عام خاشقجي: هز الشرق الأوسط ودفن سمعة السعودية

حجم الخط
0

حوالي مليون شخص قتلوا في الحرب في سوريا، وحوالي 50 ألف شخص قتلوا بسبب الحروب والجوع في اليمن، عشرات المراسلين قتلوا في ميادين القتال في سوريا والعراق واليمن، لكن فقط قتل صحافي عربي واحد نجح في ضعضعة الأسس الراسخة في الدول الغربية. العام 2018 في الشرق الأوسط هو عام جمال الخاشقجي، الذي أشلاء جثته موزعة ومدفونة في مكان ما على الأراضي التركية أو في مضيق البسفور.
من الصعب تذكر حادثة مشابهة مزقت الخيوط التي تربط بين واشنطن والرياض، وبين الدول الأوروبية والمملكة السعودية. هذا ربما إحدى الحالات النادرة في التاريخ التي فيها نجح صحافي في إحداث هزة أرضية سياسية، وليس بسبب كشف نادر، بل لأنه قتل. هذه القضية ليست هي الخط المفتوح الوحيد في عقدة الصراعات التي ميزت العام 2018، سنة تورث السنة التي ستأتي في أعقابها مجموعة من الأطراف التهديدية والخطيرة.
الحدث الاستراتيجي الأهم في هذه السنة هو انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، القرار الذي أبقى العالم وهو فاغر الفم وقلق جداً على مستقبل المنطقة. استعراض العضلات هذا وضع إيران حقاً في مصيدة اقتصادية صعبة، التي ما زالت حتى الآن لم تجد تعبيرها الكامل بسبب التنازلات التي اضطرت الولايات المتحدة لتقديمها لعدد من حليفاتها من أجل مواجهتها للنقص الفوري للنفط الذي كان متوقعاً لها.
ولكن القلق الرئيسي هو من احتمال أنه في مرحلة ما ستقرر إيران الانسحاب أيضاً من الاتفاق والعودة إلى تخصيب اليورانيوم. إذا نجح الاتفاق في تعويق هذا الاحتمال لمدة 10 ـ 15 سنة فإن قرار ترامب من شأنه تقصير الجدول الزمني بصورة دراماتيكية.
هل الرئيس الأمريكي الغارق في ورطة التحقيقات التي من شأنها أن تنتهي بإقصاء أو تقديم للمحاكمة، سيكون مستعداً لشن حرب ضد إيران؟ هل سينجح في تجنيد تحالف دولي بعد أن بصق في وجه حلفائه عندما رفض الإصغاء لتحذيراتهم؟ هذا قرار من شأنه جر إسرائيل، بؤبؤ عين الرئيس الأمريكي، إلى ساحة حرب غير متوقعة وواسعة، في الوقت الذي في ساحة أسهل، التي تديرها ضد حزب الله وإيران في سوريا، يرتفع أمامها سور دفاع روسي يعتبر إسرائيل ازعاجاً في أفضل الحالات وتهديداً لمصالحها في الحالة الواقعية.
هناك علاقة وطيدة بين قضية خاشقجي وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. فيهما تلعب السعودية التي عينت نفسها كرأس سهم في الحرب ضد إيران في الشرق الأوسط. في العام 2019 ستضطر أمريكا إلى أن تقرر هل ستواصل علاقاتها مع المملكة وكأن شيئاً لم يحدث، بما في ذلك بيع سلاح بمبلغ 110 مليارات دولارات، أو ستعاقبها بسبب قتل الصحافي. لهذا القرار سيكون تأثير على طبيعة سلوك السعودية في سوق النفط، وبالأساس حول السؤال هل ستزيد استخراج النفط لديها من أجل جسر الهوة التي ستنشأ مع تناقص كمية النفط التي ستضخها إيران للسوق، أو ستتسبب بغلاء الأسعار الذي يمكنه أن يحدث تمرداً عالمياً آخر ضد ترامب.
عبر بوابات العام 2019 ستمر أيضاً الحرب في اليمن والتي ستدخل عامها الرابع دون أفق سياسي أو إنساني. طالما أنها مصنفة كحرب تجري بين إيران والسعودية، وليست حرباً محلية على تقسيم عادل للموارد، فإن الكرامة لن تسمح للسعودية بالانسحاب منها رغم حقيقة أنها لم تنجح حتى الآن في إحداث حسم عسكري أمام قوات أقل منها بكثير. هذه الجبهة الأخيرة التي بقيت للسعودية من أجل أن تثبت فيها قوتها ونفوذها بعد فشلها بصورة مهينة في لبنان، وانسحابها من سوريا وتنازلها حتى قبل سنة عن العراق.

قطر الدولة السعيدة

سنة 2018 لم تبتسم لأي دولة من الدول العربية، أيضاً الدول التي لا تقلق العالم بحرب مثل المغرب وتونس والأردن ودول الخليج، لم تحظ بدرجة كبيرة من السعادة. الدولة التي لم تتعرض للحرب تلقت ضربة اقتصادية، والتي تخلصت من الأزمة الاقتصادية تعرضت لموجات من التقلبات السياسية. ولكن هناك أيضاً دولة واحدة شاذة.
قطر هي دولة سعيدة بشكل عام. مواطنوها يحظون بالدخل الأعلى في العالم للفرد، هم يحظون بتمويل كامل وقروض سخية لشراء البيوت، الخدمات الطبية والتعليم في كل مراحله بالمجان، معظم الأعمال الفنية يتم شراؤها لصالح متحفها بعشرات ملايين الدولارات، بعد ثلاث سنوات ستلعب أفضل المنتخبات الدولية بكرة القدم على الملعب المكيف الذي أقيم على شرف المونديال. النظام فيها مستقر وعلاقاتها مع العالم جيدة وحتى ممتازة. توازنها النفسي أثار السعودية، عندما فرضت عليها مقاطعة سوية مع الدول المخلصة لها، البحرين ومصر واتحاد الإمارات. قطر لم تخضع لمطالب السعودية، لم تغلق قناة «الجزيرة»، ولم تقطع علاقتها مع إيران وهي لا تنوي دفع تعويضات للسعودية عن الأضرار التي تكبدتها. قطر واجهت المقاطعة المؤلمة بصورة جيدة، وليس هذا فحسب، بل نجحت في زيادة النمو وأن توسع علاقاتها مع العالم. ربما هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي يمكنها النظر إلى الرزنامة السنوية المنتهية بدرجة معقولة من الرضى. ولها منافس واحد في زقاق السعادة.
كانت هذه السنة سنة ناجحة لرئيس تركيا بشكل خاص. في الانتخابات المحلية التي جرت فيها في حزيران الماضي رسخ اردوغان مكانته كرئيس قادر، مع صلاحيات تزيد عن صلاحيات رئيس الولايات المتحدة. واعتبر أنه القائد القوي في الشرق الأوسط، وحتى أنه تسبب بهزة في السعودية. أجل، مرة أخرى الخاشقجي لعب هنا دوراً مهماً. إذا لم تعق اردوغان صحته فمن المتوقع أن يكون اللاعب المركزي ليس فقط في 2019، بل على الأقل عشر سنوات أخرى.
سنة 2018 هي السنة التي وضعت فيها أسس منظومة استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط، التي تلعب فيها روسيا ـ وليس الولايات المتحدة ـ دور الدولة العظمى المقررة. لقد نقلت إلى أيديها إدارة الحرب في سوريا وخلقت بذلك انقلاباً في مكانة الأسد. بفضلها يحظى الأسد بتحالف واسع يؤيد بقاءه، ويضم حتى تركيا والولايات المتحدة.
طالما أن الولايات المتحدة بقدر ما تبعد نفسها عن المنطقة، فإن روسيا تدفع بنفسها نحو الغرب. هذه كانت السنة التي أخلت فيها كتل ائتلافية مكانها لصالح دول ومحاور سياسية مقلصة لكنها قوية، وفيها منظمات رسخت مكانتها بما يعادل الدول.

تسفي برئيل
هآرتس 28/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية