من غير المتوقع أن تضمَّ الحكومة الجديدة أسماء من غُلاة المناوئين للمتشددين، ولا سيما في القضايا والملفات الحسَّاسة الداخلية والخارجية.
يتسلّم الرئيس الإيراني المنتخب مسعود بزشكيان في 28 تموز/يوليو الجاري من المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي مرسوم تنصيبه رئيساً للجمهورية بعد فوزه على منافسه المرشح المتشدّد سعيد جليلي في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الإيرانية المبكرة التي جرت في 5 تموز/يوليو الجاري بعد مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادثة سقوط مروحيته فوق محافظة أذربيجان الشرقية في 19 أيار/مايو الماضي. وسيؤدي بزشكيان اليمين الدستورية أمام مجلس الشورى في 30 تموز/يوليو، وأمامه مهلة 15 يوماً لتقديم تشكيلة حكومته إلى البرلمان لنيل الثقة عليها. وهي الامتحان الأول للرئيس الجديد مع المجلس التشريعي الذي يُسيطر عليه المحافظون المتشددون. فالرئيس المنتخَب وفريق عمله ومستشاروه الذين هم من حقبة الرئيس حسن روحاني، وفي مقدّمهم وزير الخارجية محمد جواد ظريف، الذي كان نجم الحملة الانتخابية، يدركون أن الأغلبية المحافظة في البرلمان ستكون لهم بالمرصاد لدى عرض الحكومة الجديدة. وبالتالي، من غير المتوقع أن تضمَّ الحكومة الجديدة أسماء من غُلاة المناوئين للمتشددين، ولا سيما في القضايا والملفات الحسَّاسة الداخلية والخارجية.
حكمة «القائد المفدّى»
منذ اليوم الأول لفوزه، سعى بزشكيان، نائب مدينة تبريز، وطبيب القلب البالغ من العمر 69 عاماً، والذي شغل منصب وزير الصحة في عهد الرئيس محمد خاتمي، لأن يؤكد أنه ابن النظام والثورة الإسلامية وأنه أمين على تاريخه. فاختار أن يكون خطاب النصر من مرقد الإمام الخميني في طهران، مجدداً الولاء والعهد لمبادئ مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، وموجهاً التحية للمرشد خامنئي، واصفاً إياه بـ«القائد المفدّى للبلاد» ومعتبراً أنه «لولا حكمة خامنئي لما كنّا نستطيع أن نصل إلى هذه الفرصة»، معلناً أنه سيسلك طريق الحوار والانفتاح والوحدة الوطنية لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها إيران. وهو حين زار خامنئي أوصاه بالاستمرار على نهج رئيسي والاستفادة من قوة إيران وإمكاناتها.
تعهّد بزشكيان أمام زملائه السابقين في البرلمان بتشكيل حكومة وفاق وطني، ذلك أنه «لا يمكن إدارة البلاد بالخلاف والشجار، ومضطرّون للتعاون من أجل تجاوز الأزمات التي نواجهها وحل المشاكل بروح من التعاون والتفكير الجماعي». وحرص على الإعلان أمام الصحافيين من البرلمان أنه طلب من الأفراد في المجموعات السياسية المختلفة؛ من إصلاحيين ومحافظين ومستقلين، الذين يعتقدون أنهم يستطيعون المساعدة، تقديم سِيَرهم الذاتية التي سيتم فحصها من قبل مجموعات منفصلة، وسيتم اختيار الأشخاص الذين حصلوا على أعلى الدرجات. بالطبع هذه ليست بالمهمة السهلة نظراً إلى تضارب المصالح لدى كثيرين، والطموحات باقتسام «كعكة السلطة» من القريبين والبعيدين.
وكان الرئيس المنتخب قد شكَّل لجنة توجيهية برئاسة ظريف للنظر في اختيار المرشحين لتولّي حقائب ومؤسسات خاضعة للرئاسة الإيرانية، ويتوقع متابعون أن يُوكل الرئيس مهمات في مكتبه فضلاً عن نيابة الرئاسة إلى شخصيات مقرَّبة منه، وقد تكون محسوبة على التيار الإصلاحي، كونها لا تحتاج إلى موافقة البرلمان، لكنه سيسعى إلى الابتعاد عن اختيار شخصيات للحكومة يمكن أن تثير حساسية النواب، فهو مُدرك تماماً للطبيعة السياسية التي تتحكّم بمجلس الشورى، ولا سيما أن أداءه – منذ انتخابه – يؤشّر إلى أنه ماضٍ في طريق المهادنة لا التصادم. فاختيار التصادم يعني ببساطة السقوط في التعطيل والشلل، في وقت تمرُّ فيه البلاد بأزمات داخلية وخارجية.
مظلة المرشد
هذا الحرص على التعاون ليس مقتصراً على الرئيس، بل هو حاجة ملحّة لدى القيادة الإيرانية العليا أيضاً التي تدرك حجم التحديات التي تواجه النظام العقائدي الديني ومستقبل الجمهورية الإسلامية، وتريد تمرير المرحلة الصعبة من خلال عبور الأزمات بأقل الخسائر.
وقد حضَّ خامنئي، في أول لقاء مع البرلمان الجديد المنتخب في آذار/مارس الماضي، النواب على «التفاعل البنّاء» مع الحكومة الجديدة. وقال: «يجب أن نؤمن إيماناً راسخاً بأن نجاح الرئيس المنتخب هو نجاح لنا جميعاً. وإذا نجح في إدارة البلاد وفي تحقيق التقدّم الاقتصادي وفي القضايا الدولية والثقافية، فإننا جميعاً سنكون قد حققنا النجاح. والتصويت على الحكومة التي سيقدّمها بزشكيان مهمتكم العاجلة والملحّة، وكلما جرتِ المصادقةُ على الحكومة المقترحة بأسرع وقت، بعد القيام بالإجراءات اللازمة، وبدأت الحكومة العمل، كان ذلك أفضل للبلاد».
وحدَّد مواصفات الوزراء من حيث وجوب أن يُؤمن هؤلاء بنظام الجمهورية الإسلامية بعمق، وأن تكون لديهم نظرة وطنية، وألا يكونوا غارقين في القضايا السياسية والحزبية. ودعا الحكومة والبرلمان إلى الابتعاد عن الخلافات، في حين اعتبر أنه «في القضايا المهمة يجب أن يكون هناك صوت واحد مسموع في البلاد». لكنه أكد على أن البرلمان هو مَن يُحدِّد ذلك في بعض القضايا الداخلية والخارجية. وهذه رسالة إلى بزشكيان الذي كان حاضراً اللقاء بوصفه نائباً سابقاً ورئيساً منتخباً. فهو في حملته الانتخابية وعد بالعمل على تعديل القوانين المتعلقة بـ«الحجاب الإلزامي» وعودة شرطة الأخلاق التي كانت السلطات الإيرانية قد علّقتها لامتصاص نقمة الشارع بعد مقتل الشابة الكردية مهسا أميني في مركز الاحتجاز، وما أحدثه ذلك من احتجاجات عُرفت بـ«ثورة الحجاب؛ كما وعد بالعمل على رفع تقييد الوصول إلى الإنترنت، وكذلك الانفتاح على الغرب، وإعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني من أجل رفع العقوبات التي انعكست سلباً على الاقتصاد الإيراني، وعلى حياة الإيرانيين ومعيشتهم.
«خريطة الطريق»
ففي لقائه مع البرلمان في 21 تموز/يوليو، حسم خامنئي المسألة الأهم المتعلقة بقانون العمل الاستراتيجي المتعلق بالمفاوضات النووية، والذي يُشكّل إطاراً للعمل لرفع العقوبات الأمريكية وحماية مصالح الأمة. قال: «إن قانون العمل الاستراتيجي الذي أقرّه البرلمان السابق في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2020 كان عملاً جيدًا جدًا. بالطبع، اعترض البعض عليه وعيّبوه، ولكن بالتأكيد أخطأوا فيه، وأن هذا القانون كان عملاً صحيحًا جدًا». وكان سبق أن وصف قانون العمل الاستراتيجي بأنه «أنقذ البلاد من الضبابية والضياع في الملف النووي، وحدَّد بوضوح ما يجب أن نفعله». بزشكيان تحدث خلال حملته الانتخابية أنه ينوي التحدث إلى البرلمان لمراجعته وتعديل بعض بنوده. واعتبر محمد جواد ظريف أثناء المناظرات أن البرلمان أقرَّ هذا القانون لعرقلة العودة إلى الاتفاق النووي. من هنا يُفهم تراجع ظريف، قبل أيام، عن انتقاداته الشديدة للقانون، إذ كتب في رسالة له عبر حسابه على موقع إكس: «بغض النظر عن وجهات النظر الشخصية، فإن قانون العمل الاستراتيجي، فيما يتعلق بالمفاوضات النووية، هو قانون البلاد ويجب احترامه».
إنها مؤشرات على بداية التأقلم مع حقيقة أن موقع الرئاسة المحاط، لا بل المحاصر من مؤسسات سياسية وأمنية وقضائية يغلب عليها الطابع المتشدّد، لن يكون قادراً على الإنجاز من دون تقديم تنازلات ستكون واضحة، لكنها لن تصل بالتأكيد إلى تكرار التناغم الذي كان قائماً بين المرشد والرئاسة والحرس الثوري في زمن ولاية إبراهيم رئيسي، ولن تُعيد تكرار تجربة ولاية روحاني لجهة التصادم من داخل المؤسسات.