتي تبلغ 400 ألف برميل يوميا. وتتوقع أوبك أن يبلغ نصيبها من الطلب العالمي في العام الحالي حوالي 28.9 مليون برميل يوميا. ومن مصلحة دول أوبك أن يظل متوسط الأسعار في السوق خلال العام الحالي فوق معدل السعر التوازني، وذلك لتحقيق التوازن المالي، وإتاحة ما يكفي من الفائض لزيادة الاستثمارات المكلفة، لتقليل انبعاثات الكربون الناتجة عن حرق البترول الخام، للوصول إلى هدف تخفيض معدل زيادة هذه الانبعاثات إلى الصفر في العام 2050.
وتعتمد كل التقديرات بشأن ارتفاع الطلب على النفط على افتراض أن الولايات المتحدة والدول الصناعية ستتمكن من احتواء الموجة الجديدة لفيروس كورونا بخسائر قليلة، على أساس أنها اكتسبت حاليا مقدارا كبيرة من الخبرة في كيفية إدارة الأزمة الناتجة عن انتشار الفيروس والتعامل مع تداعياته الاقتصادية، وايضا بفضل التطوير المستمر للقاحات الواقية من العدوى وتطوير أدوية للعلاج، بما أدى فعلا إلى انخفاض مستوى خطورة الاصابة بالفيروس، وتراجع معدل الزيادة في أعداد الوفيات على المستوى العالمي. ومع ذلك فلا يمكن استبعاد احتمال خروج متحور أوميكرون أو فيروس كورونا عموما عن نطاق السيطرة، وفي هذه الحالة فإن فرص استمرار التعافي ستتراجع، وتأخذ معها معدلات زيادة الطلب العالمي على النفط، وتضغط على الأسعار إلى أسفل.
كذلك فإن الصدمات التي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط فوق معدل 100 دولار للبرميل كما يقدر بنك غولدمان ساكس، يمكن أن تتسبب في بعض الخسائر للدول العربية المصدرة للنفط، بخسارة جزء من نصيبها من السوق. فمن الناحية التجارية البحتة سيؤدي ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع جدوى زيادة الاستثمارات في قطاع إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وزيادة الصادرات الأمريكية على حساب المنتجين الآخرين. وهو ما يتطلب أن يكون ذلك هو أحد العوامل الدافعة للدول العربية المصدرة للنفط على زيادة الاستثمارات اللازمة لزيادة الإنتاج، خصوصا بعد التراجع الذي تعرضت له تلك الاستثمارات في العامين الأخيرين. العامل الآخر الذي سيترك تأثيرا قويا على السوق يتمثل في الظروف الجيوسياسية المحيطة بسوق النفط، وأهمها مخاطر اتساع نطاق التوتر في الخليج، خصوصا بعد الهجوم الذي تعرضت له منشآت شركة ادنوك النفطية في أبو ظبي بهجوم بواسطة طائرات مسيرة أطلقتها قوات الحوثيين في اليمن ترافقا مع اشتعال حدة المعارك في مأرب التي تخوصها ضدهم هناك قوات «لواء العمالقة» الذي قامت الإمارات بتأسيسه وتمويله وتسليحه وتدريبه ليكون ذراعها الرئيسي في اليمن، على الرغم من انسحابها رسميا من الحرب هناك. وقد جاء الهجوم على منشآت ادنوك في الإمارات أقل حدة بكثير من الهجوم الذي كانت قد تعرضت لها منشآت شركة أرامكو السعودية في المنطقة الشرقية في ايلول/سبتمبر عام 2019 لكنه يمثل رسالة قوية من الحوثيين إلى الإمارات بأن أراضيها ومصالحها الاقتصادية هي في مرمى الصواريخ والطائرات المسيرة للجماعة التي تسيطر على مقاليد الأمور في شمال اليمن. كما تتضمن المحركات الجيوستراتجية أيضا الوضع الحالي في أوروبا حيث تقف حشود عسكرية روسية على الحدود الشرقية والشمالية لأوكرانيا، تقول الولايات المتحدة أنها تتأهب لغزو الدولة التي تطمح للانضمام إلى حلف الاطلنطي، الأمر الذي تعتبره روسيا تهديدا مباشرا لأمنها القومي. وفي حال نشوب حرب، فمن المرج ان تستخدم روسيا سلاح النفط ضد الغرب، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى أزمة اقتصادية عميقة في أوروبا لسنوات مقبلة.

سيناريو الحد الأدنى للفائض

في هذا السياق، فإن احتمالات زيادة الطلب العالمي وارتفاع أسعار النفط، على الأقل إلى 70 دولارا للبرميل في العام الحالي تظل هي الحد الأدنى الأساسي لمستوى التفاعل بين ظروف العرض والطلب في السوق، باستبعاد التقلبات الحادة التي يمكن أن تنتج عن أزمات جيوستراتيجية. واذا أخذنا معدل 70 دولارا للبرميل على أنه سيناريو الحد الأدنى لمتوسط الأسعار على مدار العام، فإن هذا يعني أن إيرادات الدول العربية المصدرة للبترول ستكون أعلى من السعر التوازني الوارد في معظم ميزانيات دول الخليج (55 دولارا للبرميل) بحوالي 15 دولارا، أي بنسبة 27.3 في المئة فوق متوسط الإيرادات المتوقعة في موازنات العام. وهو ما سيتيح للمملكة السعودية على سبيل المثال زيادة الفائض المالي الفعلي إلى حوالي 115 مليار ريال بدلا من 90 مليار ريال حسب توقعات الميزانية. كذلك فإن سيناريو الحد الأدنى يعني بالنسبة لقطر أن الإيرادات المقدرة في ميزانية العام الحالي بحوالي 53.8 مليار دولار على أساس 55 دولارا للبرميل من النفط الخام يمكن أن تصل فعليا إلى 68.5 مليار دولار، بما ينقل الميزانية من عجز مقدر بحوالي 2.3 مليار دولار إلى فائض بقيمة 12.4 مليار دولار. وفي سلطنة عمان حيث تقدر الميزانية العجز المتوقع للعام الحالي بحوالي 1.5 مليار ريال، سينقلب هذا العجز إلى فائض مدفوعا بارتفاع أسعار النفط للعام الثاني على التوالي. أما في حالة سيناريو الحد الأقصى بافتراض أن أسعار البترول ستصل إلى 100 دولار للبرميل في المتوسط على مدار العام، فإن هذا يعني عمليا أن إيرادات النفط ستقترب من ضعف التقديرات الواردة في موازنات دول الخليج، وهو ما يعزز فرص الوفرة وزيادة الاستثمارات وتوسيع طاقات الإنتاج خصوصا في القطاعات غير النفطية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية