عام على الانتفاضات العربية

حجم الخط
0

د. فايز رشيد عام انقضى على الانتفاضات العربية التي دشّنتها تونس، وانتقلت إلى مصر وليبيا وإلى بعض البلدان العربية الأخرى، التي ما تزال تمور بإرهاصات الحدث. وفي المشهد البانورامي العام لبلدان الانتفاضات العربية، يمكن القول: ان النتائج لم تكن على مستوى التوقعات من حيث الإنجازات التغييرية الثورية، وصولاً إلى أن البعض تمنى لو لم تكن تلك الانتفاضات/الثورات قد حدثت. هؤلاء على العكس من أصحاب وجهة نظر يعتقدون بأن الثورات قد أنجزت أهدافها، وبين هذه وتلك تكمن الحقيقة ومفادها: أن هناك تغييرات حقيقية تم إنجازها في هذه البلدان، لكنها لم تكتمل وهي بحاجة إلى مشوار طويل من حيث الوصول إلى ما هو مفترض أن تحققه ثورة. من جانب آخر: لم تكن هذه التغييرات بمعزل عن أخطارٍ جديدة رافقتها مثل: خطر الحرب الأهلية في ليبيا، والتي حذّر منها رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل أثر اشتباكات دموية وقعت في طرابلس، والتي كشفت عن حجم التناقض بين ما كان يُطلق عليه صفوف المعارضة، والتي تصل إلى مرحلة التناقض التناحري بين أطراف مفترض فيها أن تشكل فريقاً واحداً. هذا إلى جانب نزاعات أخرى نبتت كفطرٍ مسموم على هامش بعض الانتفاضات: كالنزاعات القبلية العشائرية، والأخرى المتعددة المظاهر. صحيح أنه أُجريت انتخابات في كلٍّ من تونس ومصر، ففي الأولى حذّر المنصف المرزوقي رئيس الدولة من تصاعد حدة الخلافات بين الأطراف التونسية وطالب’بهدنة’ فترة ستة شهور من أجل احتواء هذه الخلافات. في تونس أسفرت النتائج عن فوز القوى الدينية في الانتخابات، وهذه أخذت على عاتقها تكرار التجربة التركية في الحكم، والسؤال هو: هل هذه القوى فعلاً مهيئة لتكرار نفس التجربة المذكورة، وهل ما جرى في تركيا يمكن تطبيقه على ظروف تونس؟ في مصر تكررت نتائج الانتخابات عن فوز القوى الدينية بمن فيها الأصولية، وفق تأكيدات من مصادر غربية (أهمها الأمريكية) منها تصريح لهيلاري كلينتون: بأن الولايات المتحدة لا تضع فيتو على تسلم القوى الإسلامية المعتدلة للحكم في بلدانها’، ومنها أيضاً تصريحات أدلت بها المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية: فكتوريا نولاند، ذكرت فيها:’إن جماعة الإخوان المسلمين في مصر قدّمت للولايات المتحدة ضمانات وتعهدات باحترام معاهدة كمب ديفيد مع إسرائيل’، ومنها تصريح لجيفري فيلتمان، كبير مستشاري وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤؤن التغييرات في العالم العربي، ذكرها في مقابلة له مع صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ الأسرائيلية قال فيه: ‘أن الاخوان المسلمين في مصر أبلغوه: أنهم يفهمون أهمية الحفاظ على معاهدة السلام مع اسرائيل وأنهم لا ينوون الغاءها’. من جانب ثان فوفقاً لتصريح باسم الحكومة الإسرائيلية مفاده: انها أعطت الضوء الأخضر لسفيرها في مصر للإلتقاء بالإخوان المسلمين. بالطبع الأخيرون حاولوا نفي كل هذه الأنباء، فقد أدلى الناطق الرسمي باسم الإخوان المسلمين في مصربتصريح قال فيه: ‘أن الإخوان لم يعطوا تعهدات لأمريكا لكنهم يؤكدون على اللقاءات بين الجانبين’، ولكن هل يتجرأ الأمريكيون على اختلاق كل هذه التصريحات؟ وهذا بدوره يقود إلى تساؤلات أخرى: ما معنى التغيير إذن في مصر إن جرى التمسك بمعاهدة كمب ديفيد؟ وبخاصة أن إلغاء هذه المعاهدة هو مطلب جماهيري! فقد قام شباب الثورة بمهاجمة السفارة الإسرائيلية في القاهرة،هذا بالطبع عدا عن الخلافات بين أطياف المعارضة المصرية، وأن وجود المجلس الأعلى العسكري المصري على رأس السلطة في مصر هو استمرار لوجود ملامح من عهد مبارك! على صعيد آخر: فكما هو معروف بالطبع، تدخل حلف الناتو في الحدث الليبي، وهذا لم يكن تأييداً للثورة بالقدر الذي هو فيه دفاع عن مصالح دول الحلف في اقتسام الكعكة الليبية وتحديداً النفط في عهد التغيير، وهذا ما حصل، وبخاصة في ظل توتر متسارع للأحداث بين إيران والدول الغربية، وتهديد الأولى بإغلاق مضيق هرمز أمام تصدير النفط من كافة دول الخليج. الاستراتيجية الغربية وبالتحديد الأمريكية انطلقت في رؤيتها للانتفاضات العربية من قاعدة محاولة احتوائها وبخاصة بالنسبة للعهود الجديدة في هذه البلدان وبواقعية نقول: استطاعت هذه الاستراتيجية تحقيق أشواط في نظرية الاحتواء. هذا عدا عن أن التدخل العسكري الناتوي في الحدث الليبي قد أخرج الانتفاضة الليبية من مسارها السلمي إلى الآخر ذي الطابع العسكري، وبتدخل مباشر خارجي. من جانبه، فإن برهان غليون رئيس المجلس الانتقالي السوري (المعارضة الخارجية) كان واضحاً في تصريحاته: بضرورة التفاوض مع إسرائيل لاسترداد الجولان، ووعد في حالة تسلم المجلس للحكم في سورية بقطع العلاقات السورية مع حزب الله وإيران (وبالطبع مع المقاومة الفلسطينية، وطرد المتواجدين منها في سورية)، بما يشكله ذلك من مغازلة لواشنطن ولإسرائيل وللغرب عموماً، هذه الأطراف التي ترسم سيناريوهات عديدة (كما كشفت الأنباء) للمعارضة من أجل إنجاز عملية التغيير في سورية!هذا عدا عن المباحثات التي جرت مع الطرف الأمريكي في واشنطن، ومطالبة المجلس للناتو بفرض مناطق حظر جوي في سورية،ولتركيا بإنشاء مناطق عازلة على الحدود التركية – السورية. هذا يعني المطالبة بتسليم بلد عربي للولايات المتحدة وللأطراف الخارجية، الأمر الذي يُخرج هذه المعارضة من ردائها الوطني إلى الجانب النقيض منه تماماً. في اليمن، فإن للولايات المتحدة خيوط مع الحكم ومع المعارضة في محاولة لاحتواء أية تغييرات في هذا البلد، بمعنى أن أمريكا لم تترك بلداً عربياً حدثت فيه انتفاضة/ثورة أو أي بلد آخر توجد فيه هذه الإرهاصات. بالطبع الأهم للولايات المتحدة هو استمرار علاقاتها مع هذه البلدان، وضمانة أن لا يعكس التغيير في هذا البلد أو ذاك أية نتائج للبلد مع إسرائيل. وبخاصة معاهدة كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل. بعد عام على الانتفاضات العربية وفي ظل الصورة الضبابية الحالية لواقع بلدان هذه الانتفاضات، لا يملك المواطن العربي سوى أن يضع يده على قلبه، تحسباً لنتائج سلبية غير متوقعة، آملين عدم حدوث ذلك. ‘ باحث من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية