لندن ـ «القدس العربي»- مراسلون: بدأ العام الدراسي في عدة بلدان عربية، على وقع مشكلات وأزمات، إذ تسببت البنية التحتية السيئة وعنف المعلمين في مصر بوفاة طالبتين، وفيما تنتشر المخدرات في المدارس الواقعة ضمن مناطق سيطرة النظام السوري، يعاني العراق من وجود عدد كبير من المنشآت التعليمية القديمة والمهددة بالسقوط، فضلا عن الفساد. والحال ليس أفضل، في السودان وليبيا، ففي الأول تستخدم بعض المدارس كمراكز لإيواء النازحين من مناطق الصراع، وفي الثانية تنتشر في البلدات الفقيرة، مدارس مصنوعة من صفائح معدنية.
انهيار جدران واكتظاظ
في مصر، حيث انتظم نحو 25 مليون طالب وطالبة في الدراسة، في ما يقرب من 60 ألف مدرسة، لم تختلف المشاهد عن الأعوام السابقة، فما بين مصرع وإصابات طالبات في انهيار جدران وارتفاع كثافة الطلاب في الفصول وصور لآخرين يجلسون على الأرض في فصول غير مجهزة لاستقبالهم، تبدو الأزمات التعليمية مستمرة
من دون حل.
ولم تمر ساعات على بدء الدراسة في المدارس الحكومية أول شهر تشرين الأول/اكتوبر الجاري، حتى لاقت طالبة مصرعها وأصيب 15 في انهيار جدار خرساني في مدرسة المعتمدية الإعدادية للبنات في منطقة كرداسة في محافظة الجيزة.
وبعد ذلك، بساعات، توفيت الطالبة بسملة أسامة علي محمد، والبالغ عمرها 9 سنوات، في مدينة المنصورة في دلتا مصر، متأثرة بإصابتها بنزيف في المخ جراء تعرضها للضرب، على يد معلم طلب منها كتابة بعض الكلمات على السبورة، ولكنها أخطأت في الكتابة.
يضاف إلى ذلك، الصورة التي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي وتظهر طلابا يجلسون على الأرض في أحد الفصول.
وبررت، وزارة التربية والتعليم الأمر بالقول إن «الطلاب كانوا في انتظار تسكينهم في الفصل المدرسي، ويُجري حاليا التحقيق بخصوص المسؤولين عن ظهور هذه الصورة حيث كان الطلاب في حالة انتظار قبل دخول الفصول» لافتا إلى أن «جلوس الطلاب على الأرض كان في ساحة انتظار قبل دخولهم الفصول».
ولفت إلى أنه «جرى استبعاد مدير المدرسة بعد ظهور هذه الصورة؛ لحين انتهاء التحقيقات، إلى جانب التحقيق في المسؤول عن تسريب هذه الصورة».
أزمة الكتب
وفي الموازاة، أثار امتناع المدارس المصرية عن تسليم الكتب الدراسية للطلاب الذين لم يتمكنوا من تسديد المصروفات الأعوام الماضية، ردود فعل غاضبة بين أولياء الأمور، دفعت عددا من أعضاء مجلس النواب لإثارة الأمر في البرلمان.
وأمام غضب أولياء الأمور، خرج رضا حجازي، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني المصري، ليؤكد على عدم ربط تسليم طلاب المدارس الرسمية الكتب بالمصروفات الدراسية، وتسليم الطلاب الكتب المدرسية مباشرة، وإغلاق المدارس غير الآمنة التي تحتاج لصيانة شاملة ولا تصلح لاستمرار العملية التعليمية وذلك بالتعاون مع المحافظين.
كذلك، أثارت صورة تداولها رواد مواقع التواصل، لكشف طلاب في مدرسة دمنهور شبرا الرسمية للغات في محافظة القليوبية، تشير إلى قيام إدارة المدرسة بتخصيص فصل للطلاب المسيحيين في المرحلة الرابعة الابتدائية، وفصلهم عن زملائهم المسلمين، جدلا واسعا، ودفعت نائبة في مجلس النواب، للتقدم بسؤال عن حقيقة تقسيم الطلاب داخل المدارس على أساس الديانة.
وبعد انتشار الصورة، طالبت وزارة التربية والتعليم، بالتحقيق في الأمر، حيث جاء رد المدرسة، أن الأمر جاء لتسهيل حصول الطلاب المسيحيين على حصة الدين، وأن إدارة المدرسة تراجعت عن هذا التقسيم وأعادت دمج الطلاب مرة أخرى مع زملائهم المسلمين.
أما في سوريا، فإن التعليم يشبه أي تفصيل آخر أنهكته سنوات الحرب التي يشنها النظام على شعبه منذ أكثر من عقد، ويدفع الأطفال ثمن ذلك فاتورة باهظة من مستقبلهم، بسبب الهجمات الممنهجة التي جعلت من المدارس والمنشآت التعليمية هدفا دائما، تحديدا في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.
في المقابل، تنتشر المخدرات في المدارس الواقعة ضمن مناطق سيطرة النظام، ووفقا لتقارير إعلامية فقد توسعت فئات متعاطي المواد المخدرة خلال السنوات الأخيرة، وتحولت بعض المدارس إلى ملجأ لمتعاطي المخدرات في دمشق ومحيطها.
الشبان والمراهقون
منظمة مجموعة «العمل من أجل فلسطينيي» – سوريا، ذكرت في تقرير لها أن «عددا من الشبان والمراهقين في مخيم الحسينية للاجئين الفلسطينيين بريف دمشق، الذين يتعاطون المواد المخدرة يستغلون عطلة المدارس وإغلاقها في العطلة الصيفية، وخلوها من الموظفين والطلاب للدخول إليها وتعاطي المواد المخدرة داخلها كالحشيش والحبوب المخدرة، وذلك بعيدا عن مراقبة الأهالي ونظرات المارة».
ونقلت المنظمة شكاوى الأهالي المجاورين لتلك المدارس، حيث عبروا عن استيائهم من انتشار هذه الظاهرة مؤخرا، وأكدوا أن بعض الشبان أصبحوا يدخلون المدارس نهارا دون الخوف من المساءلة أو العقاب، مطالبين الجهات المعنية والسلطات المختصة بملاحقة هؤلاء الشبان واتخاذ تدابير رادعة وصارمة تجاههم، خاصة أن دخولهم إلى المدارس للتعاطي يرافقها عمليات سرقة لإثاث، ومحتويات المؤسسات التعليمية.
وأكد تقرير المنظمة، تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات في مخيم الحسينية، بين فئات الشباب والأطفال خاصة في السنوات الأخيرة، وباتت هذه الظاهرة الدخيلة تلقي بظلالها على السكان عموما، حيث الخشية على الأبناء والبنات في المدارس والجامعات تلاحق الآباء.
وفي العراق هذا البلد المُثقل بالأزمات، فتحت المدارس أبوابها مستقبلة عامٍا جديدا، وسط جمّلة خروقات وانتهاكات تطال ملف التعليم والطلبة، من بينها انتشار السلاح والفساد.
وسجّل العراق في شباط/فبراير الماضي، حادثة وقعت في محافظة البصرة الجنوبية، الغنيّة بالنفط، تمثّلت بإصابة ثلاث طالبات في مدرسة «برصاص منتسب حماية أمني» قيل بأنه «بالخطأ» فيما أقدم أحد الطلاب في مدرسة في منطقة العزيزية في محافظة واسط، بإحراق جميع الوثائق في المدرسة، في تموز/يوليو 2019.
كذلك، وثّقت هيئة النزاهة الاتحادية رصد ضرر في المال العام بأكثر من ملياري دينارٍ (أكثر من 1.3 مليون دولار) في مشروع إنشاء بناية مدرسةٍ نموذجيَّةٍ في البصرة.
وحسب بيان الهيئة، فإن المشروع يتعلق ببناء مدرسة نموذجيَّةٍ تتألف من «ثلاثة طوابق» لكن إنجازها جاء بشكلٍ مُخالفٍ للمواصفات الفنيَّة بعد قيام مُحافظة البصرة بإحالة مناقصة إنشائها إلى إحدى الشركات في عام 2013 وتخصيص مبالغ إضافيَّةٍ لها.
ولم تتسلّم مُديريَّة التربية في المحافظة المدرسة «لوجود نواقص كثيرة فيها وأضرار كبيرة في البناء» من بينها تشقُّقاتٌ في الجدران وتساقط جدران الحمامات، فضلاً عن نضوح الماء من سقف البناية.
3 ملايين طفل
وسجّل العراق هذا العام التحاق أكثر من 12 مليون تلميذ وطالب.
الخبير العراقي في حقوق الإنسان، علي البياتي قال لـ«القدس العربي» إن العراق بحاجة إلى 7 آلاف مدرسة جديدة للمراحل الابتدائية والثانوية، لـ«حلّ مشكلة الدوام الثنائي والثلاثي في المدارس» فقط.
وأوضح أن «هناك 1500 مدرسة ابتدائية و275 مدرسة ثانوية قديمة وآيلة للسقوط، أي أنها غير صالحة للاستخدام» مشيراً إلى إن «نصف مدارس العراق بحاجة إلى إعادة تأهيل».
وحسب البياتي، فإن هناك «820 مدرسة أخرى عبارة عن أبنية طينية، ومخيمات، وصفوف كرفانية في أطراف المدن» لافتاً إلى أن «ألف مدرسة خاضعة لسيطرة بعض المتنفذين بشكل كلي أو جزئي في عموم البلاد».
وفيما كشف عن «أكثر من 3 ملايين طفل خارج المؤسسة التعليمية» نوّه في الوقت عينه إلى «الاستغلال الموجود في المدراس الأهلية التي تعتبر دكاكين للسياسيين أو مقربيهم، حيث يأخذون أموال طائلة مقابل بناية مؤثثة ومكيفة فقط بدون تعليم حقيقي، بسبب غياب الرقابة واستغلال حاجة المواطن».
حطام المدارس
وفي السودان، لا يبدو واضحاً كيف بدأ آلاف الطلاب عامهم الدراسي الجديد بعد انهيار 632 مدرسة كلياً وجزئياً في موسم الخريف الماضي بجميع أنحاء البلاد. بالإضافة إلى أن بداية العام الدراسي، تأتي في ظل أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية بالغة التعقيد، بعد الانقلاب العسكري في 25 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، ما أدى إلى إعلان عدد من الولايات تأجيل العام الدراسي، بينما أصرت أخرى على إطلاقه على أي حال.
وأعلنت حكومة إقليم النيل الأزرق جنوب شرق البلاد، تأجيل العام الدراسي، بسبب استخدام بعض مدارس الإقليم كمراكز إيواء للنازحين، ما أدى إلى تردي بنيتها التحتية المتهالكة بالأساس، حيث شهدت الولاية أحداث عنف قبلي خلال الأشهر الماضية أدت إلى مقتل نحو 200 شخص ونزوح الآلاف.
وكان رواد وسائل التواصل الاجتماعي قد تداولوا لقطات للطلاب في يومهم الدراسي الأول، يقفون بين ركام مدارسهم التي انهارت، إثر السيول والفيضانات التي ضربت البلاد مؤخرا.
وحسب وزارة التربية والتعليم السودانية بلغ عدد المدارس التي انهارت بشكل كامل أو جزئي في أنحاء البلاد المختلفة 632 مدرسة، وحسب الإحصائية، كانت المناطق الأكثر تأثرا، شرق السودان بواقع 175 مدرسة وإقليم النيل الأزرق حيث انهارت 72 مدرسة بالإضافة إلى 58 في العاصمة الخرطوم.
وبينما تعاني البنية التحتية للمدارس من التردي، وتقول إحصاءات الأمم المتحدة أن نحو 7 ملايين طفل لا يذهبون للمدارس في السودان، قالت وزارة التربية والتعليم أن كتب الفصول من الثاني وحتى الخامس الابتدائي احتوت على بعض الإشارات السياسية السالبة التي وضعت في عهد الحكومة الانتقالية.
وقال وزير التربية والتعليم المكلف محمود سر الختم في تصريحات صحافية الأسبوع الماضي أن وثيقة المناهج تنص على أن لا يحتوي المنهج على أي منحى سياسي، مشيرا إلى أن مدير المنهاج السابق وضع محتوى سياسيا في كتب العلوم واللغة العربية وأن الوزارة ستقوم بعمل نشرات بالخصوص وحذفها وأضاف: «ليس لدينا اتجاه سياسي ولا نتبع لجهة سياسية ونريد المصلحة العامة والتأسيس لتربية وطنية للطالب السوداني».
بالتزامن، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونسيف» إحصائية صادمة، بينت أن 6.9 مليون طفل سوداني لا يذهبون للمدارس، أي أن ثلث الأطفال السودانيين في سن الدراسة لا يتلقون تعليمهم، مشيرة إلى 12 مليونا آخرين لا يتلقون تعليما جيدا.
وأرجعت ذلك، إلى نقص المعلمين وتردي البنية التحتية للمؤسسات التعليمية في البلاد، مشيرة إلى ضرورة توفير بيئة تمكّن الأطفال من التعلّم، وتجعلهم يحققون أحلامهم، ويظهرون إمكاناتهم الكامنة.
أوضاع كارثية
وفي ليبيا، يدخل الطلاب عاما دراسيا جديدا، بأوضاع كارثية في بعض المدارس وخاصة الواقعة في المناطق المهمشة كمناطق الجنوب، فضلا عن تلك التي شهدت حروبا دامية.
مدينة سرت إحدى أكبر مدن ليبيا القريبة من موانئ النفط، والتي تتوسط الخريطة وتحتضن البحر الأبيض المتوسط، واجهت قبل سنوات بمدارسها وبيوتها ومبانيها طغيان تنظيم «الدولة الإسلامية» ثم لم تجد من يعيد إعمار أهم المؤسسات فيها، كالمدارس والمشافي.
وحسب احصائيات رسمية بلغ عدد المدارس المدمرة نتيجة الحرب في مدينة سرت وحدها 65 مدرسة، إلا أن الوزارة المعنية بالتعليم ورغم مرور سنوات على انتهاء الحرب تناقش في اجتماعات جامدة آلية إعادة إعمار هذه المدارس دون خطط تطبيقية فعلية رغم المشاريع التي طرحتها الدولة في عدة مجالات أخرى ورغم المنح التي وزعتها.
في الجنوب، يدرس بعض الطلاب في مدارس مصنوعة من صفائح معدنية في قوالب صغيرة جاهزة، وضعت كفصول متنقلة وكانت إحدى الحلول التي وضعتها الدولة لأزمة الاكتظاظ هذه الصفائح التي أطلق عليها اسم فصول دراسية متنقلة، تمتص أشعة الشمس والحرارة صيفا والبرد والمطر شتاء، حتى تصبح غير مؤهلة للاستعمال البشري.
أحد مدراء المدارس الواقعة في براك الشاطئ، والذي رفض أن يظهر اسمه خشية من محاسبة الوزارة له، قال لـ «القدس العربي» إنه خاطب الوزارة أكثر من عشر مرات لصيانة المدرسة، وأن الوزارة وقعت عقودا لصيانتها بدون تنفيذ، موضحا أن صيانتها لا يحتاج لمبلغ كبير من المال.
وأضاف: «يدرس بمدرستي أكثر من 1300 طالب بين الفترة المسائية والصباحية رغم أن معظم الفصول الدراسية هي عبارة عن فصول متنقلة غير مناسبة للاستعمال البشري وسيئة التهوية فضلا عن الحرارة الكبيرة التي تجلبها هذه الصفائح التي تكون جدرانها ملاصقة لمقاعد الطلبة».
وفي إطار أزمة الاكتظاظ في المدارس وغياب التجهيزات اللازمة، قال وزير التربية والتعليم بحكومة الوحدة الوطنية، موسى المقريف، إن بلاده تحتاج إلى فصول دراسية ومقاعد إضافية لنحو 150 أو 170 ألف طالب.
وحسب قوله، فقد بلغ إجمالي عدد الطلاب في المراحل التعليمية المختلفة خلال العام الماضي مليون و250 ألف طالب، ويتوقع هذا العام تسجيل 170 ألف طالب إضافي.
ومن المدارس غير المؤهلة في ليبيا تظهر أزمة أخرى أرهقت الطلبة خلال العام الماضي وهي أزمة الكتاب المدرسي حيث، وفي العام الماضي تأخر، توفير الكتاب المدرسي إلى ما بعد منتصف العام، وهو ما تسبب في أزمة أدت إلى حبس الوزير، قبل أن يفرج عنه لاحقا، حيث اشتد الخلاف بينه وبين الحكومة. ففي الوقت الذي أوضحت فيه الأخيرة أنها وفرت لوزارة التعليم المبالغ اللازمة لطباعة الكتب المدرسية، قالت الوزارة إن السبب في تأخر طباعة الكتاب المدرسي، يرجع إلى تأخر الميزانيات المخصصة لها.
وخلال العام الحالي، عادت المخاوف من تكرر هذه الأزمة حيث قررت الوزارة أن موعد انطلاق الموسم الدراسي الجديد في ليبيا سيكون في 16 من الشهر الجاري، ما دعا الكثيرين إلى التساؤل حول الكتاب وتداعيات الانقسام السياسي والحكومي وحالة الفوضى الأمنية في البلاد على توفيره لكافة مناطق ليبيا في هذا العام
ورغم أن مدير مركز المناهج التربوية والبحوث التعليمية، كامل الويبة، قد قال في ندوة صحافية، إنه لن يكون هناك أي تأخير في توزيع المقررات الدراسية خلال العام الجاري، إلا أنه استدرك قائلا، «ولو حدث تأخير، سيكون لفترة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ بداية الموسم الدراسي» وهذا ما أعاد إلى الأذهان تصريحات المسؤولين العام الماضي.