عام بصيغة الخاص

حجم الخط
0

عام بصيغة الخاص

حكم الباباعام بصيغة الخاصدفعتني تجربة عام من الاغتراب الاجباري عن بلدي، لتأمل ما مرّ علي من أحداث خلال هذا العام وماقبله، بهدوء وحيادية لم يكونا متاحين لي داخل بلدي، وأهم نتيجة خرجت بها من هذا التفكير الطويل هي فهم المعاني الأعمق للأناشيد الوطنية التي كنا مجبرين علي حفظها صمّاً في مدارسنا بدون أن ندرك حقيقة معانيها، وكأن عامي الطويل كان بمثابة شرح كلمات بأشد الأساليب قسوةً لهذه الأناشيد، وأستطيع اليوم أن أدرك أكثر بكثير من أي وقت مضي لماذا يصر الفلسطيني علي عدم مغادرة أرضه ـ حتي وإن كان بإمكانه ذلك ـ رغم أنه معرض في كل ثانية لمغادرة الأرض نهائياً، إلي عالم آخر وليس إلي بلد آخر، من دون أن يعني كلامي تعريضاً بالذين يغادرون بلادهم، أو تشكيكاً بنبل عواطفهم تجاهها، أو عدم تقدير للظروف التي أجبرتهم علي مغادرتها.عندما غادرت سورية مكرهاً قبل عام من اليوم سعياً عن أفق أوسع لكتابتي، منيت نفسي بهامش طويل وعريض من الحرية، أتحرك فيه بقدمي عدّاء وليس بعكازات عاجز أو بحذر خبير نزع ألغام يتحرك وسط حقل مليء بها، وسرعان ما اكتشفت أن المعني الحقيقي للحرية لايمكن إدراكه بصورة كلّية في مكان لا أحد معني فيه من قريب أو بعيد بما يقال أو يكتب، ولاينظر إليه إلاّ باعتباره مساحة محبّرة في صفحة جريدة، وأن أهمية أية كتابة تأتي أولاً وأخيراً من المحيط المهتم بها ويشعر بأنها تعنيه وتخاطبه، ثم تأتي في الدرجة الثانية الأساليب والصياغات، واكتشفت أن أهم وأجرأ ما كتبته كان قبل هذا العام عندما كنت في بلدي، لأني كنت أشعر دائماً أن الأرض التي أقف عليها هي أصلب أرض في العالم، ولا يستطيع أحد أن يسلبني حق الوقوف عليها، أو يقرر في أية لحظة ولأي سبب كان ـ أو حتي بدون سبب ـ أنني لم أعد مرغوباً فيه عليها، واكتشفت أن كل ما كتبته خلال هذا العام من الاغتراب القسري، لم يكن إلاّ تنويعات علي كتابتي في سورية، وكأني كنت أقوم بإجراء نسخ فوتوكوبية لمقالات سابقة لا أكثر، ولهذه الأسباب كلها التزمت بإرادتي الواعية بالسقف الذي حددته لكتابتي وطالما حاولت رفعه في بلدي، ولم يخطر لي في لحظة من اللحظات أن أحاول رفعه بعيداً عنها، لأنني طالما اعتبرت أن شجاعة رفع سقف حرية التعبير لأي كاتب هي في بلده وليس خارجها، حيث الأمر متاح وسهل وليس فيه أية مجازفة.وحتي لا أنظر إلي تجربة هذا العام بعين واحدة، ويعميني حنيني الجارف إلي بلدي عن رؤية ما تعلمته في هذا الاغتراب القسري، فأقيّمه باعتباره شرّاً كلياً ومطلقاً، يتوجب علي الاعتراف بأن كتابتي أخذت شيئاً فشيئاً ومقالة بعد أخري شكل الكتابة الهادئة، بعد أن كانت أقرب إلي صراخ رجل أقفلت علي إصبعه درفتا باب، وأتيحت لي رؤية الأشياء بشكل أوسع أقل تشنجاً وأكثر حياداً، بعد أن كانت أشبه برؤية رجل يقف علي رؤوس أصابعه ويجهد ليطل من فوق جدار عالٍ، فلايستطيع تبين إلاّ جزء من المشهد وليس المشهد بكامله.أخيراً أستطيع أن أفهم مبررات أي كان لاستبدال بلده بفرصة عمل أو راتب مغرٍ أو كمامة أوكسجين أو مقالة أسبوعية، ولكن بالنسبة لي علي الأقل أنا الذي أعتقد بأن الحياة أعزّ من أن تهدر من أجل الحصول علي أيٍ من تلك المبررات، أري بأن الأوطان التي تجد فيها من يفهمك ويصغي لحديثك ويضحك لنكتتك وحتي من يتشاجر معك، هي التي تعطي لكل هذه المبررات المهمة معناها ومذاقها.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية