نحن بصدد ظاهرة جسدها المرشح الرئاسي الخاسر حمدين صباحي، وتشكلت عبر رحلة طويلة بدأت بنواة متماسكة وانتهت بالفشل والتشتت والصراع.. وخسارة حمدين ما كان لها أن تكون بذلك الحجم، ليحصل على ٪17مما حصل عليه في انتخابات 2012، وكان الثالث بين 13 مرشحا.
وعند تناول ظاهرة بالبحث ويكون محورها شخصا يصبح الأمر حساسا، وفيه مغامرة تبدو غير محسوبة، لكن يبقى الدرس المستخلص حافزا لركوب الصعب، وإسقاط الحساسيات، والاستسلام لإغراء المغامرة. وما حدث تعبير عن واقع ما زال يُعلي من شأن الفرد بأكثر مما ينبغي، ويصل الإعلاء حد التعصب أو التقديس والتنزيه.
بدأ حمدين صباحي عضوا في جماعة نشطة متماسكة، وبعد انتهاء دراسته الثانوية في «بلطيم» بمحافظة «كفر الشيخ» التحق بجامعة القاهرة في بداية سبعينات القرن الماضي، ولنا أن نصفها على طريقة الرئيس المخلوع «السبعينات وما أدراك ما السبعينات»! في مستهلها رحل جمال عبد الناصر، ومع مطلع 1972 اتسع نطاق الحراك الطلابي والنشاط الشبابي المؤثر، وفي مواجهته دفعت السلطات بقوافل وجماعات مذهبية طائفية تعلمت فقط فنون الضرب والإغارة بالأسلحة البيضاء والسيوف، وفنون التطرف والعنف والدم.
شهدت تلك السنة حضورا وازنا لطلاب ماركسيين وشيوعيين؛ الراحل أحمد عبدالله رزة، والشاعر زين العابدين فؤاد، والناشط الوطني أحمد بهاء الدين شعبان، وكانت بداية تنفيذ مخطط «اجتثاث» التيارات القومية العربية والناصرية، قربانا من السادات بعد نجاحه في التخلص من «زملائه»؛ رجال ومعاوني عبد الناصر؛ قربانا منه لـ»العزيز هنري» كيسنجر، وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام (خففت للسجن المؤبد) والاشغال الشاقة لمدد تراوحت ما بين 10 و25 عاما.
عملت أجيال متتالية على ملء الفراغ الذي تركه الجيل الأول، وجلها من خريجي وطلاب جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية وأسيوط والمنصورة والزقازيق، في مناخ يمور بالسخط والتمرد بتأثير نكسة 1967، ونفاد الصبر من تسويف السادات، وهو الذي قطع عهدا على نفسه وسمى عام 1971 «عام الحسم» و»إزالة آثار العدوان»، ومر العام دون حسم وأطلق عليه السادات «عام الضباب»، محتجا بالحرب الهندية الباكستانية، وانشطار باكستان إلى شطر شرقي باسم بنجلاديش، وآخر غربي احتفظ باسم باكستان!.
وجد حمدين صباحي نفسه وسط دائرة من أعضاء «منظمة الشباب الإشتراكي»؛ يمتلكون قدرات سياسية وفكرية ومهارات تنظيمية وميدانية واضحة، ومنتشرون بين مختلف كليات ومعاهد الجامعة؛ العملية والنظرية والإنسانية.
وتمكنت تلك المجموعة من استيعاب الخبرات السياسية واكتساب المهارات التنظيمية، فقويت شوكتها، بجانب عون تلقته من زملاء أكبر سنا؛ فرئيس اتحاد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، محمد السعيد إدريس، من قادة «منظمة الشباب الاشتراكي».. (باحث بمركز دراسات «الأهرام» وبرلماني سابق وقيادي بحزب الكرامة والمجلس الوطني المصري)، ساعد في تهيئة «معهد إعداد القادة» بحلوان، فتمكنت المجموعة من عقد دورة تثقيفية في اكتوبر/تشرين الأول 1973، وخلالها حدثت معركة 1973، وفيها ولدت فكرة «نادي الفكر الناصري» لجامعة القاهرة.
وعمل ذلك «النادي» ليكون رافعة ترتقي بالوعي الوطني والعروبي والاشتراكي والديني المستنير بين الطلاب، مستعينا بأبحاث ودراسات «منظمة الشباب الاشتراكي»، وكتابات المفكر الفلسطيني الراحل أحمد صدقي الدجاني، ومؤلفات المفكر القومي العربي الراحل عصمت سيف الدولة، بجانب ما كان يصلهم من منشورات «رابطة الطلبة العرب الوحدويين الناصريين»، مع حصيلة برامج محاضرات وندوات «النادي»، واتسعت دوائر المؤسسين وتضاعفت عضوية «النادي»، كثمرة لجهود تميزت بالكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، وأضحى أسامة عفيفي.. طالب الأداب (ناقد أدبي وفني وكاتب كبير وأديب معروف) بالنسبة للمجموعة بمثابة «الكومبيوتر البشري» والذاكرة المتحركة والخازنة لـ»النادي» والحافظة لتراثه، وعبد الله السناوي (رئيس سابق لتحرير صحيفة العربي المصرية) مستعد لكتابة وصياغة أفكار ومشروعات «النادي» النظرية والعملية، ومهمة كمال أبو عيطة (وزير القوى العاملة السابق) التواصل مع الشارع، والتحرك الجماهيري والعمل الميداني.
وضمن تلك الكوكبة كان حمدين صباحي مرآة عاكسة لتطلعاتها وأحلامها، ينفذ ما يكلف به «نقابيا»؛ في اتحاد طلاب كلية الإعلام، ومع اتحاد طلاب الجامعة، وصولا لاتحاد الجمهورية، وسياسيا في «نادي الفكر الناصري»، الذي نجح في مد الجسور مع «أسبوع ناصر» بجامعة عين شمس، وكان قد تأسس في سبتمبر،ايلول 1971، وأغلقه السادات في 1977، قبيل رحلته البائسة إلى «القدس المحتلة» بأسابيع قليلة، كآخر ورقة اعتماد مقدمة لواشنطن وتل أبيب، وإعلان اكتمال «اجتثاث» التيارات والقوى القومية والناصرية!.
وأحدث مد الجسور مع طلاب جامعة عين شمس نقلة هامة، فمنهم أعضاء في «التنظيم الطليعي»، وامتد تأثيرهم إلى خارج الجامعات، كطلاب كلية الهندسة، محمد مصطفى الغزاوي (استشاري هندسي لشركات كبرى)، ومحمد سامي (من مؤسسي شركة «الميكانيكيون العرب» ورئيس حزب الكرامة)، وطارق النبراوي (من مؤسسي «الميكانيكيون العرب» ونقيب المهندسين)، وبسام مخلوف (مؤسس في «الميكانيكيون العرب» وخبير هندسي)، ومعهم طالب التاريخ أحمد الجمال (مؤرخ وباحث وكاتب معروف).
كان ذلك هو المناخ السائد في فترة مبكرة من حياة صباحي النقابية والسياسية، وبدأت في التغير عام 1976، وهو عام تم فيه لقاء جامعة الزقازيق، وصدرت عنه «وثيقة الزقازيق»، وبعدها تقرر «تسكين» الطلاب في المحافظات. وجاء عام 1977 ليصفه أحد مؤسسي «نادي الفكر الناصري» بـ»عام المحنة».
بدأ عام 1977 بـ»انتفاضة يناير»، فوصفها السادات بـ»انتفاضة الحرامية»، وتصاعدت الملاحقات والاعتقالات والهجرة والاعتزال، وفيه أغارت «المباحث العامة» على «أسبوع ناصر السابع» بطريقة همجية؛ بدأت بقطع التيار عن حفل الافتتاح؛ سبتمبر/ ايلول 1977، والاعتداء على الحضور، وكان المتحدث هو خالد محيي الدين. ولما ضاقت الدنيا بادر البعض بتكوين حلقات وجماعات سرية، وكان بعضها لا يتعدى أصابع اليدين، وبعضها ترك بصمات على دعم القضية الفلسطينية، وعلى التصدي للاختراق الصهيوني.
وفي ثمانينات القرن الماضي خرج الفريق محمد فوزي، ومحمد فايق، وسامي شرف، وفريد عبد الكريم وضياء الدين داود ومحمد عروق ونبيل نجم وغيرهم؛ عملوا على تأسيس «الحزب العربي الاشتراكي الناصري»، ووقع الاختيار على فريد عبد الكريم وكيلا للمؤسسين، ولم توافق لجنة الأحزاب اعتراضا على اسم الراحل فريد عبد الكريم وعلى اسم الحزب!، وظهر «الحزب العربي الديمقراطي الناصري» في 1992 برئاسة الراحل ضياء الدين داود.
من البداية اشترط صباحي أن يكون أمينا عاما للحزب الجديد!.. ولما لم يتحقق طلبه قاد أول انشقاق في الحزب الوليد، وعلى خطاه سار مصطفى بكري، وانشق هو الآخر لأن الاختيار لم يقع عليه رئيسا لتحرير صحيفة نفس الحزب، وغلبت النجومية على العمل الوطني.. كيف؟ وهو ما نتناوله في فرصة قادمة إن شاء الله.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب